معالم المدينة العربية – بين الثقافة والدعارة

عماد عبيد:
إذا ما دخلت مدينة عربية - وكنت غريبا عنها - فإن سألت عن مربعٍ ليلي أو مطعم يرتاده أصحاب الياقات البيضاء، أو كافتريا تأّمها القطط السمان، سوف يدلك عليهم أي بشري تصادفه، صغيرا أو كبيرا، رجلا أو امرأة، طفلا أم هرما، وإذا ما سألت عن وكر دعارة ستجد من يمسك يدك ليصطحبك إليه بكل طيبة خاطر.
لكن حاول أن تسأل عن مكتبة ما، عن مسرح، أو أي معلم ثقافي، .. سيستغرب البعض سؤالك، والبعض الآخر سيمط شفتيه نفيا ولامبالاة، حتى لو خصصت بالسؤال لابسي البدلات الأنيقة و حاملي الحقائب الثمينة، وربما ستجد من يخفي تحت جلده سخرية ماكرة لسؤالك الساذج..
....
مدينة جرمانا المتكئة على خاصرة دمشق من الشرق، يقطنها أكثر من مليون ونصف المليون إنسان، خليط يجمع كل مكونات السوريين، بل فيها من الوافدين من الدول العربية (العراق - لبنان - الأردن - فلسطين) عدد لابأس به، مدينة منفتحة، لا تنام، تعج بالحياة، وتجد فيها من الأزياء العجب العجاب، من المنقبين/ات والملثمين/ات إلى (المقزمطين/ات) والمتشمسين/ات بلا بحر، كما فيها كفاءات علمية فكرية وأدبية نسبة ملحوظة، ولا ننسى النشاط التجاري والاقتصادي النشط.
ومع ذلك إن سألت أي شخص فيها عن النوادي الليلية فسيدلك فورا إلى شارع النسيم ، وإن سألت عن المطاعم والكافيات ومحلات الأزياء أو المشروب، فلن تتلبك وأنت في مكانك سيرشدك أي شخص تصادفه ..لكن إياك أن تسأل أين يقع المركز الثقافي، سينظرون إليك باستهجان وكأنك تتكلم بلغة غريبة، معظمهم سيهز منكبيه نفيا واستنكارا خفيا للسؤال، حتى لن تجد من يرشدك من أبناء المدينة الأصليين، ولا من أصحاب المكاتب العقارية الذين يعرفون كل بيت بتفاصيله.
والسبب لأنهم على قطيعة تامة مع دور الثقافة، (وهذا حال البلاد العربية قاطبة) وكأن هناك حالة عدائية بينهم وبينها ..
قد يبرر البعض أن الناس لا تجد ما تأكله، والكل منصرف إلى البحث عن لقمة العيش، والثقافة لا تطعم خبزا ... أجيب: لماذا يصطفون بالعشرات أمام محال الحلويات والبوظة ومطاعم الوجبات الجاهزة، وتنعقد حلقاتهم في المقاهي والمطاعم، وتزدحم بهم محال الألبسة، وكلها تحتاج إلى صرف عملة، بينما الثقافة مجانية ..
حتى المتعلمين والمحسوبين على الثقافة (أطباء - مهندسون - محامون - معلمون - ضباط) لا تبلغ نسبة القراء فيهم 5% ، يركزون على الثقافة الاستهلاكية والأفقية، ثقافة الميديا وشبكات التواصل ويكتفون بها، وهكذا يلحق بهم الجيل الصاعد، ولا عجب أن نعلن الأمية الثقافية قريبا جدا..
صحيح أن المؤسسات الثقافية والقائمين عليها مازالوا على نمطيتهم المتكلسة والمتخلفة، لم يطوروا في أساليب الجذب والتشويق الثقافي فضلا عن تعاملهم مع هذه المؤسسات كوظيفة وليس كرسالة ووسيلة تنمية، ناهيكم عن حالة الانغلاق والاحتكار لأسماء مكررة، لكن هذا ليس عذرا أو سببا للقطيعة مع الثقافة لمن يشاء.
فإذا عرفنا أن معدل قراءة الفرد الأوربي 200 ساعة سنويا بينما معدل قراءة الفرد العربي لا تتجاوز 6 دقائق حسب دراسة مؤسسة الفكر العربية، لن نتفاجأ بالفضيحة الأكبر حين نعرف أن الفرد الأوربي يقرأ 35 كتابا في السنة والاسرائيلي 40 كتابا، بينما كل 80 عربي يقرأون كتابا واحدا في السنة، ولكي تكتمل الصدمة فإن الإحصائيات تشير إلى أن العرب لم يترجموا منذ العصر العباسي حتى الآن أكثر من 10000 كتاب، وهذا الرقم تترجمه دولة مثل إسبانيا في عام واحد ..
أعرفتم سبب هذا التصحر الثقافي!
أقترح على وزارة الثقافة إنشاء دور ثقافة مجاورة للنوادي الليلية لسهولة الوصول إليها.