الإنسان المتدين

مايكل شيرمر ـ ترجمة: أحمد شافعي

هل تطور البشر حتى أصبحوا متدينين فآمنوا بالرب؟ بشكل عام، نعم، هذا ما فعلناه. وإليكم ما حدث.

في قديم الزمان، وفي بيئة بعيدة كل البعد عن عالمنا المعاصر، تطور البشر إلى درجة جعلتهم يرون في الطبيعة أنماطا ذات معنى يمكنها أن تعينهم على فهم العالم، فأحالوا هذه الأنماط على عناصر واعية، جاعلين بعضها أرواحا وبعضها آلهة. وبوصفنا سلالة من الرئيسيات الاجتماعية، فقد طورنا أيضا نظما اجتماعية بهدف تعزيز تماسك الجماعة وتأكيد القواعد الأخلاقية.

يؤمن الناس بالرب لكونهم سلالة من الرئيسيات الباحثة عن الأنماط. نحن نربط بين ألف وباء وجيم، فتكون ألف مرتبطة فعلا بباء، وتكون باء مرتبطة فعلا بجيم، وهذا ما نسميه بالتعلم الاتحادي، ولكننا لا نملك في مخنا وسيلة تحقق من الأنماط الزائفة تساعدنا على التفرقة بين الأنماط الحقيقية والأنماط المزيفة، وذلك سر ارتكابنا أخطاء في التفكير. النموذج 1 للخطأ هو الإيمان بأن نمطا ما حقيقي في حين لا يكون كذلك (وهذا نموذج إيجابي خاطئ) والنموذج 2 للخطأ هو الإيمان بأن نمطا ما خاطئ في حين أنه صحيح (وهذا نموذج سلبي خاطئ).

تخيل نفسك إنسانا بدائيا في سهل من سهول أفريقيا وأنك سمعت حفيفا في العشب. أهو حيوان خطر أم مجرد ريح؟ لو افترضت أنه حيوان خطر وتبين أنه الريح فقد ارتكبت النموذج 1 للخطأ، ولكنك لم تتعرض لأذى. ولكن لو افترضت أنه مجرد ريح وتبين أنه حيوان خطر فهناك فرصة كبيرة لأن تكون غداء ومن ثم تتلاشى من المصدر الجيني لسلالتك. وهكذا، كان هناك انتخاب طبيعي للبشر البدائيين الذين كانوا يميلون إلى الإيمان بأن كل الأنماط حقيقية ومن ثم خطرة.

هذه عملية أسميها "التنميط" (أي النزوع إلى رؤية أنماط ذات معنى في الفوضى العشوائية) والإحالة (أي النزوع إلى الإيمان بأن ثمة عناصر واعية خفية تحكم العالم وبوسعها أن تلحق بنا الأذى). هذا ـ في ظني ـ هو أساس الإيمان بالنفوس والأرواح والأشباح والآلهة والعفاريت والملائكة والكائنات الفضائية، ومصممي الذكاء، وواضعي نظريات المؤامرة في الحكومات.

الناس متدينون لأننا اجتماعيون ولأننا نحتاج إلى الانسجام. وقد تطورت المشاعر الأخلاقية في البشر والمبادئ الأخلاقية في الجماعات البشرية أساسا من خلال قوة انتخاب تعمل على الأفراد، وثانيا من خلال قوة انتخاب جماعي تعمل على المجاميع. أما الحس الأخلاقي (أي الشعور السيكولوجي بالـ "صواب" في صورة المشاعر الإيجابية مثل الصلاح والاعتزاز) فقد تطور من سلوكيات تم انتخابها لما كان فيها من نفع للفرد أو للجماعة. والحس اللاأخلاقي (أي الشعور السيكولجي بالـ "خطأ" في صورة المشاعر السلبية مثل الإحساس بالذنب والعار) تطور من سلوكيات تم انتخابها لما كان فيها من ضرر بالفرد أو الجماعة.

وفي حين قد تختلف الثقافات على تحديد الصائب والخاطئ من السلوكيات، فإن الحس الأخلاقي إزاء استصواب أو تخطئة السلوك س (مهما يكن س) هو إحساس بشري مطلق. استخلاص المبادئ الأخلاقية من المشاعر الأخلاقية تطور بوصفه شكلا من أشكال السيطرة الاجتماعية لضمان بقاء الأفراد داخل الجماعات وبقاء الجماعات البشرية نفسها. ولقد كان الدين أول مؤسسة اجتماعية تقدس هذه المبادئ الأخلاقية، وكانت للرب ـ بوصفه نمطا تفسيريا لعالم ـ قوى المنفذ المطلق للقواعد.

هكذا صار البشر متدينين وهكذا آمنوا بالرب.


*كاتب المقال هو ناشر مجلة سكيبتيك وكاتب عمود شهري في ساينتيفيك أمريكان ومؤلف كتب "عقل السوق".