الماسونية الدمشقية

وليد الحجار:
في كتابه "شرق الجامع الأموي: الماسونية الدمشقية 1868-1965"، الصادر عن دار رياض الريس في بيروت، كتب سامي مروان مبيّض للمهتمين بتلك الحقبة الخفية من تاريخ الزعامات الشامية معلومات قال انها مبنيّة على مستندات لم يرفقها في كتابه...!
يذكر مبيّض في كتابه أن "الماسونية العالمية وصلت إلى دمشق في نيسان 1868، عبر ماسوني أمريكي يدعى، روبرت موريس جاء إلى دمشق حاملاً تحية أخوة من نصف مليون ماسوني أمريكي، ومعه ألف دولار أمريكي لتأسيس أول محفل فيها، ولتعريب الماسونية عبر أبنائها"...! ويؤكد أنه "في ذلك الوقت لم يكن هناك أي محفل محلي في دمشق، و"كان كل ماسون دمشق منتسبين لمحافل خارجية"، و"دعاهم موريس للاجتماع السري الأول من نوعه في تاريخ المدينة... ليصنعوا في ذلك اليوم تاريخ الماسونية، في دمشق: 7 نيسان 1868"...!
يقول الكاتب أن مَن دخل إلى المحافل الماسونية من أبناء دمشق كان من النخبة وليس العكس... 11 من رؤساء الوزارات السورية في عهد الانتداب والاستقلال كانوا من الماسونيين ومعهم ثلاثة وزراء خارجية، ورئيسا دولة على الأقل...!
لاحقاً، وقّع الماسونيون كتاباً موجهاً للمحفل الأعظم الإنكليزي، طلبوا فيه صكّ براءة لتشغيل محفلهم الأول، وكان من بين الموقعين عليه نائب القنصل الأمريكي في دمشق ناصيف مشاقة، ومحمد علي محاسن، أحد أعيان المسلمين العاملين في المحكمة العثمانية العليا، والأميران محمد ومحيي الدين الجزائري، ابنا الثائر الجزائري الأمير عبد القادر...! ويعلّق مبيّض "رغم أنه من المستحيل وجود أي دليل فعلي على انتساب الأمير الأول للماسونية، ولكن من المؤكد أن ابنيه وحفيده الأمير سعيد الذي صار حاكماً لدمشق عام 1918، كانوا ماسونيين"...!
بات النشيد الوطني "حماة الديار" هو النشيد الرسمي لكل المحافل الدمشقية ... حتى باتت تلاوته قبل أي اجتماع ماسوني فرضاً في المحافل، وهو نشيد أقرّه البرلمان السوري بطلب من رئيسه فارس الخوري، في عهد الرئيس هاشم الأتاسي، في سياق التماس الدولة السورية الاستقلال عن الانتداب الفرنسي.
يصف الكتاب فارس الخوري بـ “الماسوني العتيق" الذي طوع الماسونية الرسمية بكل ما استطاع لمحاربة الانتداب الفرنسي ابتداءً باعتماد العَلم الرسمي السوري للمحافل، ومنع دخولها من قبل الأجانب، وابتعادها عن اللباس الأزرق الغربي، وعقد كل اجتماعاتها باللغة العربية ...! ففي عام 1935 عقدت كل محافل دمشق اجتماعاً سرياً مغلقاً خرج بنتائج واضحة ومقررات تنصّ على إنهاء الانتداب دون شروط، تأسيس جيش وطني مستقل، والانضمام إلى عصبة الأمم المتحدة.
ولا يغفل الكاتب ذكر مقالة وجيه بيضون، عام 1937، والتي حملت اعترافاً بالفساد الماسوني، لأن "عدداً كبيراً من محافلها يعمل بنحو غير قانوني، والكثير من مدّعي الماسونية هم مرتزقة ونصّابون، ولتستمر الماسونية عليها أن تتخلّص منهم"...!!
يوافق على هذا الرأي الماسوني السوري علي نصر الدين، فقد كتب مقالاً قال فيه "إن بعض إخوته في العشيرة يأتمرون بمحافل أجنبية في نيويورك ولندن"، واصفاً إياهم بالعبيد للغرب. وتبعهما في الرأي الصحافي عبد القادر جمالي الذي قال إن "الماسونية تعاني من تفشّي نفوذ المال السياسي، والاحتلال الفرنسي".
ويروي الكاتب: "حين دخول غورو إلى دمشق وقيام بعض الدمشقيين بحمل عربته، لم يعترض وجهاء دمشق من الماسون، معتبرين أن هذا التصرف هو عين الحكمة والصواب"، ويذكر باقتضاب مرافقة حاكم دمشق الماسوني حقي العظم عام 1921 "غورو" في زيارة إلى القنيطرة،"
نشطت الماسونية في دمشق قرناً كاملاً واحتوت معظم رجال الدولة تقريباً، حتى صدر مرسوم موقّع من قبل رئيس الجمهورية أمين الحافظ، عام 1965، قضى بإغلاق جميع المحافل الماسونيّة وحظر نشاط الجماعة حظراً تاماً وكاملاً...!
ويروي أن أبرز مَن دخل المحافل من الدمشقيين السياسيين هم: جميل مردم بيك، فارس الخوري، عبد الرحمن الشهبندر، حقي العظم، فوزي سلو، أديب الشيشكلي، جميل الألشي، عطا الأيوبي، حسن الحكيم، سعيد الغزي، صبحي بركات، أحمد نامي، لطفي الحفار، بهيج الخطيب...!
