آخر المواضيع المتعلقة

عربي

عقائد

حوادث

المغتربين

شباب

دمشق

العراق

لبنان

حمص

واشنطن

روما

حلب

أرشيف البلدان
أرشيف الأيام
الأجندة

حوار مع إيسيدور بطيخة عن المدرسة السورية في التعايش بين الطوائف

يعد المطران إيسيدور بطيخة وجه معروف من وجوه الكنيسة في سورية , وله حضور ديني وثقافي بارز , حيث يشارك في المؤتمرات والندوات والمحاضرات الدينية والثقافية .

وقد تم اختيار المطران إيسيدور بطيخة متروبوليت مناطق حمص وحماة و يبرود وما يتبعها من قبل السينودس المقدس , وقد خدم مدة أربعة عشرة سنة كنائب بطريركي عام في دمشق, وعمل كثيرا في المجال الثقافي والاجتماعي والروحي وأهمها التحضير لزيارة البابا والإشراف عليها .‏‏


وقد تحدث المطران ايسيدور بطيخة إلى جريدة الثورة عن قضايا متنوعة شملت دور علماء الدين في الوحدة الوطنية ومفهوم الوحدة المسيحية وتجديد الخطاب الديني والتعامل الإعلامي الجديد مع الوقائع الدينية , وهذا نص الحوار : * كيف تم اختياركم مترو بوليتا للمنطقة الوسطى ?‏‏

** تم انتخابي متروبوليت لمناطق حمص وحماة و يبرود وما إليها من قبل السينودس المقدس , و السينودس هو مجموعة مطارنة الطائفة يجتمعون مرة في السنة وكلما دعت الحاجة , وفي اجتماع السينودس الأخير تم انتخابي مكان سلفي المطران إبراهيم نعمة لأنه بلغ السن القانونية للأساقفة الكاثوليك وهي خمس وسبعون سنة , وقدم استقالته وتريث السينودس مدة عامين ثم قبلها.‏‏

* بمناسبة انتخابكم جرت احتفالات أعلنت للمرة الأولى إعلاميا , هل ترون أن الاحتفاء يتعلق بشخصكم أم هو تعامل جديد للإعلام لهذا الحدث ?‏‏

** سبق أن جرت احتفالات أكثر في مثل هذا الحال , وقد شعرت بالاحتفالات الأخيرة التي جرت ورأيت التغطية الإعلامية , وأعيدها إلى عدة أمور :‏‏

أولها : تغيير نهج الإعلام واهتمامه بأمور غير سياسية ولكنها مفيدة لبناء الوطن وتفي بالغرض المطلوب , ونحن نتمنى لإعلامنا في هذه الأيام أن يكون لكافة شرائح المجتمع ومنها الديني والروحي والاجتماعي ,‏


 

وأرى أن هناك نهجا متجددا في التغطية الإعلامية .‏‏

الثانية أنني لم آت من فراغ لقد خدمت في دمشق مدة أربعة عشرة سنة كنائب بطريركي عام , وعملت كثيرا في المجال الثقافي والاجتماعي والديني والروحي وأهمها التحضير لزيارة البابا والإشراف عليها .‏‏

إذن هذا العمل عمل وطني , وانتقالي من دمشق إلى المحافظة الجديدة كان له أيضا صدى في الإعلام لهذا السبب .‏‏

ثالثا المسيرة التقاربية بين المسلمين والمسيحيين , وأرى أنها رسالة أتمنى أن يسلكها كثيرون في هذا البلد لأنها تمثل الوحدة وتمثل رغبة الشعب , تمثل تاريخنا وتراثنا , وهذا جعل الإعلام يهتم .‏‏

* كان احتفال القصير لافتا للنظر , وظهر على مواقع الانترنت حيث احتفى بكم المسلمون والمسيحيون معا , ما تفسيركم بالاهتمام بهذا الاحتفال ?‏‏

** احتفال القصير كان مميزا كما كان في كفربو كما كان في ربلة ودمينة كما كان في حمص وإن شاء الله في دير عطية قريبا .‏‏

كان الاحتفال مميزا في القصير لأنه كان في المدينة أحيانا بعض الحوادث التي شوهت الحقيقة بين المسلمين والمسيحيين , وليس فقط في القصير بل في أماكن مختلفة .‏‏

