الطريق إلى النيرفانا: رحلة البوذية من الإصلاح الديني للفلسفة

تطوّرت البوذية عن التقاليد الدينية–الفلسفية الهندوسية السابقة عليها. كان الشخص التاريخي المعروف باسم «سيدارتا غوتاما» عضوًا في حركة إصلاح ديني، عُرفت بـ«الشيرامنا» (Śramaṇa)، وقد تولّد عنها فيما بعد عدد من الاعتقادات، أبرزها: الجاينية، والبوذية.

خاضت الشيرامنا منذ القرن السادس قبل الميلاد جدالًا لتطوير هذه التقاليد، ضد سلطة طبقة رجال الدين (طبقة البراهمة)، والالتزام الأصولي بنصوص الفيدا (مجموعة الكتب الهندوسية المقدسة)، حيث قسمت المجتمع تقسيمًا طبقيًا جاعلة البراهمة على قمة هرم يأتي بالداليت (المنبوذين) في أسفله. تميزت الفيدا أيضًا بتغليب المظاهر السطحية: الطقوسية والشعائرية، على حساب تقديم نهج ملائم لعيش حياة جيدة، أو تجاوز المعاناة الشخصية.


بوذا مُصلِحًا دينيًا

ركّز نسّاك الشيرامنا على عقيدة الكارما الواردة بأحد النصوص الفيدية المتأخرة، الأكثر انفتاحًا، والمعروفة باسم «أوبانيشاد». وقد عنَت الكارما آثار الأفعال (الذهنية والبدنية) التي تأتيها الكائنات الواعية، فتتسبب بمعاناتها في الحياة الحالية، وتفرض عليها ولادة جديدة بعد الموت في جسد جديد (سواء لإنسان أو حيوان)، تتوقف طبيعته (أي الجسد) على نوعية الأعمال التي سلكها المرء في حياته السابقة، وهكذا، تتكرر هذه الدورة، المعروفة بـ«سامسارا»، مرارًا إلى أن يتمكن المرء من التحرر منها، بالانتقال إلى عالم خارج المادة، ما وارء الميلاد والموت.

بينما اختار الناسك المدعو ماهافيرا، رائد الجاينية، والمُعاصر لغوتاما، الزهد الجسدي التام طريقًا للتحرر من تلك المعاناة، والوصول إلى ما يدعوه بـ«الانتصار». فقد اختار غوتاما، لأجل الوصول للتحرر أو الـ«نيرفانا» طريقًا آخر، سماه «الطريق الوسط» بين الزهد والإفراط في اللذات الحسية. في حين اتفقا على إلحاد جذري، أو لا-أدرية فلسفية في أفضل الأحوال، مع سعي لتحقيق تحرر ذاتي، مستقل عن أي مساعدة من كائن أعلى مُفارق، وإن طالت ذلك انحرافات سنبينها لاحقًا.

وقد ساهم في تطوير هذه الرؤية، مرونة التقليد الهندوسي فيما يتعلق بمسألة الألوهية، حيث لم تُمثّل الآلهة أكثر من تجليات ترمز للمبدأ الكوني، وهو البراهمن: القاع الكلي للوجودi، إلى درجة أنه كان على تلك الآلهة، وهي تعاني أيضًا داخل السامسارا الخاصة بها، أن تتنظر ميلادها في صورة إنسان، حتى تتمكن من التحرر منها نهائيًا.ii

قد يبدو ذلك غريبًا بالنسبة للإبستيم الإبراهيمي، خاصة اليهودي والإسلامي، حيث يفصل بشدة بين المجالين الإلهي والإنساني، إلا أن الهندوسية، وما تلاها من جاينية وبوذية، انطلقت من وحدة وجودية، يكون الفصل فيها، ليس بين الآلهة والبشر، وإنما بين عالم الظواهر (المايا)، وهو عبارة عن مجموع الأشكال والتجسدات (المؤقتة ومصيرها الزوال دومًا) التي يتخذها البراهمن (المُطلق الكوني)، ومن ضمنها الآلهة ذاتها، فالآلهة (إذا وُجِدت)، هي في المحصلة، مُجرد صور أخرى للمايا، مثلما هو أي موجود أو ظاهرة كونية أخرى، يتخفّى في باطنها البراهمن: المبدأ الثابت، ومصدر كل التناقضات، والذي انبنت الهندوسية على غاية اتحاد النفس الإنسانية به، وذلك عبر التحرر من قيود الحواس، وما يتبعها من الجهل بوحدة المتناقضات الصادرة عن، والمرتدة إلى نسيج كلي، هو البراهمن، حيث لا وجود لشكل، أو صورة، أو أي صفة متصلة بالحواس.

