روسيا والحسابات الفيروسية

نور الشربجي: 

كتب ديميتري ترينين مقالاً عنوانه «روسيا والحسابات الفيروسية» نشره مركز كارنيغي للشرق الأوسط بتاريخ 16 نيسان/أبريل 2020، تحدث فيه عن التأثير الذي أحدثته أزمة كورونا في السياسات الروسية تجاه الشرق الأوسط، وكذلك الفرص التي وفرتها أيضاً.

بحسب الكاتب، فإن أحد أخطر التداعيات الاقتصادية التي طالت روسيا بسبب فيروس كورونا هو انهيار أسعار النفط التي تراجعت في مدة معيّنة إلى أدنى مستوياتها منذ عقدَين من الزمن. وقد ترك هذا الوضع تأثيراً كبيراً على السياسات الروسية في الشرق الأوسط.

فمنذ انضمامها إلى منظمة الدول المصدِّرة للنفط (أوبك) في العام 2017 من أجل الحفاظ على استقرار أسعار النفط، كانت موسكو تراقب الأوضاع بقلق متزايد، في ما عمد منتجو النفط الصخري الأمريكي وسواهم، ممّن لا تُقيّدهم اتفاقات خفض الإنتاج، إلى التقدم لملء الفراغ في الأسواق التي خرج منها تحالف "أوبك +" (الذي يضم دول منظمة أوبك وروسيا وجهات أخرى حليفة منتِجة للنفط). وعندما أصرّت السعودية على تخفيض الإنتاج بشكل أكبر في آذار/مارس 2020 بسبب تفشّي فيروس كورونا، أثار "الإنذار" السعودي غضب روسيا التي أبدت معارضتها لخفض الإنتاج، ما أدّى إلى انهيار اتفاق "أوبك +". فباشرت السعودية على الفور إغراق الأسواق الأوروبية بالنفط، وبدأت تُستنزف إيرادات الموازنة الروسية.

لطالما كانت العلاقات الروسية-السعودية مُتشنّجة. تسعى الدولتان خلف أهداف مختلفة جداً في الشرق الأوسط. فليس هناك ثقة بين الحكومتين. ولكن القادة في موسكو والرياض يتمسكون برؤية عن العالم تستند إلى الواقعية السياسية، بما يتيح التوصل إلى اتفاقات ظرفية انطلاقاً من المصالح القومية لكل من البلدَين. وكان "أوبك +" –الذي صمد لمدة أطول مما كان متوقّعاً– واحداً من هذه الاتفاقات. ولدى انهياره، ساد شعورٌ بأن خطأً كبيراً ارتُكِب عندما سُمِح بذلك. واعتبر معظم المراقبين آنذاك أنها مسألة وقت فقط قبل إبرام اتفاق جديد.

أبصر الاتفاق الجديد النور بعد نحو شهر فقط، وقد أدّى طرفٌ ثالث، وهو الولايات المتحدة، دوراً كبيراً في التحفيز على إقراره. فعلى ضوء الهواجس التي عبّرت عنها صناعة النفط الصخري الأمريكية، تواصل ترامب مع كلّ من بوتين ومحمد بن سلمان للدفع باتجاه إبرام اتفاق بين جميع كبار منتجي النفط. وقد كرّس اتفاق "أوبك ++" الولايات المتحدة والسعودية وروسيا باعتبارها القوى الأساسية الثلاث التي يعود لها القرار في مسائل الطاقة العالمية. وهكذا، فإن ما بدا لعدد كبير من الروس في آذار/مارس بأنه هفوة تفاوضية تُنذر بهزيمة كبرى، تحوّل إلى مكسب جيوسياسي. أما الخسائر الناجمة عن حرب الأسعار، فقد اقتصرت على جزء بسيط من الخسائر الهائلة التي تسببت بها أزمة فيروس كورونا.

على صعيد آخر، أدى الوباء إلى توقف مؤقّت للقتال في إدلب، والذي شكّل في أواخر العام 2019 ومطلع العام 2020 اختباراً قاسياً للعلاقات بين روسيا وتركيا. فقد عمد الجهاديون المُحتجزون في الجيب الذي تسيطر عليه القوات التركية إلى خفض أنشطتهم بشكل ملحوظ. إذ يتفشّى فيروس كورونا سريعاً في تركيا. وثمة مخاوف أيضاً من أن يصيب الوباء سكان إدلب، حيث تشهد مخيمات اللاجئين اكتظاظاً شديداً. كما أن إيران التي تُعد لاعباً مهماً أيضاً في المنطقة، فهي من أكثر الدول معاناة جراء فيروس كورونا، وتُركّز القيادة في طهران على الإبقاء على سلطتها داخل البلاد. في ما تسعى روسيا إلى ترسيخ موقعها في سورية.

يبدو واضحاً أن أزمة فيروس كورونا لن تُفضي إلى تغييرات كبرى في السياسات الروسية تجاه منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. قد يبدو ذلك منافياً للمنطق، فلا تزال الجائحة في بداية انتشارها في روسيا، وتحظى باهتمام فريد من القيادة الروسية. من المرجح أن تكون التداعيات الاقتصادية خطيرة للغاية، إذ يتوقع كبار خبراء الاقتصاد في روسيا وكذلك صندوق النقد الدولي أن يسجّل إجمالي الناتج المحلي الروسي تراجعاً بنسبة لا تقل عن 5% في العام 2020، وربما تصل النسبة إلى 8%، وهذا سيرهق موارد الكرملين المالية.

ومع ذلك، فإن السياسات الروسية في الشرق الأوسط لا تتطلّب إنفاق مبالغ طائلة. إذ يمكن الحفاظ على العملية العسكرية في سورية عند مستواها الحالي إلى أجل غير مسمى. لقد تجاوزت تركيا اختبار الأزمة التي نشبت مع روسيا في مطلع العام الجاري، وسوف تبقى شريكاً لها أكثر من كونها خصماً. ويثير اتفاق "أوبك ++" تساؤلات كثيرة بشأن تطبيقه على مدى العامين المقبلين، لكنه أتاح تجنّب أسوأ نتيجة ممكنة لكلّ من روسيا والسعودية. وفي هذه الأثناء، سيتواصل التدخل الروسي الدبلوماسي وشبه العسكري في ليبيا، حتى مع سعي موسكو للتوصل إلى نتيجة سياسية مقبولة. وقد حافظت روسيا على علاقات راسخة مع "إسرائيل"، وعلى أعلى المستويات، في ما تُبقي على روابطها مع إيران عند مستوى مُحدد. أما في ما يتعلق بمصر فسوف تظل محط اهتمام خاص من روسيا كونها قلب العالم العربي.

وبينما تدفع "أزمة كورونا" بالولايات المتحدة إلى التركيز على نحوٍ أكبر على شؤونها الداخلية، وبالدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي إلى إظهار مشاعر قومية على نحوٍ مطرد، فإن المقاربة الأساسية التي ستعتمدها روسيا في السياسة الخارجية استناداً إلى أولوية المصالح القومية، سوف تمنحها حرية أكبر للتحرّك. وبينما ترسم موسكو مسارها، سوف تستمر في الجمع بين الحذر الذي يحول دون التوسّع المفرط وبين الخطوات الجريئة، من أجل انتهاز الفرص التي ستظهر دون شك. 


الجمل بالتعاون مع مركز دمشق للدراسات