أراد أهل البلد أن يظهروا حقيقتهم أمام الناس أن يظهروا اتحادهم , وكانت المناسبة قدوم المطران , وخاصة أن المطران من دعاة الوحدة , لذلك لفت النظر منظر إخواننا المسلمين وهم قادمون إلى الكنيسة , وهذه المرة للصلاة بود وفرح واستقبال جميل .‏‏

وكان منظرا مشجعا للمسيحيين ولفت انتباههم هذا اللقاء المميز وأظهروا في أحاديثهم جميعا التراث الحقيقي الذي يجمعهم في بناء القصير تاريخيا ًقبل المسيحية وقبل الإسلام وبعد المسيحية والإسلام وإلى الآن , وهذا ما جعلني أشهد في القصير مشهدا مشجعا .‏‏

وعادة عندما نصلي في الكنيسة يحضر أخوتنا المسلمون الجزء الأول من الصلاة جزء الكلمة والعظة , ثم يتركوننا لتكملة الصلاة .‏‏

في هذه المرة رايتهم مصرون أن يبقوا في الكنيسة , وبقي مفتي القصير وتكلم كلاما جميلا وشجعنا على المحبة والسلام , وهذا ما دعاني بدوري أن أدعوا المسيحيين إلى أن يكملوا الصلاة مع إخوانهم المسلمين في الجامع .‏‏

وأزيد معلومة أحب أن يعرفها كثيرون وهي أن هناك واقعا مميزا في القصير فالجامع الكبير والكنيسة بناهما شخص واحد ومن حجارة مأخوذة من مقلع واحد , وهذا ما أكده لي أبناء القصير فهم يعتبرون أن الجامع الكبير والكنيسة هما رمزان متحابان ومتآلفان في الهندسة والبناء والحجارة , لذلك كان إصرارنا أن نذهب إلى المسجد , وفي المسجد فوجئت أن أخي مفتي القصير طلب مني أن القي كلمة في الجامع , وطبعا تشجعت وطلبت من أخي مفتي القصير أن يهتم بالمسلمين والمسيحيين وان نعمل معا على المحبة والتسامح وبناء الوطن .‏‏

وليست هذه هي المرة الأولى التي تحدث فيها مثل هذه الواقعة كما جاء في الإعلام , فقد حدثت مرات ومرات وأكبرها عند زيارة قداسة البابا للجامع الأموي , وكم مرة ذهب بطاركتنا إلى جوامع في دمشق وألقوا كلمات فيها .‏‏

وطبعا هذا شيء جديد بالنسبة لأهل القصير في البلدة , وظنوا أنها المرة الأولى في سورية لكنها حدثت كثيرا من قبل بعيدا عن الأضواء الإعلامية .‏‏

* كيف ترون دور الكنيسة والمسجد في بناء الوحدة الوطنية ?‏‏

** لهما دور كبير , والدعوة إلى تجديد الخطاب الديني مهم جدا , وأملنا أن لا يكون التجديد فقط في المساجد وإنما في المعاهد والمدارس الدينية حيث يتدرب الكهنة والمشايخ ليتحضروا لهذا الخطاب .‏‏

وعندما أتحدث عن تجديد الخطاب الديني لا أتكلم عن شيء فاسد نريد إصلاحه , فالمقصود أن يواكب الخطاب الديني أحداث العالم والمستجدات فيه , وأن ينظروا كيف يمكن أن يستفيدوا من وسائل الإعلام ليقولوا الحقيقة ويظهروها , وكم من حقيقة في سورية نتمنى أن تظهر للملأ .‏‏

* برز اسمكم في فعاليات ثقافية وحوارية هل هذا الأمر مبادرة شخصية أو توجه ?‏‏

** هناك توجه عام للكنيسة منذ المجمع الفاتيكاني الثاني ومواقف الباباوات والبطاركة الشرقيين وأيضا الأرثوذكس في الحوار , هو توجيه كان دائما في الإنجيل المقدس , ولكن الإعلام ساهم اليوم على بسط رؤية واقعية للعالم , والعالم بحاجة إلى هذه المدرسة التي نبعت من سورية في التلاحم والتآخي .‏‏