بوذا فيلسوفًا براجماتيًا

أسست البوذية أيضًا طرحها، على تأويل متطور للمايا، ربط الأخيرة بالمعاناة التي يختبرها البشر في حياتهم اليومية، حيث تنتج الحالات الذهنية السيئة (كالتعلق والغضب والغيرة..إلخ)، من الاعتقاد بثبات الظواهر: أي حالات الأشخاص والأشياء، وليس أنها في حالة تغير وتحوّل مستمر. وأيضًا إدراكها بمعزل عن حصيلة الظروف التي ساهمت في تكوينها، الأمر الذي يؤدي إلى الخلط بين ما تبديه حالات الأشخاص والأشياء، وبين جوهرها أو حقيقتها. ومن ثم، يتسبب هذا الإدراك في إسقاط خواص وصفات مغلوطة على البشر والممُتلكات، نتيجة إدراكنا السطحي والعابر لها. ما يسهم بدوره في خلق مواقف ذهنية ومشاعر مغلوطة وسلبية تجاههم، أخطرها: التعلق بشيء أو بشخص فتنتج معاناتنا عند فقدانه، والغضب من شخص أخطأنا في فهم موقفه نتيجة إدراك الأخير بمعزل عن الشروط المُكونة له.

غافلين عن حقيقة كون تلك المشاعر (التعلق والغضب وغيرها) تترك آثارها السلبية على تياراتنا الذهنية، فتسبب حالات الضيق والقلق والإحباط، وغيرها من صور المعاناة المختلفة. بكلمات أخرى، تصدر المعاناة عن الجهل بالحقائق التالية وهي: وجود معاناة، عدم الثبات، الـ«لا– ذات» (أي عدم ثبات الهوية الشخصية للأفراد).

فإنكار المعاناة أو تجاهلها، يمنعنا من كل فرصة لتجاوزها. أما إدراك عدم الثبات، فيعني إدراك أن وجود/حالة الأشخاص والأشياء، هي مؤقتة، فالشباب يتحول إلى شيخوخة، والصحة إلى مرض، والحب إلى اعتياد، واللذة إلى ملل..إلخ، لذا يجرنا الإصرار على إدراك الشخصيات والأشياء في صورة ثابتة، والتعلق بحالتها المؤقتة هذه أو تلك، على اختبار المعاناة عند تبدّل هذه الحالة، هذا التبدّل محتوم الحدوث، لأن جوهر عالم الظواهر يظل هو التغير والتبدّل الدائمين: التقلب بين الحياة والموت، والقوة والضعف.. إلخ.

هكذا، انشغل بوذا باكتشاف/صياغة مسار عملي، يُمكنّه من تجفيف منابع الجهل تلك، وما ينشأ عنها من حالات ذهنية (الغضب، والغرور، والأنانية،والانغلاق العقلي) والتي تُضخّم مشاعر الألم والمعاناة.

يمكن تلخيص هذا المسار في ثلاثة مبادئ أساسية:

1- الرغبة في التحرر: إرادة التخلص من الجهل بالحقائق الثلاث، ومن المشاعر السلبية التي تنظم استجاباتنا للمواقف وتشكل خبراتنا غير المرضية، التي تتسبب بدورها في المعاناة التي يعرفها بوذا بـ«الخبرة غير المرضية».

2- النية الغيرية: إدراك أن الآخرين يعانون تمامًا مثلنا، ولديهم الرغبة في التخلص من معاناتهم حتى إذا لم يعرفوا الطريقة المُثلى لذلك. بهذه الطريقة يمكننا تنمية مشاعر الحب والتعاطف (غير المشروط بالثواب والعقاب) تجاههم، ومساعدتهم في تخطي المعاناة، وبذلك يمكننا إقامة علاقات طيبة ولطيفة ونافعة للآخرين، ولنا في الوقت ذاته، لأنها تخلو من المشاعر السلبية المُزعجة التي تثير السوء والكراهية بيننا.

3- إدراك عدم الثبات أو الخلوّ: إزالة إسقاطاتنا السطحية عن الأشياء والأشخاص، وإدراكهم بصورة تراعي الظروف والشروط التي نشأوا وتكونوا خلالها، سواء كانت إسقاطاتنا تلك تحقيرية أو تعظيمية.
يمكن تحقيق ذلك عبر تدريبات التأمل، حيث إيقاف طوفان الأفكار داخل العقل، والتركيز على الحاضر، بهدف هو: توقف الوعي بالماضي والمستقبل، وإدراك تحول وتغير جميع الظواهر، والتدرب على قبول ذلك -بصفته محتومًا- بمشاعر مُحايدة ومطمئنة تجنبنا القلق والمعاناة.

توصّل غوتاما للنتائج السابقة، أثناء تأمله أسفل شجرة بودغايا، حيث حقق الاستنارة وأصبح «بوذا» أي «المستنير». وذلك عبر استغراق باطني فردي، وهنا اختلاف جوهري آخر عن الإبستيم الإبراهيمي، حيث يكتسب النبي في الأخير، الحقائق الدينية/الوجودية، عبر وحي الإله المُفارق. بعكس الكشف الأساسي للبوذية الذي لا يتأتى عبر واقعة إلهية /إعجازية، وإنما واقعة إنسانية صرفة. جعلت من الميتافيزيقا والأخلاق البوذية، منفصلة كليًا عن أي كيان مُفارق، وأكثر ارتباطًا بالعالم الأرضي، والمعاناة اليومية، التي نشأت البوذية بداية من محاولة التصدي لها عبر آليات نفسية وذهنية واقعية.

