كوفيد-19 أكبر كارثة تحدث في الدول النامية

الكاتب: عاصم إبراهيم (Aseem Ibrahim)


تذهبُ التوقُّعات إلى أنّه بقدْر ما كان وباء كوفيد-19 مدمِّراً في الصين والغرب، فسيكون مُدَمِّراً للبلدان النامية بسبب تزايد عدد الوفيات والصعوبات الاقتصاديّة وعدم الاستقرار.

لقد ركّزت التغطية الإخبارية لوباء كوفيد-19 حتى الآن، على التأثير الذي تركه في الصين ودول الغرب. ولئن بدا أنَّ الموجة الأولى من المرض ما تزال تحت السيطرة في العالم المتقدم على الأقل، إلا أنّه حان الوقت الآن لتحويل التركيز إلى كيفية تأثير المرض على الأرجح في العالم النامي. إذ يُتوقّع أن تكون تأثيرات المرض أكثر حدة مما رأيناه حتى الآن، وما لم نتدخل لمساعدة هذه البلدان في إدارة الأزمة، يمكننا أن نتوقع تأثيرات غير مباشرة ستؤثر بشكل كبير في العالم المتقدم.

الآفاق الصحية

نظراً لطبيعة العدوى واختلاف الطريقة التي يمكن أن تؤثر بها في الأشخاص على مستوى المحيط، ابتداءً من عدم وجود أعراض، وصولاً إلى وجود أمراض حادّة في الجهاز التنفسيّ تسبّب الوفاة، لم يتمكن العلماء حتى الآن من تحديد رقم معدَّل الوفيات الدقيق لهذا الفيروس. وقد لا يتمكنون من القيام بذلك حتى نهاية الوباء، الذي قد يستغرق سنوات من الآن.

تبدو معدَّلات وفيات كوفيد-19 من حيث الحجم أعلى من الإنفلونزا الموسمية (عادة ما تكون بنسبة 0.1%). ومع ذلك، يمكن أن ينتشر أبعد وأسرع ما بين جميع سكان العالم من أي إنفلونزا منذ وباء عام 1918. وتقدّر الإصابات العالمية حالياً بالملايين والوفيات بمئات الآلاف.

سرعان ما طغت عدوى هذا الفيروس وقوته على أنظمة الرعاية الصحية في الدول المتقدمة مثل إيطاليا وإسبانيا. بل وتقترب خدمة الصحة الوطنية في المملكة المتحدة بشكل جلي من نقطة الانهيار، حيث يُطلب من الأطباء في هذه المرحلة بشكل روتيني علاج مرضى كورونا بدون معدّات حماية مناسبة. ولكن إذا كان الوضع يبدو كئيباً في أماكن مثل هذه، فسيكون الوضع أسوأ بكثير في مناطق العالم الأخرى: المدن النامية في أفريقيا ذات الكثافة السكانية العالية (لاغوس وكينشاسا، تمثيلاً لا حصراً، هما بالفعل أكثر كثافة سكانية من لندن أو باريس)، والإدارة السيئة، والبنية التحتية السيئة للغاية التي يتوقع انهيارها. حتى المدن المنظمة بشكل أفضل مثل دلهي وداكا وكولكاتا ومومباي وكراتشي وجاكرتا وغيرها (التي نجت حتى الآن) يمكن أن تتعرض لضربات شديدة، بالنظر إلى ما عانت منه نيويورك ولندن.

يمكن للمدن الضخمة الناشئة في العالم النامي، والتي يبلغ عدد سكانها 10 ملايين نسمة والتي تنمو بسرعة قبل الوباء، أن تتوقع حصيلة موتى هائلة –ناهيك عن المناطق النائية الريفية في العديد من هذه البلدان، رغم أنه على الأرجح لن يتم الإبلاغ عن عدد وفيات كوفيد-19 الفعلية في تلك المناطق إلى حدٍّ كبير. يمكن أن تشهد قارة أفريقيا ما بين 300 ألف و3.3 ملايين حالة وفاة في هذه الجائحة.


