الشيخ ياسرجي: قرار تحويل "آغيا صوفيا" يخدم مخططَ إذكاء نيران الفتن البينيّة

الجمل: ننشر فيما يلي رسالة الشيخ الحلبي محمد أديب ياسرجي التي يجيب فيها عن سؤال المطران عطالله حنا حول قضية "آغيا صوفيا":

بسم الله الرحمن الرحيم : الأخ والصديق العزيز، سيادة المطران المقاوم عطا الله حنَّا: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته:

وصلتني رسالتكم التي تعلّقون فيها على قرار الرئيس التركي أردوغان بتحويل "آغيا صوفيا" إلى مسجد. وتدعون فيها إلى بيان الرأي في هذا الموضوع الخطير.

وإنني أقول، تلبيةً لندائكم: إني أتفق معكم تماماً فيما قلتم،.وأن هذا القرار لا يندرج أبداً في ميزان الاختيار ما بين وصف "كنيسة" أو "مسجد" أو "متحف" لمعلم "آغيا صوفيا"، ولو كان كذلك لهان الأمر، ولأمكن الوصول إلى حلّ عادل يتفق عليه العقلاء.

ولكنه قرار يهدف إلى تحقيق بعض الأمجاد الشخصية وخدمة الحسابات السياسية والانتخابية والإعلامية؛ إضافةً إلى أنه يخدم مخططَ إذكاء نيران الفتن البينيّة، ضمن البيئة التي تواجه المشروع الصهيوني، وفي جسد الشرق عموماً، ويفتح جبهةً جديدة تضاف إلى الجراح النازفة، التي تستهلك مقدراتنا وتوهن من قوتنا، حتى وإن لم يقصد أصحاب القرار ذلك.

ولاشك في أنَّ الذين يعارضون هذا القرار هم كُثُر، وإن كان بعضهم لن يتجاسروا على إعلان إنكارهم له، وذلك خوفاً من ردود أفعال عامة الناس، الذين ينساقون دون تفكير مع العناوين والشعارات الجذابة، كما انساق كثير منهم مع الشعارات التي استُخدمت من قبل في سورية وغيرها.

لقد كان تحويل آغيا صوفيا إلى مسجد عام 1453م قراراً سلطانياً، وليس قراراً إسلامياً، ولا ينبغي أن تخدعنا - نحن المسلمين - عملية المقارنة بين "كنيسة" و "مسجد"، في هذا المقام؛ ولكن المقارنة الحقيقية التي يجب أن نقوم بها هي المقارنة بين السّلام والوئام وبين النزاع والتخاصم بين أبناء الأمة، أو بين أماكن يُذكر فيها اسم الله ويُدعى فيها إلى خير الإنسان من جهة، وبين أماكن لحياكة المؤامرات وتصنيع أسلحة الدمار التي تفتك بالإنسانية من جهة أخرى.

وعندما تكون المقارنة كما ذكرنا، فإن القرآن الكريم يدعونا إلى اختيار الطرف الأول من المعادلة، لأنّ الله خلَقنا من أجل أن يرحمنا؛ وعندها تصبح المساجد والكنائس وكلّ دور العبادة الأخرى متساوية الاعتبار من حيث وجوب حمايتها ورعايتها، كما قال القرآن الكريم:

(أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا؛ وَإِنَّ اللهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (39) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللهُ؛ وَلَوْلَا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللهِ كَثِيرًا، وَلَيَنصُرَنَّ اللهُ مَن يَنصُرُهُ، إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (40) الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ، وَلِلّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ) سورة الحج: 39-41.

