آخر المواضيع المتعلقة

أرشيف البلدان
أرشيف الأيام
الأجندة

الخدعة النبيلة

في مطلع الفصل الأول من كتابِه "ضرورة الفن" يقول المفكر إرنست فيشر: "الشعر ضرورة... وآه لو أعرف لماذا" بهذه العبارة الرقيقة عبر جان كوكتو عن ضرورة الفن وعبر في الوقتِ نفسِه عن الحيرة إزاء دورِ الفن في العالمِ البورجوازي المعاصر." 

 
أعترف لكم أن هذه العبارة ماتزال عالقة في ذاكرتي منذ أن قرأت كتابَ فيشر قبل حوالي ثلاثة عقود، وهي تؤكد وجودَها في داخلي كلما طرح عليَّ موضوعُ وظيفةِ الفن في المجتمع وضرورتِهِ في سياقِ تحضرِ البشر.

 
خلاصةُ تجربتي على جبهةِ الحروف التي بات عمرُها أكثرَ من نصفِ قرن هو أن الفنَ وجهةُ نظر لا نظرية، والإبداعَ الحقيقي غالباً ما يطرح نفسَهُ بقوة، وهذا ما يغري بعضَ متوسطي المواهب من النقاد بتحويلِهِ إلى نظرية، وقد يدوم هذا الحالُ لبعض الوقت إلى أن يأتي مبدعٌ حقيقي آخر ويكسرَ القواعدَ التي أرساها سابقُهُ، فيقوم النقاد متوسطو الموهبة بتكرارِ اللعبة التي مارسوها مع سابقِهِ! 


نعم الفنُ ضرورة وكلُ فنان يؤكد بطريقتِهِ عدمَ معرفتِهِ لماذا! وليس حالي بأفضلَ من حالِ سواي. غير أني كُنت أعرف دوافعَ محاولاتي في مجالِ فنِ الكتابة. وقد قلت قبل سنوات: 


"في الأدب حاولت أن يكون نصي جسراً يعبرُهُ القارئُ الى حقيقةِ نفسِه، وأشواقِ روحِه، وواقعِ مجتمعِه، كي يرى القوانينَ الخفية التي تتحكم بذلك الواقع، فيعمل على تغييرِ نفسِهِ وتغييرِها وتغييرِهِ. في الدراما حاولت أن أكونَ جسراً بين المشاهدِ ونفسِه، وبينه وبين تاريخِهِ وخصوصيةِ مجتمعِه وقضاياه المختلفة وجمالياتِهِ الخبيئة، في الصحافة حاولت أن أكونَ جسراً بين القارئ وقضايا الحياةِ الجديدة والممتعة والجميلة، كما حاولت أن أكون جسراً بين معاناةِ المواطنين والدولة. في التصوير حاولت أن أكون جسراً يعبُرُهُ الجمالُ الى الناس، في مقالاتي عن الحاسب أردت أن أكون جسراً بين المواضيعِ التخصصيةِ الطويلةِ الجافةِ والمملة، وبين مستخدِمِ الحاسب، العادي، كي يفهمَ منطقَ الآلة، ويتقبلَ ذكاءَها المختلف."


إلا أنني رغم ما سبق مازلت واقفاً عند عبارة "الفن ضرورة ... وليتني أعرف لماذا ؟"


قبل أيام قرأت حكايةً يقال إنها جرت مع الكاتبِ التشيكي فرانز كافكا قبل سنةٍ من وفاتِه، صحيح أن الحكاية تبدو غيرَ مقنعةٍ الى حدٍ ما، لكنني سأسمح لنفسي بتلخيصِها لكم لاعتقادي بأنها تنطوي على دلالاتٍ عميقة.


ملخصُ الحكاية أن كافكا أثناء تجوالِهِ في حديقةٍ عامة رأى طفلةً تبكي بلوعة، ولما علم منها أنها قد ضيعت دميتَها، راح يفتش معها عن الدمية، وعندما حل الظلام قبل أن يجدا شيئا، اقترح كافكا على الطفلة أن تعودَ إلى بيتِها ووعدها أن يأتي صباح اليوم التالي كي يبحث معها مجدداً عن الدمية. 


في تلك الليلة قرّر كافكا أن يكتبَ رسالةً للطفلة على لسانِ دميتِها لأنه كان على ثقةٍ تامة أن الدّميةَ قد ضاعت نهائياً.
قال كافكا على لسانِ الدمية: “صديقتي العزيزة، أرجو أن تتوقّفي عن البكاء، فأنا قرّرت السّفرَ لرؤيةِ العالم و تعلّمِ أشياءَ جديدة، وسأُخبرك بالتّفصيل عن كلِّ ما يحدُثُ معي يوميًا".


عندما قابل كافكا الطفلةَ وقرأ لها الرسالة، راحت تبتسم بفرح والدموعُ تتساقط من عينيها .


في اليوم التالي جاء كافكا الى الموعد ومعه رسالةٌ تحكي فيها الدميةُ للطفلة عن مغامراتِها البطوليةِ الطريفة بأسلوبٍ ممتعٍ بالغِ الجمال. 


كرر كافكا لقاءاتِهِ مع الطفلة لعدةِ أيام وفي كلِ يوم كان يحضر لها رسالةً طريفةً من دميتِها، وعندما قرر كافكا إنهاءَ المغامرة أهدى للطفلةِ دميةً جديدة مختلفة كلياً عن دميتِها القديمة . ومعها رسالةٌ منها تقول فيها: "الأسفار غيّرتني، لكن هذه هي أنا".


كبرت الطفلةُ وصارت صبية، لكنها احتفظت بالدمية التي أعطاها إياها كافكا، وذات يوم اكتشفت أنه ثمة رسالة مخبّأة في معصمِ الدمية، هذا نصُّها: "الأشياءُ التي نُحبّ معرّضةٌ للفِقدان، لكن الحبَّ سيعود دومًا بشكلٍ مختلف".


في ضوءِ ما سبق أحسب أن الفنَ خدعةٌ نبيلة ضرورية، الهدف منها مساعدةُ الناسِ على تحملِ خساراتِهِم واكتشافِ وجهِ الحياةِ الخفيِ الساحر.

 

سوريانا إف إم : بوح الكلام