استفاقة غربية على «صافر»: ورقة ضغط جديدة على صنعاء

إلى الشرق من مدينة الحديدة غرب اليمن، قبالة ميناء رأس عيسى النفطي، ترسو السفينة العائمة «صافر»، التي تحمل 1.2 مليون برميل من خام صافر الخفيف. هذه السفينة التابعة لـ»شركة صافر» اليمنية المملوكة للحكومة، والتي دخلت الخدمة عام 1988 واستُخدمت كخزّان عائم يتّسع لـ3 ملايين برميل من النفط، تحوّلت إلى قنبلة موقوتة تهدّد بأكبر كارثة تلوّث بحري في المنطقة.

منذ يوليو/ تموز 2016، سارعت حكومة الإنقاذ في صنعاء إلى التحذير من هذا الخطر، عقب منع تحالف العدوان شحنة مازوت خاصة بالسفينة من دخول ميناء رأس عيسى، وهو ما أدّى إلى توقّف الغلايات الخاصة بها. ومع فشل جهود إدخال المازوت اللازم لتشغيل السفينة المتقادمة أصلاً، تمّ إخلاء العاملين على متنها، فيما تحوّلت إمكانية حدوث تسرّب نفطي - سيمتدّ في حال حدوثه إلى البحار المجاورة - إلى خطر حقيقي. وعلى رغم النداءات التي أطلقتها سلطات صنعاء على مدار أربع سنوات لإصلاح السفينة، إلا أنها لم تلقَ أيّ استجابة من الأمم المتحدة، الأمر الذي تسبّب في تآكل الهيكل الخارجي للسفينة التي تزن نحو 410 آلاف طن متري.

في مطلع العام 2017، التقى رئيس «المجلس السياسي الأعلى» (سابقاً)، الشهيد صالح الصماد، نائب المبعوث الأممي إلى اليمن معين شريم، مطالِباً إياه بتصدير المخزون النفطي في السفينة واستخدام عائداته في شراء أدوية للمحافظات الخاضعة لحكومة الإنقاذ. لاحقاً، تلقّى المبعوث الأممي، مارتن غريفيث، أكثر من مبادرة من قيادة صنعاء، من بينها تخويل المنظمة الدولية تصدير حمولة السفينة مقابل صرف مساعدات للفقراء، أو صرف رواتب الموظفين البالغة أكثر من 70 مليون دولار، أو إنشاء خزانات نفطية. في المقابل، كانت حكومة الرئيس المنتهية ولايته عبد ربه منصور هادي، والتي طالبت أخيراً مجلس الأمن بالتدخل في قضية «صافر»، تتجاهل كلّ التحذيرات من كارثة بيئية، مُتمسّكة بشرطها المتمثل في مصادرة حمولة السفينة لحساب خاص بها، من دون اكتراث لما تتطلّبه عملية الصيانة التي توقفت منذ مطلع العام 2015 (تبلغ تكلفتها 10 ملايين دولار سنوياً).

ومثّل ملف «صافر»، التي تُعدّ بمثابة محطة التصدير للنفط الخام الخفيف المستخرج من «القطاع 18» في منطقة صافر في محافظة مأرب و»القطاع 9» في منطقة مالك في محافظة شبوة، أحد أبرز ملفات الجانب الاقتصادي في «اتفاق استوكهولم». وفي أيار/ مايو 2019، نفّذت حكومة صنعاء جانباً من الاتفاق من طرف واحد، إذ انسحبت قواتها من موانئ «مؤسسة البحر الأحمر» الثلاثة (الحديدة، الصليف، رأس عيسى) تحت إشراف رئيس «لجنة تنسيق إعادة الانتشار» آنذاك، مايكل لوليسغارد. لكن في ما يتعلق بـ»صافر»، لم تستطع «الإنقاذ» فعل شيء، بفعل رفض حكومة هادي جميع المبادرات المُقدَّمة لحلّ أزمة السفينة العائمة. عقب ذلك، أطلقت الأمم المتحدة، على لسان وكيل أمينها العام للشؤون الإنسانية مارك لوكوك، تحذيراتها في منتصف حزيران/ يونيو 2019 من كارثة تسرّب نفطي يمكن أن تصل أضرارها إلى قناة السويس ومضيق هرمز. وعلى رغم نجاح المنظمة الدولية في إحراز بعض التقدّم في خطوات تنفيذ «اتفاق استوكهولم» أواخر العام الماضي، كقيامها بنشر فرق تثبيت وقف إطلاق النار في مناطق التماس في الحديدة، إلا أنها فشلت في تحقيق أيّ تقدّم في ملف السفينة، مع أنها كانت قد تسلّمت الرقابة على ميناء رأس عيسى، الذي تقع السفينة على بعد 4.7 أميال منه.

على مدى الشهرين الماضيين، أخذت أزمة «صافر» أبعاداً سياسية، وبدأ التعاطي معها كورقة ضغط على صنعاء لتقديم تنازلات، إذ حمّل كلّ من السفير البريطاني في اليمن مايكل آرون، والخارجية الأميركية، ومجلس الوزراء السعودي، ووزارة الخارجية في حكومة هادي، حركة «أنصار الله» المسؤولية عن الأزمة، متّهمين إياها بمنع الأمم المتحدة من صيانة السفينة، فيما دعا مجلس الأمن في بيانه الصادر الأسبوع الماضي، الحركة، إلى السماح لخبراء المنظمة الدولية بالوصول إلى الناقلة لتقييمها «من دون قيد أو شرط «.

وفي أول ردّ على تلك الدعوات، أوضح عضو «المجلس السياسي الأعلى»، محمد علي الحوثي، في سلسلة تغريدات على «تويتر»، خلال الأيام الماضية، أن الخلاف في شأن «صافر» ليس على نزول فريق التقييم، بل على ضمان قيامه بإصلاح السفينة، وقبل ذلك إقرار آلية لضخّ النفط، وتحويل قيمته إلى حساب خاص بمرتبات العسكريين والمدنيين وفق كشوفات عام 2014. من جانبها، ردّت وزارة الخارجية في حكومة الإنقاذ على الاتهامات البريطانية والأميركية بالتذكير بأنها سبق أن طلبت أكثر من مرة من الأمم المتحدة إرسال فريق تقييم وصيانة للخزان النفطي العائم، مُشدّدة على ضرورة التعامل مع هذا الملف بشكل فني بحت. كما ذكّرت بأنها قدّمت بدائل للتعامل مع النفط المخزّن في السفينة، ومنها إفراغه تدريجياً وبيعه والاستفادة من عائداته في مجالات إغاثية وإنسانية، مُحمّلة «التحالف» كامل المسؤولية عن الأزمة، لكونه هو من يؤخّر الوصول إلى حلّ.

 

 



رشيد الحداد - الأخبار