رسائل سيمون دو بوفوار إلى نيلسون ألغرين

«إني مستعدة لأن أطبخ لك يومياً، وأن أكنس المنزل، وأغسل الصحون. أريد أن أكون لك زوجة عربية مطيعة». (من إحدى رسائل دو بوفوار إلى ألغرين).
ربما لم تكن سيمون دو بوفوار (9 يناير/كانون الثاني 1908 – 14 إبريل/نيسان 1986) في حقيقتها كما تبدو من خلال كتاباتها وتعليقاتها، وأثرها في الثقافة العالمية، كصورة للمرأة التي تتميز بتحكيم عقلها حد البرود، إضافة إلى كونها من أولى الأصوات التي نادت بما عُرف لاحقاً بمصطلح (النسوية) هذا الذي أعيد إنتاجه، وابتعد كثيراً عن النظرة الحادة التي كانت تنادي بها دو بوفوار. كان للمرأة قلب كبير، ولطالما تعذبت بحب تعلم جيداً أنه لن يكتمل، أو تنتهي قصته كما تريد. ورغم ارتباطها التام بجان بول سارتر (21 يونيو/حزيران 1905 ــ 15 إبريل 1980) وقد عاشت فترة طويلة من حياتها ظلاً له، قبل أن تتوصل لانتقاده، وتصبح نداً فكرياً، إلا أن حياتها الخاصة وعلاقاتها العاطفية ـ الدائمة أو العابرة ـ كانت تظهرها مختلفة تماماً عن الصورة التي حرصت على أن تعيش من خلالها، وكأن هذه الحياة كانت حلماً تعيشه، بعيداً عن اليومي والمعتاد في أوساط المثقفين الفرنسيين، وكذا موقفها من قضايا عصرها.
وتأتي علاقتها الأكثر أثراً في حياتها مع الكاتب الأمريكي نيسلون ألغرين (28 مارس/آذار 1909 – 9 مايو/أيار 1981) لتكشف أكثر عن الروح الحقيقية لسيمون دو بوفوار، التي تناقض تماماً ما أقرته في كتابها «الجنس الثاني/الآخر» قائلة.. «الأنوثة بالمفهوم التقليدي السائد هي منتج مصطنع خرج من الحضارة الذكورية. إن ما يُشاع عن غرائز الغنج والخضوع لدى النساء، إنما هو انحراف مكتسب اجتماعياً، تماماً مثل غريزة الغرور والأنا الذكورية المنتفخة، التي هي مكتسبة وغير فطرية لدى الرجال».
مثقفة فرنسية في شيكاغو
«لكن تذكر ـ أرجوك ـ أنا لن أطلب منكَ مرّة أخرى أن أراك، وليس هذا لكبريائي الذي لا أملك منه شيئاً أمامك كما تعلم، لكن لأن لقاءنا لن يعني شيئاً إلا إن كان برغبة منك» (من رسائل عام 1950).
في عام 1947 ذهبت سيمون دو بوفوار إلى الولايات المتحدة بدعوة من عدة جامعات أمريكية لإلقاء محاضرات، خلال الفترة من يناير وحتى مايو. وفي شهر فبراير/شباط قابلتها في نيويورك ماري غولدستين، إحدى صديقات نيلسون ألغرين، مُقترحة عليها الذهاب إلى شيكاغو، وهناك تعرّفت دو بوفوار إلى ألغرين. كانت شهرة دو بوفوار تسبقها، شُهرة متبوعة دوماً بسارتر، بينما ألغرين كان رغم موهبته، رجلا لا يحب الصخب، فقط يعيش ويكتب عن شيكاغو وأحياء البؤس وحيوات المغضوب عليهم والخارجين على النظام ـ تجسد هذا العالم في روايته الأشهر «الرجل ذو الذراع الذهبية» الصادرة عام 1949، التي تعد أول رواية واقعية سوداء في الولايات المتحدة، خلال مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، كما فازت بأول جائزة قومية للرواية عام 1950، وتحولت إلى فيلم أمريكي عام 1955، قام ببطولته فرانك سيناترا ـ ورغم عدم ارتياح ألغرين لنموذج دو بوفوار، إلا أنه اصطحبها بعد ذلك إلى الحي البولوني، الذي يعيش فيه، الحانات وصالات القمار، لترى عالم آخر غير أمريكا التي تظهر في الأفلام، ورغم ذلك كان الرجل وسيماً وأنيقاً، كان على النقيض من سارتر، فوقعت دو بوفوار في غرامه، لتبدأ بينهما المقابلات المحدودة، ومسيرة الرسائل الطويلة التي امتدت من عام 1947 وحتى عام 1964.
