اتحاد سوروس

الأمن القومي الروسي يبدأ من دمشق: هذا ماقالته الملكة كاترين الثانية قبل ثلاثة قرون، ونحن نرى اليوم أن الأمن القومي السوري يصب في موسكو ، في علاقة جدلية تاريخية يمكن رؤية معالمها الظاهرة أكثر مما يمكن فهمها في العمق، مثل أن نقرأ أحرف اسم سوريا مقلوبة في أحرف اسم روسيا ، ومثل أن نلاحظ أن سورية تعيش المراحل التي مرت بها الدولة الروسية السابقة خلال قرن مضى، حتى أننا نلاحظ كيف أن خواتيم حزب البعث تكاد تكون كخاتمة الحزب الشوعي الروسي قبل انهيار الإتحاد السوفياتي .. ولاعجب في أن ثروات (المياه الدافئة) في البحر السوري ستفيد منه الدولتان بعد انتظار ثلاثة قرون على حلم كاترين الثانية، وأن غالبية الإتفاقيات الأربعون التي يحملها لنا الوفد الروسي ستكون متعلقة بالغاز والنفط والفوسفات والتجارة الخارجية والدستور وشكل الدولة السورية، لعلنا نصل في الختام إلى سلام سياسي واجتماعي بعد الإقتصادي..ومن المفيد أن نذكر أن روسيا بكل حالاتها لم تتعامل مع سورية من منطق استعماري، وكذا سورية كان لها حرية الإعتراض على توجهات موسكو في سياستها الداخلية، حتى أنها كانت تسجن حلفاء روسيا السوريين من الحزب الشيوعي رغم العلاقات الجيدة معها..
وبانتظار معلومات حول نوع الإتفاقيات، سنراقب تحسن سعر الليرة ومستوى تحرير الموانئ السورية من الحصار الإقتصادي الذي يفرضه الأمريكي، وحتى ذلك الوقت فإننا نعلم أن روسيا لن تتمكن من دعمنا بالقدر الذي نطمح إليه بسبب توازناتها الدولية، كما أنها لن تكون مع غيرنا بما يضرنا، فهي تتحالف معنا وتلعب مع باقي الفرقاء : الأتراك والأكراد والإسرائيليين والسعوديين والأردنيين ..
ويبقى أن نذكر أن الإتحاد السوفياتي ومن ثم روسيا كانت من أوائل الدول التي اعترفت باستقلال سورية ودعمت قضايانا في المحافل الدولية وحاربت إلى جانبنا في حرب تشرين 1973 وساهمت بإنشاء سد الفرات وفي تأسيس البنى التحتية للإقتصاد السوري، كما نذكر بأن مركز الدعم المادي التقني للاسطول البحري السوفييتي في ميناء طرطوس قد أقيم منذ العام 1963 ومازالت روسيا العلمانية على عهدنا بها تقدم ماينفعنا ولا يضرها، وليس من مصلحتها خسران محبة واحترام ماتبقى من السوريين بحال تدخلها في شؤون السياسة الداخلية، إن كا في الدستور أو الإنتخابات الرئاسية..كما لن نرضى باتحاد كونفدرالي ولا بطائف سوري ..
لقد جاءت هذه الزيارة الروسية المكثفة بوقتها المناسب، وننتظر نضوج ثمارها قبل نهاية العام الجاري، وإلا ستكون روسيا قد خسرت الفرصة المناسبة لتجديد ثقة الشعب السوري الذي أنكره العالم وبات كافرا بكل شيء بعدما تجاوز حاجز الألم ولم يبق له سوى الخروج من جلده.. وما أصعب مواجهة السوري الخارج من جلده، والكلام للسلطات السورية كما الروسية، في حال فشل الفريقان في إنجاح الإتفاقيات المأمولة .. أخيرا ومن باب سد الذرائع وأفواه الذين يهاجمون التحالف السوري الروسي، نأمل من روسيا شطب ديونها على سوريا على غرار مافعلته عام 2008 عندما وقعت اتفاقية شطبت فيها 73 % من الديون السورية، إذ لايمكن أن تكون شراكة عادلة بين دائن ومدين..

 

نبيل صالح