سلالات القتلة

بعد مرور مئة عام على المجازر العثمانية بحق الأرمن، وبعد إدانة عشرات الدول لها، أدان مجلس الشعب السوري، بالإجماع، الإبادة الجماعية للأرمن كما يدين كل من ينكرها ..

الخطوة مباركة ولكن لامفاعيل قانونية لهذه الإدانة، من حيث التعويض على السوريين الأرمن، أو مصادرة الأملاك العثمانية التي تحتل مساحات واسعة من الأراضي السورية، إذ عجزت الحكومات السورية المتعاقبة عن اتخاذ قرارات أو مشاريع قرارات تخص الأملاك المنسوبة للسلطان العثماني الذي استمر انتهاكه لحرمات الأراضي السورية 400 عام، وما زالت الحكومة السورية تعتبره مالكاً من دون إيجاد أي حل أو اتخاذ أي قرار !؟

كما لم تشمل الإدانة المذابح التي قام بها العثمانيون ضد مئات آلاف السوريين من السريان الآشوريين والدروز والموارنة والجركس والعلويين، إذ افتتحوا أول مجازرهم في سورية عام 1515 ضد الحلبيين العلويين، فقتلوا منهم أربعين ألفا داخل الجوامع أثناء صلاة الجمعة، ومن يومها توقف العلويون عن الصلاة في الجوامع حتى لايُغدر بهم مرة أخرى.. وقد أخذت منطقة التلل بحلب اسمها من تلال الجثث التي جمعت فيها، ثم بنى العثمانيون بعدها حيّا لأطفال العلويين شمال القلعة اسمه حي الزغار ـ حسب مارواه لي الأديب وليد إخلاصي ـ وألحقوا أولاد ضحاياهم بالجيش الإنكشاري، كما تفعل "داعش" اليوم تماما .. وقد نجا من نجا من علويي حلب بوساطة وتدخل من شيوخ السنة العرب، فسمح السلطان سليم لمن تبقى بالنزوح إلى جبال الساحل السوري .. وبات لديهم "هولوكست" كما لكل ضحايا العثمانيين خلال أربعة قرون من الدم والقهر ..

فبقايا العثمانية في الحياة السورية مازالت تشكل خطرا على الدولة، وتؤخر استحقاق المواطنة، وقدكان لأتباعها الدور الأكبر في الحرب على سورية، وهم لازالوا يحاربون اليوم تحت راية العثماني، لأن قياداتنا المتعاقبة لم تجرؤ على معالجة مسألة ضعف مواطنتهم وتفكيك ألغامهم الثقافية، بل وحتى وقت قريب كانت كتبنا المدرسية مستمرة باستخدام مصطلح "الفتح العثماني للبلاد العربية" ولم نفهم كيف يمكن فتح بلاد يدين غالبية أهلها بالإسلام لأن الفتح يكون لبلدان ( الكفار ) !؟ وقد تم حذف التسمية بعد حملة شعبية شاركنا فيها، وعدلت التسمية لتكون "الإحتلال العثماني" كما أعلمني في حينه وزير التربية السابق قبل أن نوقف الحملة ..

فبعد سقوط الدولة العثمانية، تشكلت جماعة الإخونج كرد فعل على سقوطها، ونادوا بإقامة الخلافة، وقد كان من الطبيعي أن يتحالف الإخونج وبقايا العثمانيين في سورية مع حزب "العدالة" الذي قام على أنقاض حزب "الرفاه" الذي تبنى العثمانية الجديدة وقال بتعزيز ولاء بقايا الدولة العثمانية في العالم القديم، بدءا بتركمان الصين من الإيغور مرورا بتركمان سورية وصولا إلى تركمان مصر وليبيا، وكثيرين منهم كانو يرسلون أبناءهم للدراسة في الجامعات التركية على حساب الدولة التركية مع راتب شهري ووعد بتأمين عمل لهم في بلدان إقامتهم.. حيث يعمل التنظيم العالمي للإخوان المسلمين على تفكيك تركيا العلمانية التي بناها مصطفى أتاتورك لاستعادة الطربوش العثماني الذي بات قبعة ضيقة على عقل الإنسان المعاصر، بينما بقاياهم تصرخ اليوم : احرقوا إدلب، احتلوا سورية، احتلوا ليبيا، فككوا مصر، قسموا الصين ...غير أن السلفية العثمانية ستكون سبب انقسام المجتمعات التركية التي آمنت بالمواطنة التي حققتها علمانية أتاتورك، بينما الإخونج يميلون اليوم إلى استعادة النظام الملّي الأمر الذي سيساهم بتفكيك قاعدتهم التركية ويشعل ثأر سلالات الضحايا من جديد..

لهذا قلنا ومازلنا نؤكد أن تنمية المواطنة هو مايخفف من عصبيات الطوائف والعشائر والقوميات السورية ليصهرها في بوتقة الوطن، كما هو الحال لدى الأمريكان على سبيل المثال، عندما تغدو الدولة الحامي والراعي لكل المواطنين دون تمييز، ولهذا فإن دستور المواطنة في الجمهورية العربية السورية مازال يمنع قيام أية أحزاب أو جماعات على أساس عرقي أو ديني، وبالتالي يجب أن نعمل على تفكيك هذه العصبيات وإظهار مساوئها التي ساهمت، إلى جانب أعداء الخارج، بتدمير وتقسيم الوطن السوري الكبير ، فسورية مبتدانا ومنتهانا ..آمين

 

نبيل صالح