التأثيرات الاقتصادية

كانت المدنُ الكبرى الناشئة في العالم النامي قبل الوباء، تُعَدُّ محركات النموِّ الاقتصاديّ في هذه البلدان النامية. لقد حققت هذه المدن أعظم قصص النجاح الاقتصادي في تاريخ البشرية –التي تزامنت مع نموِّ الاقتصاد في الصين. كان استمرار تحفيز هذا النمو هو القوة والمحرك الذي دفع شباب هذه المدن للنجاح والازدهار: وهم [الشباب] أطفال عقود من الجهود التي بذلها المجتمع الدولي في مبادرات الصحة والتعليم في أفقر مناطق العالم.

لكن تواجه محركات النموّ هذه الآن صدمةً وحشيةً مع ضعف جمع البيانات والاختراق البيروقراطي. يمكن أن يؤدي الوباء إلى وفيات هائلة في هذه المدن الضخمة، أو سيكون هناك عدد أقل من الوفيات، لأن الناس يُعزلون ولن يتمكنوا من العمل. في الهند، كان هناك بالفعل هجرة ضخمة للشباب بعيداً عن عمليات الإغلاق في المدن الكبرى والعودة إلى الريف حيث لا تزال عائلاتهم هناك. يتم امتصاص شريان الحياة الاقتصادي بعيداً من هذه المدن أمام أعيننا. قد يكون من الصَّعب تصور تأثيرات هذا الأمر بالنسبة لنا في الغرب، حيث سكانُ مدننا الكبيرة مُقيمون وأكثر استقراراً. قد يكون أقرب تشبيه هو الإهمال الذي حصل في ميشيغان والهجرة –باستثناء حدوث ذلك في غضون أسابيع وليس عقوداً. يمكن أن يكون هذا النزوح قابلاً للعكس سريعاً من حيث المبدأ، ولكن نظراً لأنَّ الوباء من المحتمل أن يبقى معنا لمدة عام آخر على الأقل، إن لم يكن عامين، فمن الصعب التنبؤ بالضرر الدائم الذي قد يمكن أن يسببه ذلك للثروات الاقتصادية لهذه المدن.في أفضل سيناريو، حتى إذا عاد كل هذا النشاط الاقتصادي في العالم النامي إلى مستويات قبل 12 إلى 18 شهراً من الآن، إلا أن الوضع المالي لهذه البلدان لن يعود أبداً كما كان. كانت معظم هذه البلدان تحاول أن تتماشى بحذر مع أسواق الائتمان الدولية قبل تفشي الوباء. لكن الآن، سيصيبها الشلل. حتى إذا لم تحاول حكومات هذه الدول القيام بأي شيء للحفاظ على الناس والاقتصاد –سواء كان ذلك من العاملين أو الذين قاموا بتنفيذ حزم التحفيز، كما فعلنا في الغرب وشرق آسيا– فإنَّ مجرد تجفيف الإيرادات الضريبية سوف يُغرق أغلب هذه الدول. وبالطبع يجب على هذه الحكومات أن تفعل المزيد، وعليها أن تقترض ما تحتاجه من أجل دعم شعوبها بذلك قدْر الإمكان. لكن تقترض من أين؟

