السياسةُ التركيَّةُ على الحدودِ السوريّة الشمالية

ترجمة: لينا جبور

تعهد القادة الأتراك لعقود، بأن بلادهم لن تسعى أبداً إلى أيِّ نوع من التوسع الإقليمي –وبناء دولة قومية حديثة مبنية على رماد إمبراطورية واسعة. وأكدوا دائماً قدسية حدودها. لكن، تسيطر تركيا الآن، على مناطق سوريّة على طول حدودها الجنوبية، ما يوسع بشكل فعّال الحكم التركي. تعكس هذه التجربة المفاجئة في الهندسة الاجتماعية خارج حدودها ثورة هادئة في السياسة الخارجية التركية. ويمثل هذا تحديات كبيرة قد تؤثر في النهاية في قدرة تركيا على السيطرة على هذه المنطقة أو متابعة أهدافها الأوسع في سورية.

يتركز اليوم الجزء الأكثر أهمية في سياسة تركيا بخصوص سورية في إنشاء هذه "المنطقة الآمنة" في شمال سورية تحت إشراف الإدارات الصديقة. يعتمد سكان المنطقة –معظمهم من العرب "السُّنة"– على الدعم السياسي والاقتصادي واللوجستي التركي. إن الهدف الرئيس لأنقرة في هذه المنطقة التي يبلغ عمقها 30 كيلومتراً هو التأكد من أنها ستبقى خارج سيطرة "قوات سوريا الديمقراطية" التي يقودها الأكراد وشبه مستقلة عن "النظام" في دمشق. يأمل القادة الأتراك أيضاً في إقناع اللاجئين السوريين في تركيا بالانتقال إلى المنطقة –رغم أنهم لم يحققوا نجاحاً يذكر في هذا المنحى حتى الآن. ترى أنقرة أنَّ وجودَها العسكري في سورية مفتاحٌ لحماية وحدة أراضي تركيا على المدى الطويل ولها دور في مصير سورية.

إنها ليست منطقة متصلة، ولكن مجموعة من الإدارات التي أوجدتها تركيا نتيجة للتوغلات العسكرية المتتالية بين عامي 2016 و2020. تضم المنطقة الآمنة مناطق تقع تحت الحكم التركي المباشر –تل أبيض، جرابلس وعفرين– وإدلب التي تحكمها إدارة مستقلة، ولكنها تخضع للحماية العسكرية التركية. يبدو أن أنقرة تستعد للحفاظ على وجودها العسكري في "المنطقة الآمنة" على المدى الطويل.لكن سيتعين على صناع القرار الأتراك التعامل مع تداعيات إدارة منطقة ذات أغلبية عربية "سنّية" في شمال سورية. فتمثيلاً لا حصراً، من غير الواضح إذا كان ينبغي على تركيا إنشاء نظام دائم هناك، أم إذا كان المشروع يستحق تكلفته المالية. يبقى أن نرى إن كانت تركيا يمكن أن تتعايش مع فصائل "المعارضة السُّنية" الراديكالية القريبة من حدودها والوصول إلى طريقة مناسبة للتعايش مع الأكراد داخل وخارج "المنطقة الآمنة". إنّ ما يحدث في المنطقة لن تحدده تركيا فقط، بل أيضاً روسيا والولايات المتحدة و"النظام" السوريّ. وهناك خطر قيام "غزة جديدة" في "المنطقة الآمنة" –أي ظهور منطقة خاضعة لسيطرة عسكرية، وهي تعاني بشكل دائم من الفقر وعدم الاستقرار. يمكن لكل هذه العوامل أن تخلق صداعاً سياسيّاً محليّاً ودوليّاً طويل الأمد لأنقرة.

لم يستسهل الاتحاد الأوروبي والدول الأعضاء فيه فهم أهداف تركيا في سورية –لكنهم بحاجة إلى تركيز الاهتمام على الوضع هناك. تبقى تركيا شريكا رئيساً لأوروبا. قد لا تكون بعض الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي راغبة في دعم تركيا بعد هذا التعديل أو إضفاء الشرعية على ما يرونه احتلالاً تركياً في سورية.