«أريد أن أرسل لكَ شيئاً، لكن ما هو؟ الورود تذبل، والقُبل والدموع لا أستطيع إرسالها.. وحدها الكلمات».
كتبت دو بوفوار رسائلها إلى ألغرين بالإنكليزية، لأنه لم يكن يجيد الفرنسية التي حاول تعلمها من أجلها، اللهم إلا بعض عبارات الحب، التي كان يكتبها اعتماداً على القاموس، بلغت هذه الرسائل 304 رسائل، تمت ترجمتها مؤخراً إلى الفرنسية بواسطة سيلفي لي بون دو بوفوار ـ ابنة دو بوفوار بالتبني ـ وصدرت عن دار غاليمار تحت عنوان «حب عابر للمحيطات.. رسائل إلى نيلسون ألغرين 1947 ـ 1964». كانت هذه الرسائل عوضاً عن اللقاءات الفعلية القليلة بينهما، التي لم تتجاوز الخمسة لقاءات، ما بين أمريكا، إسبانيا، إسطنبول، اليونان، حيث لم يلتقيا أبداً بعد عام 1960. وتأتي الرسالة الأخيرة، والمؤرخة في نوفمبر/تشرين الثاني 1964، لتؤكد دو بوفوار لعشيقها «سوف أسافر إلى الولايات المتحدة في مايو، هذا مؤكد، وسوف أجدك أينما اختبأت».
الغرين وسارتر
«إنني صديقته الحقيقية الوحيدة التي تفهمه وتمنحه السلام والتوازن.. لا أستطيع التخلي عنه أبداً. وقد أتخلى عنه لفترات طويلة أو قصيرة، ولكن لا أستطيع أن أكرّس حياتي كاملة لرجل آخر». هكذا كان سارتر بالنسبة إلى دو بوفوار، رغم تقلب علاقتهما، إلا أنها صمدت حتى النهاية، رغم حبها لألغرين. فمنذ التقاها سارتر عام 1929 وحتى وفاته عام 1980، عقد الاثنان اتفاقاً قائماً على مفهوم (الإخلاص الحر) بأن يسمح كل منهما للآخر بإقامة علاقات عاطفية، شرط الشفافية المطلقة بينهما وانعدام الأسرار، وهكذا عاشا عدداً لا يحصى من العلاقات. هذا الارتباط القوي بسارتر، لم يمنع دو بوفوار أن تخاطب ألغرين بـ(زوجي العزيز) وأن تمتنع في الوقت نفسه عن العيش معه في شيكاغو.. «لا أستطيع أن أعيش فقط من السعادة والحب، ولا أستطيع أن أتخلى عن الكتابة والعمل في المكان الوحيد في العالم، حيث تكون لكتبي وعملي معنى ما». إلا أن علاقة دو بوفوار بكل من سارتر وألغرين قد خَبَت في النهاية، ولم تكن سوى الذكرى هي التي ظلت باقية. فقد انتقدت سارتر نقداً عنيفاً، فبعد أن كانت تطيعه في البداية طاعة عمياء، حيث كانت تمجّد ستالين والستالينية مثله، أصبحت ترى الصهيونية العالمية تعبث به وتستغله في صراعها مع الفلسطينيين.
أما ألغرين، الذي رسمت له صورة في روايتها «المثقفون» عام 1957، تحت اسم مستعار (لويســي بروغان) لم يكن ليرضى بعد ذلك عن اعترافاتها التي ضمنتها رواية «قوة الأشياء» والتي صدرت ترجمتها الإنكليزية عام 1965، فما كان منها إلا أن تكتب له.. «أتمنى ألا تزعجك المقاطع التي تخصك، لأنني وضعت فيها كل عاطفتي وقلبي» لكنه قاطعها بعدها، وابتعد عنها تماماً، حتى رحيله عام 1981. وقد ظنت وقتها أنه أحرق رسائلها، لكنها عرفت أنه احتفظ بها حتى آخر يوم في حياته، ربما تأكد حدسها، حينما كتبت له قائلة، «وطالما تحبني فإنني لا أشعر بأن الشيخوخة ستصلني ولن أموت».
 محمد عبد الرحيم