ومن الأسماء البارزة التي لم تتولَّ مناصب سياسية رسمية: القاضي حنا مالك، ورئيس غرفة تجارة دمشق بدر الدين الشلاح، داوود مارديني، مصطفى القباني، مصطفى شوقي، عثمان سلطان، توفيق البيضون، رفيق الجلاد، وكثيرون غيرهم من علية القوم والتجّار...!
أن محافل سوريا كانت علنيّة، ومرخصّة ومسجّلة في الدولة تدفع الضرائب مثل أي شركة أو حزب، وتقدّم ميزانياتها السنوية للحصول على موافقات من وزارة المالية السورية. و "كان الماسون الدمشقيون يعلّقون شهاداتهم الماسونية الرسمية بخطّها الكوفي في مكاتبهم ومنازلهم دون أي خجل أو تحفظ".
بدأت الأمور تتغيّر في أواخر الخمسينيات من القرن الماضي. بعد أسابيع قليلة من قيام جمهورية الوحدة بين سوريا ومصر في شباط/ فبراير 1958، أتلفت معظم محافل ماسون دمشق أوراقها، لأن الماسونيين كانوا يخافون جمال عبد الناصر كثيراً، وهو الذي كان يتهمهم بصلاتهم الخارجية...!
رغم ذلك، لم يغلق عبد الناصر شخصياً أي محفل في دمشق خلال تولّيه رئاسة الجمهورية المتحدة، إنما المشكلة الحقيقية كانت مع عبد الحميد السراج، مدير المكتب الأمني الثاني، ووزير الداخلية، وكذلك رئيس المجلس النيابي أكرم الحوراني المعروف بفكره الاشتراكي، والذي حارب الماسونيين محمّلاً إياهم مسؤولية فقر السوريين وهزيمة الجيش في حرب فلسطين...!
اختصر الماسونيون الطريق على أنفسهم، بعد أن أيقنوا استحالة وجودهم دون التعرض لضغوطات جمّة، فأغلقوا محافلهم طوعاً، وأتلفوا مستنداتهم خشية أي فعل من دولة الوحدة ضدهم، وهذا ما يفسر غياب الأوراق والثبوتيات التي كانت ستجعل البحث في الملفّ أكثر وضوحاً واتّزاناً.
ويضيف الكاتب أن الأمر ذاته ينسحب على الرئيس فارس الخوري الذي جمعت ذكرياته في كتابين دون أي إشارة إلى كونه من الماسونيين الأوائل، حاله حال رؤساء حكومات آخرين كجميل مردم بك ولطفي الحفار وسعيد الغزي ولطفي الأيوبي...!
ويستغرب مبيض على جميع أفراد "العشيرة الحرة" إنكارهم لذاك الانتساب وخجلهم منهم لاحقاً، ويتساءل: "أترى هو خجل أم خوف أم حفاظ على سرية العشيرة أم التزام منهم بقَسم السرية؟"، معلّقاً بأن الجواب حقاً لا يزال غير معروف حتى يومنا هذا...!
 ومن المحافل السورية المعروفة:
محفل نور دمشق الذي تأسس عام 1898 وأبرز مؤسسيه فارس الخوري وجميل مردم بك، وأغلق أبوابه مع اندلاع الحرب العالمية الأولى عام 1914، ولم يعد افتتاحه لاحقاً؛ محفل قاسيون الكبير الذي تأسس بين عامي 1922 و1924، وكان تابعاً للمحفل الفرنسي الأكبر، ومن أبرز أعضائه رئيس الوزراء السابقون جميل الألشي، ورضا مردم بيك، والتاجر زكي سكّر، وأقفل عام 1965؛ محفل سورية الذي تأسّس عام 1879، ويتبع للمحفل الإيطالي الأكبر، وأغلق عام 1890؛ محفل سورية الثاني الذي تأسّس عام 1924 ويتبع لمحفل لشرق الأعظم الفرنسي، ومن أبرز أعضائه رئيس الحكومة سعيد الغزي، وأقفل عام 1965؛ والمحفل السوري الأكبر الذي تأسّس عام 1939، على يد عطا الأيوبي، وكان يتبع للمحفل الإسكتلندي الأكبر، وأغلقه المندوب السامي الفرنسي عام 1940.
يقول الكاتب: "قرار حظر الماسونية جاء نتيجة اكتشاف السلطات السورية أمر الجاسوس الإسرائيلي إيلي كوهين، الذي عاش وعمل في سوريا لأربع سنوات، وكانت داره محجاً لرجال السياسة والمال والجيش"، ويضيف أن "أمين الحافظ، رئيس الجمهورية وقتذاك، ولصداقته القوية بكوهين كان الأمر محرجاً للغاية له... وبحثاً عن كبش فداء لأخطائه وإخفاقاته قام بضرب كل محافل الماسونية في سوريا، ورغم ذلك وحتى اليوم لم يعتقل أي ماسوني في تاريخ دمشق بتهمة الانتساب للعشيرة"...!
يختم مبيض كتابه بجملة أسئلة: "هل كانت الماسونية شراً في دمشق، أم تنظيماً أهليّاً حمل أوزار سنوات من القهر والفشل والأحلام الضائعة...؟ هل كان الماسون رجالاً أفاضل يسعون إلى تطوير مجتمعهم، أم أن الماسونيّة استخدمتهم لتحسين صورتها في المشرق العربي...؟".