الحب في زمن الكورونا (7)

نحن السوريون ، قبل كوفيد، متباعدون اجتماعيا، بسبب العنصريات الدينية والطائفية والقومية والطبقية والحزبية والسياسية والجنسية والفيسبوكية وكل مايضعف وحدتنا ومحبتنا لبعضنا وكان سببا بإشعال حرب السنوات التسع، ولكن وللمفارقة فإن ذلك عرقل انتشار وتمدد الرفيق كوفيد بيننا، الأمر الذي عزز من حالة إنكارنا النفسي للوباء رغم ازدياد عدد قتلاه في العالم مع كل دقيقة تمر !؟ فإذا انفجر الوباء بنا، كما تتوقع منظمة الصحة العالمية وطبيبنا الرئيس، فسيكون الفضل أولا لوزارة التجارة الداخلية التي يزدحم المعوزين على أبواب تجارتها، ثم لوزارة المغتربين التي تأتي بالسوريين من أنحاء العالم الموبوء بهدف تحسين سمعتها التي تنهار مع أول خطوة لمغتربينا على أرض المطار، وصولا إلى المحاجر المهجورة التي تحشرهم وزارة الصحة فيها، وبالتأكيد سيكون لوزارة الأوقاف، التي تريد التفاخر والمزايدة على العالم الإسلامي بصلاة الجمعة، دور مساند في انتشار الوباء .. وكل ذلك في غياب مجلس الشعب الذي حيدته رئاسته عما يجري وسلم القياد لارتجالات فريق كوفيد الحكومي المرتبك !؟

فمولانا كوفيد رسول عزرائيل المبشر بالتغيير، حاله الآن كما كان حال الرسل من قبل: لن يتقبل الذين غُلٍّفت قلوبهم رسالته الجديدة، ولن يخرجوا من سكونهم قبل الإيمان باقتراب موتهم ، مثلما قال الإمام عليّ: الناسُ نيامٌ فإذا ماتُوا انتبَهوا .. إذ أن التغيير في العادات والسلوك عندنا لن يواكب إيقاع التغيير في الغرب وإنما سيتأخر عنه، وقد تبدو السلطات العربية أكثر ديناميكية من شعوبها في هذا الأمر.. فالعقل العربي عاطفي ماضوي محافظ ينطلق من النظرة الدينية والحماية الإلهية و النصوص السماوية التي انفصلت عن مصدرها الرباني منذ وفاة النبي لتغدو ملك الفقهاء والشراح، يفسرونها ويؤولونها على هواهم، فبات المسلمون يتخبطون في بحر من الخلافات الفقهية والمذهبية التي نتشربها منذ طفولتنا، حيث يأتي سلوكنا المضاد لبعضنا كنتيجة حتمية لطفولتنا وثقافتنا المذهبية المؤسسة لها، حتى لو تمردنا عليها بعد نضجنا، فإننا نبقى ندور في فلكها حتى عندما نظن أننا نعمل ضدها، وأقصد هنا أن الملحدين والمتدينين يدورون حول قطب واحد كدائرة اليانغ ين أو كحمار الطاحون ..

بعض الإخوة ممن يحمّلون القرآن الكريم مالا يحمل، استشهدوا على كوفيد 19 بالآية التي تقول: " وما أدراك ما سقر لا تبقي ولا تذر لواحة للبشر عليها تسعة عشر" (المدثر، 30) فمتى نتعامل مع القرآن الكريم ككتاب روحي وأخلاقي بدلا من استخدامه لمعرفة الغيب أو المفاخرة والنزاع ؟! هل نذكر بأن من رفعوا مصاحف السياسة منذ صفين إلى اليوم قد خربوا سلام هذه الأمة ..

وفي الوقت الذي ترفض فيه شعوبنا وحكوماتنا التغيير بما يواكب الإنقلاب الإنساني الجديد، فإن كوفيد 19 يتحور ويطور نفسه بأسلحة إضافية ضد وجودنا بحيث يسبق حتى المخابر التي تعمل على مواجهته، ذلك أن كوفيد حر ومبدع في تطوير أسلحته بينما نحن مقيدون بعاداتنا وثقافاتنا وسياساتنا التي نعيد إنتاجها، لهذا فإن كوفيد لن ينتظرنا، إنه يفرقنا كأفراد ويضعفنا كأمم في مواجهة جبروته الذي لاطاقة لنا به .. فهو المنتقم الجبار ورسول عزرائيل الجديد إلى كائنات النزاع والصراع والمناطحة الأرضية: تنازعوا تفرقوا لأن كثرتكم تنتج المزيد من الإستغلال والظلم رغم تشدقكم بالعدالة والمساواة والديموقراطية.. فلطالما حكمت الأكثريات القومية والدينية والمذهبية والحزبية الإمبراطوريات والممالك التي لم تكن عادلة أبدا.. فلعل كوفيد يوقظنا على أن المواطن الصالح المبدع والمفيد هو الأكثرية وليس أولئك الذين تمتلئ قلوبهم بالمحاجر والمعتزلات العنصرية القاتلة على امتداد التاريخ ..

 

الحب في زمن الكورونا (6)

الحب في زمن الكورونا (5)

الحب في زمن الكورونا (4)

الحب في زمن الكورونا (3)

الحب في زمن الكورونا (2)

الحب في زمن الكورونا (1)

 

نبيل صالح