ويحضرني هنا موقفٌ عظيم لرسولنا الأكرم محمد "ص"، عندما أمر أصحابَه بهدم مسجدٍ بناه بعض الناس في زمانه وفي مدينته، ليصلّوا فيه بعيداً عن مسجد رسول الله "ص"، وكان هؤلاء الذين بَنَوا المسجد من المؤمنين حسب الظاهر، ولكن رسول الله "ص" كان يعلم النفاق الموجود في قلوبهم، ويدرك الغاية غير النظيفة من هذا البناء، الذي أعطوه اسماً طاهراً هو "المسجد"؛ لكن العبرة بالحقائق وليست بالعناوين، ولذلك شارك رسول الله "ص" في هدم ذاك المسجد بيده، ونزل القرآن الكريم يفضحهم ويكشف نيّتهم الخبيثة:

(وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِّمَنْ حَارَبَ اللهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ. وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَىٰ. وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (107) لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا. لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَىٰ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ. فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا، وَاللهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ). سورة التوبة 107-108.

وهذا القرار الذي اتخذه الرئيس التركي هو في رؤيتنا قرارٌ يسبب التفريق بين المؤمنين، مهما حاولوا تبريره بذرائع أخرى، والدليل على ذلك هو آثار هذا القرار، وما أحدثه وسيحدثه من نزاع وتخاصم بين أبناء الأمّة الواحدة.

ونذكّر هنا بتقارب هذا القرار زمنياً مع جريمة مشروع الضمّ، الذي تخطط له حكومة الاحتلال، ومع ما فعلَته سابقاً من إعلانها ضمَّ القدس الشريف،... ولا شك في أنّ المشروع الصهيوني سوف يستغل القرار التركي لتعزيز استقوائه بالحقوق التاريخية المزعومة لهم في القدس وعموم فلسطين، وسوف يؤدي إلى تفتيت الجبهة المناوئة للمشروع الصهيوني، ويساهم في زرع الشقاق بين أبنائها، ويشغلهم عن مواجهة صفقة القرن، وخطواتها المتلاحقة.

وأؤكد أيضاً على استحضاركم لاتفاقية فتح القدس، المعروفة تاريخياً باسم العُهدة العمرية، والتي تشكّل أساساً قانونياً لتقييم كل التصرفات اللاحقة بعدها، التي تغطّيها بنود هذه الاتفاقية، المأخوذةِ تعاليمُها الأساسية من وصايا الرسول الأكرم محمد "ص" المعروفة، وخاصة لناحية احترام الناس وحماية دور العبادة وتوقير المتعبّدين فيها.

والحقيقة أنّ وصايا رسول الله "ص" هي أوسع نطاقاً وأكثر شمولاً من العهدة العمرية نفسها، وأنّ العودة إلى تعاليم النبيّ "ص" تتيح لنا رؤيةً رحمانية وحضارية راقية، وتمنحنا القدرة على تطوير واقعنا ليكون أعظم تآلفاً وانسجاماً، وأكثر قدرةً على الاستفادة من التنوع الفكري والإنساني، فنحن محتاجون اليوم في الدرجة الأولى إلى ما يعزز تماسك مجتمعنا، وتوحيد جهود أبنائه من أجل تحرير الأرض وإعمار البلاد والارتقاء بالإنسان، والوقوف إلى جانب الضعفاء والمساكين والمهجّرين والأيتام، وما أكثرهم اليوم في بلادنا، وخاصةً في فلسطين العزيزة.

وأعتقد أن على العقلاء وأهل الحكمة أن يتوحّدوا لتحقيق هذه الأهداف، مع ما يحتاجه ذلك من شجاعة لمواجهة حمّى التعصب التي تؤدي إلى سفك الدماء وترويج الفساد في الأرض.

ولا شك عندنا في أنّكم يا سيادة المطران العزيز واحدٌ من هؤلاء الحكماء الشجعان، ونحن نرجو الله تعالى أن يأخذ بيدكم، وأن يسدّد خطاكم، وأن يوفقكم لخدمة الإنسانية، وخاصة بلادنا الحبيبة، وفي المقدمة منها فلسطين العزيزة، التي نسأله تعالى أن يقرّ أعيننا جميعاً بتحريرها واستعادة مقدساتها.

أخوكم المحبّ

الشيخ محمد أديب ياسرجي

11/7/2020