قمنا بطباعة النقود في دول العالم المتقدِّم. تلتزم البنوك المركزية للولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة بالفعل بطباعة أكبر قدْر ممكن من الأموال للحفاظ على الإقراض الحكوميّ فعّالاً في هذه البلدان. لا تملك دول العالم النامي هذا الترف. إن معظم ديونها الدولية مُقيمة بالعملة الأجنبية، وإذا بدأت بنوكها المركزية في طباعة النقود مثلما نفعل، ستغرقهم أسواق الديون السيادية في لحظة.باختصار، لا توجد طريقة يمكن للعالم النامي بواسطتها، تجاوز التأثيرات المالية للوباء بأي شيء يشبه آليات السوق العادية للديون السيادية. إما أن يقوم مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي والبنوك المركزية المحورية الأخرى بطباعة الأموال لحكومات العالم النامي أيضاً، أو يعفيها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي أو يسددان جميع التكاليف المتعلقة بالوباء التي تتكبدها هذه الحكومات –مع جميع ما قد يأتي من مخاطر أخلاقيّة وفساد رغم كلِّ ذلك. سيؤدي الفشل في القيام بذلك إلى إفلاس نصف حكومات العالم، ويُرجّح جداً أن ينهار النظام العالمي للائتمان السيادي بالكامل. إذا حدث ذلك، فسيؤثر ذلك أيضاً بشكل خطير في الترتيبات المالية لحكومتنا، مع احتمال حدوث تأثيرات خطيرة جداً في النمو الاقتصاديّ في المستقبل.

تداعيات سياسية

تتأرجح البلدان على حافة الإفلاس. بدأت عمليات الهجرة الجماعيّة (في الغالب داخلية في الوقت الحالي) بالفعل. لقد دُفعت الحكومات التي كانت تواجه بالفعل أزمات شرعيّة إلى وضع تشعر فيه أنها تستطيع، وعليها، أن تستخدم القوّة المفرطة لفرض حالات التباعد الاجتماعيّ والنظافة الصحية التي أوصت بها السُّلطات الصحية الدولية. ستكون المفاجأة كبيرة إذا لم يخلق الوباء المزيد من الدول الفاشلة.

هذا، ومع وجود عدد أكبر من الدول الفاشلة، سيزداد عدم الاستقرار الجيوسياسي وزيادة الهجرة إلى الغرب، إذ أصبحت السياسات الداخلية متوترة بالفعل بشأن مسألة الهجرة في أعقاب الأزمات الأخيرة في سورية والعراق وفنزويلا وأمريكا الوسطى. قد يؤدي هذا إلى فوضى جيوسياسية.

نحن بالفعل على دراية وثيقة بهذه المراحل وعواقبها بعد الأزمة المالية لعام 2008 و"الربيع العربي" لعام 2011. ومع ذلك، لدينا كلّ الأسباب التي تجعلنا نتوقع أنَّ حجم هذه المشاكل قد يكون أعلى بشكل كبير هذه المرة. وبالنظر إلى كيفية تعامل القوى العالمية مع هذه القضايا على مدى العقد الماضي، فليس من الواضح على الإطلاق أنه يمكننا التعامل معها هذه المرَّة.

وبشكلٍ عام، بعد عمليات الإنقاذ غير المسبوقة لاقتصاداتنا في مواجهة هذا الوباء، من المحزن، للأسف، أن نستعد لإنقاذ بقية العالم أيضاً وبسرعة. وقد وصل الفيروس بالفعل إلى العديد من هذه المناطق من العالم.

نحن محظوظون؛ لأنَّ تفشي الفيروس في هذه المناطق لم ينفجر بالفعل خارج نطاق السيطرة، على الأرجح بسبب قلّة سفر سكانها دولياً. لقد منحنا هذا الوقت الكافي للتغلب على الوضع في بلادنا. ولكن بينما نبدأ في تحقيق نوعٍ من السيطرة على الوضع في بلادنا، يجب أن نفهم أن عملنا قد بدأ للتو، وسيتطلب الأمر أن يمتد إلى ما وراء حدودنا. من المحتمل أن يضطر الغرب إلى إنقاذ العالم بأسره، وقد نضطر إلى إعادة كتابة قواعد التمويل الدوليّ من أجل القيام بذلك.إذا فشلنا في القيام بذلك، فسوف ترتد التأثيرات الجانبية علينا، وستكون التكلفة أكثر من الإجراء الذي نحتاج إلى اتخاذه. إنَّ عواقب المزيد من الدول الفاشلة والمزيد من الهجرة الجماعية نحو الغرب ستضعنا في أنواع المخاطر نفسها التي تواجهها البلدان النامية الآن.


 الجمل بالتعاون مع مركز مداد للدراسات