هكذا، لم تخلق تعاليم بوذا في مهدها، دوجما عقائدية خاصة بالأسئلة الميتافيزيقية الكبرى: مثل طبيعة الألوهية، والبعث، ووضع الإنسان بالنسبة لغيره من الكائنات..إلخ. بل كان بوذا حريصًا على عدم الانشغال بهذا النوع من الأسئلة حول الطبيعة الجوهرية للأشياء، أو مصائرها النهائية، وإنما بتلك المرتبطة بالتحرر، أي بمسائل أكثر عملية وبراجماتية (بالمعنى الفلسفي)، تدل عليها موعظة ترد في نصوص «نيكايا» البوذية، وهي عن رجل يُصاب بسهم سام، ويستدعي أقاربه الطبيب، لكن يرفض الرجل إزالة السهم وتلقي العلاج حتى يعرف هوية من أصابه «محارب نبيل، أم براهمان، أم تاجر؟» ما إذا كان «طويلاً أو متوسط الطول أو قصيرًا»، وكذلك صفات السهم، والقوس الذي أطلقه. لكن بتلك الطريقة، تضيف الموعظة: «سيموت الرجل وستظل تلك الأشياء مجهولة له».

نجح بوذا في إقامة بناء ديني-فلسفي وروحاني: إلحادي، وعلى عكس الخطأ الشائع، فإن بوذا لم يكن إلهًا بأي حال، وإنما مثالًا يحتذى بالنسبة لمن تبعوه في تقصّي الاستنارة، أما مظاهر التعبد لشخص بوذا، فكانت نتاج مؤثرات تاريخية وفكرية بلا حصر أحاطت بالبوذية، وتنوعات طائفية نشأت عنها، أكثر من كونها أفكار بوذا نفسه.

لقد تأثرت السمة الفردية لتجربة التحرر -والروحانية البوذية عمومًا- المستقلة عن معونة الكائنات المُفارقة، بالتفاعل مع العقائد المحيطة، حيث كيّفت بعض طوائف البوذية -بغرض توطين نفسها في مناطق جديدة- تصوراتها مع العقائد القديمة الخاصة بمُعتنقيها الجُدد، والذين ضموا بوذا إلى قائمة آلهتهم، أو حيث قام الدعاة البوذيون في المقابل بإضفاء السمت الإلهي على شخصية بوذا، لتيسير استيعابه داخل المنظومات الإيمانية التأليهية السابقة للبوذيين الجدد.

هكذا، تبنت بعض مدارس البوذية عقائد من قبيل: الكائنات السماوية المُتحررة من السامسارا، القادرة على تحفيز طلاب الاستنارة. وكذلك الرهبان من الأرهاتiv والأرياv، الذين يتخذهم الناسك ملجأً، لتعلم الممارسة الصحيحة للتأمل، وتقنيات السيطرة على الذهن.

في المقابل تمسكت مدارس أخرى مُعاصرة أبرزها الزن اليابانية، بالأصل الاعتقادي السابق للانحرافات التأليهية. إذ أصرت على الفكرة القائلة بأن التحرر هو مسألة فردية، لا دخل لأي قوى مُفارقة أو إلهية -يظل وجودها من عدمه، غير مهم- في تحقيقه، وأنه لا يمكن اكتساب التحرر بالدعاء أو ما شابه ذلك، بل لا يمكن حتى إتمام تجربة التحرر عبر تعليمها بواسطة الكلام (اللغة)، حتى وإن ساهم الأخير في تبسيط بعض العقبات، فستظل إمكانية إدراك حقائق: الخلو وعدم الدوام إمكانية باطنية خاصة بالفرد، لا يُمكن التعبير عنها بالكلام، إذ إن تلك الأشكال من المعرفة تتجاوز حدود العقل والتعبير اللغوي.

تمسّك الفريق الثاني (الزن ومن وافقها)، بما سبق أن أكد عليه سيدارتا، أي: قدرة جميع الكائنات الواعية على تحقيق التحرر، أو التحوّل إلى «بوذا» آخر، وذلك لأن طبيعة بوذا: الصفات الداخلية للذهن والتي تؤهل المرء لبلوغ الاستنارة، كامنة بداخل جميع الكائنات الواعية. وبالفعل، لم يزل البوذيون يعتقدون بوجود «بوذات» كثيرين في الماضي، حتى قبل «سيدارتا »: البوذا التاريخي الذي نعرفه، تمامًا مثلما سيُوجَد بالمستقبل غيره، فطبيعة بوذا، هي ملَكة إنسانية، كان سيدارتا إنسانًا رائدًا في تحقيقها.

 

 



أمين حمزاوي - إضاءات