الولاء والبراء .... شخصي أم موضوعي

ساد مفهوم الولاء والبراء حتى تدخَّل في العقيدة، وأصبح ركنًا من أركان العقيدة: (عقيدة الولاء والبراء)، ومن ينكره يُتهم بالكفر، ومقتضى هذا المفهوم ألّا نوالي سوى المسلم، ونبرأ من كل غير المسلمين، نبرأ من أشخاصهم، وأعمالهم، وحبهم، وصداقتهم، وتأييدهم! باختصار هو إعلان قطيعة مع غير المسلم!

 الولاء والبراء في الجاهلية

لم يكن للعرب قبل الإسلام حكومة مركزية تحفظ حقوقهم، ولا شرطة مركزية تردع المخالفين، لذا لم يوجد سبيل أمامهم سوى اللجوء إلى القبيلة، فهي الحمى عند الخطر، وهي مصدر العزة والفخر، لذلك يستحيل أن يعيش العربي وحده مبتورًا دون قبيلة ينصهر فيها، فيذوب في قبيلة تحميه وتحفظ قدره، ومن هنا تمكَّن التعصب القبلي من العرب، ونصرة القبيلة ولو على الباطل، والمبالغة في الثأر، والتعالي على الغير، حتى قال الشاعر العربي:


أي أن العربي الحق من ينصر أخاه ويقاتل أعداءه، دون أن يسأله عن برهان صدقه، ومن هنا ساد شعار:”انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا”.

ومن الساخر أن رجلًا كان يطوف بالكعبة وهو يدعو لأبيه، قيل له: ألا تدعو لأمك؟ فقال: إنها من قبيلة أخرى!


الولاء والبراء في الإسلام


جاء الإسلام لينقل الإنسان من ضحل الجاهلية، وتعصب القبيلة، والنزعة العِرقية، والفخر الكاذب، إلى التمسك بالحق/ المبدأ/ الخُلُق الحسن، مهما كان فاعله، وحتى لو كان التمسك بالحق على حساب أولي القربى، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ). وبذلك فقد أعلن الإسلام أنه موضوعي/ أخلاقي وليس شخصيًا/ قبليًّا/ متعصبًا/ شعبويًا.



ولذلك لا يتستر على الخطأ إن صدر عن مسلم؛ فحين أخطأ خالد بن الوليد وقتل أبرياء ظلمًا، قال النبي:”اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد”.


وقال النبي لابنته فاطمة:”والذي نفسي بيده، لو أن فاطمة بنت محمد سرقت، لقطعت يدها”.

ولذلك يعترف بالفضل ويمتدح الخير إن صدر عن غير مسلم؛ فامتدح القرآن أمانة بعض أهل الكتاب، فقال:(وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا).

وقد شهد القرآن بحسن إدارة ملكة بلقيس، واتخذها نموذجًا يُقتدى به للحكم الرشيد، رغم كفرها، (قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ).

 إذن، فالولاء والبراء في الإسلام موضوعي وليس شخصي، هو تبرؤ من كل خطأ أيًا كان فاعله، وموالاة لكل حق أيًا كان فاعله.


تزييف الولاء والبراء

زاغ البعض عن هذه البوصلة الموضوعية، واعتبر أن الدين يتبرأ من كل أفعال غير المسلمين مهما كانت، ويوالي المسلمين مهما فعلوا، وبذلك جعلوا الدين شخصيًا وليس موضوعيًا، ينظر للفاعل وليس الفعل، يعيد بناء التعصب القبلي مرة أخرى، ويستشهدون بمجموع آيات تدعوا لموالاة المسلمين، والتبرؤ من غير المسلمين!

لكن إجمالًا كل الآيات التي تتحدث عن الولاء والبراء جاءت في سياق قتال بين المسلمين والكافرين، وتخاطب مجموعة من الخونة، الذين باعوا أنفسهم للمال، فتجسسوا على المسلمين، وأعانوا الكافرين على إخوانهم، وأرشدوا الكفار لقتال أهلهم، فنزل فيهم قرآن يعدهم عذاب الجحيم، ويصمهم بالكفر أو أعوان الكفر؛ لأنهم حين وُضعوا في موضع اختيار بين الإيمان والكفر، اختاروا الكفر على الإيمان. ولأنه لم يشم رائحة الإسلام من أعان على قتل أخيه المسلم البريء.

وتفصيلًا نتتبع هذه الآيات ونتفحص أسباب نزولها ومعانيها:– (لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ).

يقول محمد عبده:”الأولياء: الأنصار، والاتخاذ يفيد معنى الاصطناع. وهو عبارة عن مكاشفتهم بالأسرار الخاصة بمصلحة الدين، وقوله: (من دون المؤمنين) قيد في الاتخاذ؛ أي لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء وأنصارًا في شيء تُقدَّم فيه مصلحتهم على مصلحة المؤمنين، أي كما فعل حاطب بن أبي بلتعة، (الذي تجسس على المسلمين ونقل أخبارهم لقريش)؛ لأن في هذا اختيارًا لهم وتفضيل على المؤمنين، بل فيه إعانة للكفر على الإيمان ولو بطريق اللزوم، من شأن هذا ألا يصدر من مؤمن ولو كان فيه مصلحة خاصة له”.


– (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ).