تتملك المخاوفُ الكثيرين بشأن نهج تركيا المتشدد تجاه القضية الكردية في سورية وتشريدها للأكراد من المناطق الحدودية. لكن لا يجب أن تتضمن الشراكة التركية الأوروبية في سورية خياراً ثنائياً: تمتلك أوروبا هناك طرقاً لدعم الاستقرار في أجزاء من "المنطقة الآمنة" الخاضعة للسيطرة التركية دون انتهاك المصالح الأوروبية والمبادئ الأساسية، أو محاولة إضفاء الشرعية على الوجود التركي على المدى الطويل في سورية بموجب القانون الدولي. في حين أن الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي لديها سياسة معارضة حازمة لإعادة الإعمار في سورية قبل الانتقال السياسي، فقد انتهت الحرب في سورية تقريباً –وقد انتصر "النظام" السوري. كما جادل جوليان بارنز ديسي مؤخراً [مدير برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بالمجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية]، يجب على الحكومات الأوروبية أن تتكيف مع هذا الواقع وأن تركز على استراتيجية لحماية القوى الاجتماعية التي لا تزال قائمة في البلد الذي مزقته الحرب، وهي في وضع أفضل لإحداث تحول تدريجي في سورية.

تبحث هذه الورقة في أهداف وتأثير إنشاء أنقرة لـ "المنطقة الآمنة". وتحلل كيف حدد تطور السياسة التركية في شمال سورية علاقات أنقرة مع المناطق التي يديرها الأكراد وإدلب، والرواية المحلية للرئيس رجب طيب أردوغان، والحياة في "المنطقة الآمنة"، واحتمالات استمرار الوجود التركي في المنطقة على المدى الطويل. ثم تستكشف الورقة التحديات الخمسة الرئيسة التي تواجهها تركيا في "المنطقة الآمنة". وأخيراً، تقدم مجموعة من التوصيات للنهج الذي يمكن لأوروبا اتّباعه في التعامل مع تركيا في شمال سورية، بما يتماشى مع الاهتمامات والمصالح والمبادئ الأوروبية.

يجب على أوروبا أن تسعى لاستقرار منطقة درع الفرات، على أساس أنَّ المناطق الأخرى التي استولت عليها تركيا من الأكراد حساسة سياسياً للحكومات الأوروبية والناخبين على حد سواء. سيكره الأوروبيون حتماً فكرة ربط المساعدات الإنسانية أو جهود إعادة الإعمار بالقرارات السياسية. ولكن يمكنهم، تمثيلاً لا حصراً، إلقاء ثقلهم وراء مطلب تركيا لإيجاد معابر جديدة في تل أبيض وإعادة الإعمار هناك، مقابل الموافقة التركية على وصول المساعدات الإنسانية للمناطق التي يسيطر عليها الأكراد أو التجارة بين المناطق الكردية والعربية في شمال سورية. ستوفر هذه الصفقات الإغاثة الإنسانية وإجراءات بناء الثقة في المجتمعات السورية المنقسمة في هذه المرحلة المتأخرة من الحرب.

لا شك في أنه سيتعين على أوروبا التعامل مع تركيا بطرق تتضمن المبادئ والاهتمامات الأوروبية. يمكن للدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي عن طريق العمل الجماعي، الضغط من أجل عقد صفقة كبيرة مع تركيا، بحيث تسمح تركيا بإعادة الإعمار في المناطق الكردية أو تسمح بتمثيل الأكراد السوريين في الأمم المتحدة في العملية السياسية حول مستقبل سورية، مقابل المساعدة الأوروبية الرامية إلى إعادة الإعمار وتحقيق الاستقرار في "المنطقة الآمنة". وسيقوض ذلك في حد ذاته، عقبة رئيسة أمام عملية الأمم المتحدة ويعزز الدفع الدوليّ، من أجل الانتقال السياسي لإنهاء "النزاع" في سورية.

 

 

الجمل بالتعاون مع مركز دمشق للدراسات