يروي الطبري أن الآية نزلت لما حارب يهودُ بني قينقاع رسولَ الله، وعندئذ كان بعض المسلمين على علاقة وثيقة بيهودي بني قينقاع، علاقة تجارة وحِلف وقرابة، فانقسم المسلمون، منهم من وقف جوار بني قينقاع، ومنهم من وقف جوار المسلمين، فعبادة بن الصامت قال: يا رسول الله، أتبرأ إلى الله وإلى رسوله من حلفهم، وأتولى الله ورسوله والمؤمنين، وأبرأ من حلف الكفار وولايتهم! أما عبد الله بن أبي فتشبث باليهود بدافع الحفاظ على تجارته، فنزلت هذه الآية تأمر المسلمين بالوقوف جوار الإسلام والنبي والحق، ولو على حساب تجارتهم.

ولذلك جاءت الآية التالية: (فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ).

إذن فالآية تنهى عن موالاة جماعة معينة من اليهود والنصارى، وهم المقاتلون للمسلمين.

– (لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ).

يقول البغوي:”عن ابن عباس نزلت في المنافقين: عبد الله بن أُبَي وأصحابه؛ كانوا يتولون اليهود والمشركين ويأتونهم بالأخبار ويرجون أن يكون لهم الظفر على رسول الله، فأنزل الله عز وجل هذه الآية، ونهى المؤمنين عن مثل فعلهم. قوله تعالى: (وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ) أي موالاة الكفار في نقل الأخبار إليهم وإظهارهم على عورة المسلمين (فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ)”.

– (لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ).

فهذه الآيات ليست في مطلق يهود ونصارى عاديين مسالمين للمسلمين، بل في يهود ونصارى معادين لهم، محاربين لدعوتهم”.

ويقول القاسمي: “يُفهم من قوله تعالى: (حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) وقوله في آية أخرى: (لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ) أن المراد بهم: المحاربون لله ولرسوله، الصادون عن سبيله، المجاهرون بالعداوة والبغضاء. وهم الذين أخبر عنهم قبل بأنهم (وَيَتَنَاجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ).

فتشمل الآية المشركين وأهل الكتاب المحاربين والمحادين لنا، أي: الذين على حد منا، ومجانبة لشؤوننا، تحقيقًا لمخالفتنا، وترصدًا للإيقاع بنا.

وأما أهل الذمة الذين بين أظهرنا، ممن رضي بأداء الجزية لنا وسالمنا، واستكان لأحكامنا وقضائنا، فأولئك لا تشملهم الآية; لأنهم ليسوا بمحادين لنا بالمعنى الذي ذكرناه، ولذا كان لهم ما لنا، وعليهم ما علينا، وجاز التزوج منهم ومشاركتهم، والاتجار معهم، وعيادة مرضاهم. فقد عاد النبي يهوديًا، وعرض عليه الإسلام فأسلم”.

– (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ).

يقول البيضاوي:”نزلت في المهاجرين، فإنهم لما أُمِروا بالهجرة قالوا: إن هاجرنا قطعنا آباءنا وأبناءنا وعشائرنا، وذهبت تجاراتنا وبقينا ضائعين. وقيل نزلت نهيًا عن موالاة التسعة الذين ارتدوا ولحقوا بمكة. والمعنى: لا تتخذوهم أولياء يمنعونكم عن الإِيمان ويصدونكم عن الطاعة لقوله: (إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ) إن اختاروه وحرصوا عليه. (وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) بوضعهم الموالاة في غير موضعها”.

ومما يؤكد هذا التفسير أن سياق الآيات يتحدث أولًا عن المهاجرين الذين استجابوا لنداء الإيمان: (الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ * يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ * خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ).

ثم انتقل للصنف الآخر، الذين فضَّلوا الجلوس جوار آبائهم وتجارتهم وأموالهم على الدين والحق ونصرة المظلومين، فقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ * قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ).

وبذلك قد ثبت أن الآيات التي تنهى عن مودة وموالاة اليهود والنصارى، أو تأمر بالتبرأ منهم، إنما تتحدث عن المقاتلين والمحاربين منهم، والولاء المنهي عنه هنا هو خيانة جيش المسلمين لصالح الأعداء المحاربين.

يقول محمد الغزالي:”إن ولاية الكفار – والحالة هذه – خيانة عظمى”.

ولو كان المقصود بالبراء كراهية غير المسلمين وقطع معاملتهم، فهو ما يستحيل تطبيقه مع إباحة الزواج من الكتابية، فكيف أتزوج كتابية ولا أحبها؟! وكيف يأمر الأب أبناءه أن يكرهوا أمهم الكتابية؟! وكيف أباح الإسلام طعام أهل الكتاب، بما يسمح بالموائد والتزاور، وفي نفس الوقت يحرِّم ودهم؟!

يقول محمد الغزالي: “الدين الذي يسمح باختلاف الأديان في بيت صغير تتلاقى فيه الوجوه، وتتقارب الأبدان، وتشتبك المشاعر، لا يضيق ألبتة باختلاف الدين في وطن كبير تتسع فيه المصالح، وتتعدد الحاجات والكفايات، ويستحب فيه التعاون على بلوغ الغايات”.

إذن فنحن نوالي الحق، أيًا كان فاعله، ونتبرأ من الباطل، أيًا كان فاعله.

يقول علي عزت بيجوفيتش: “لا يمكنني أن أدافع عن شيء ما، لمجرد أنه صدر عن المسلمين، وكذلك لا يمكنني أن أتجاهل شيئًا ما صالحًا، لمجرد أنه صدر عن غير المسلمين”.

 

 


خالد باظة - المحطة