أنني أعتبر نفسي تلميذا في كنيستي , واستعمل كل قواي وكل ثقافتي ومحبتي وكل عواطفي في خدمة المسار الذي أؤمن به , ولا أتصرف لا عشوائيا ولا إفراديا ولا ظاهريا , هذا شيء شربته من ينابيع الدين المسيحي , وطبعا مشهود له في القرآن أيضا .‏‏

والحوار الحضاري من تراث بلدي سورية التي كانت دوما كذلك , وكم من الأساقفة الكبار في تاريخنا الأرثوذوكسي والكاثوليكي ساروا أكثر مني بكثير في هذا المجال .‏‏

* ما يدفعنا للسؤال إن جاءت المشاركات بمبادرة ذاتية أننا نجدها عند شخص أكثر من آخر ?‏‏

** ليست مبادرة ذاتية بقدر ما هي شخصيات تتفاعل أحيانا في مبادرات عامة , ولست طائرا يغرد خارج سربه , ولكني ربما طائر له تغريد خاص في صوت خاص ولكن لا يغرد خارج سربه , فالكنيسة هي التي تسير هذا المسار , وهذا تطبيق لكلام الإنجيل , وتطبيق لإرادة الشعب السوري , وشعرت بهذا في كل القرى والبلدات التي دخلت إليها , هذه ارادة شعبنا أن نعيش معا مسلمين ومسيحيين .‏‏

* وهل تغريد خاص عندما ذكرتم في ندوة حوار الحضارات أنكم تنتمون إلى حضارة عربية إسلامية ?‏‏

** حتى في هذا الجانب كانت هناك تصريحات من هذا النوع قبلي , ولكن ربما لم تنل الإعلام الكافي .‏‏

نعم نحن ننتمي إلى حضارة عربية , فنحن عرب مسيحيون تكلمنا دائما بالعربية ولسنا قادمين من مكان ما في العالم , بل نحن من جذور هذه الأرض والبلاد العربية هي أوطاننا .‏‏

وأقولها بصراحة نحن نشعر أننا غرباء في كل الأرض ماعدا هذه الأرض , هذا وطننا وهذه أرضنا , والعروبة هي جزء من معتقداتنا ومن تاريخنا .‏‏

أما الحضارة الإسلامية العربية , فإن الحضارة الإسلامية قد تفاعلت ككل الحضارات مع واقع تاريخي موجود قبل الإسلام في سورية , كما تفاعل اليونان مع السريان من قبل , وفيما بعد تفاعل العرب في أرض سورية ليظهروا الثقافة والحضارة الإسلامية العربية مجددا .‏‏

نحن نعلم أن كل من جاء إلى سورية قبلا أتاها محتلا , ووضع بصمات مختلفة في حضارتنا , وكل هذه الامتزاجات والبصمات الموجودة انصهرت في حضارة تسمى الحضارة العربية الإسلامية , و فيها جزء من التاريخ السرياني , وحلب كعاصمة للثقافة أظهرت هذا في ندواتها عن الحضارة والثقافة السريانية .‏‏

إذن الثقافة السريانية ساهمت في بناء الحضارة العربية الإسلامية وكذلك اليونانية قبلها , ونحن نعلم أنه في القرن العاشر تمت ترجمات من السريانية واليونانية إلى اللغة العربية , وسمي العصر الذهبي للعلوم العربية , وبدورها أفادت الغرب ونقلت العلوم إليهم .‏‏

إذن لنا دور كبير في الحضارة التي تدعى اليوم عربية إسلامية , ومن حقنا أن نفتخر ليس بدورنا فقط بل بهذه الحضارة .‏‏

* هل تقصد ما نعرفه من مساهمة المسيحيين في العلوم والبناء ?‏‏

** المسيحيون لم يساهموا فقط كأفراد بل ككنيسة سورية وكنيسة عربية ساهمت في بناء ما نسميه اليوم الحضارة العربية الإسلامية , ولذلك أشدد على أن أقول هذا لأوضح أن العروبة هي أوسع من الإسلام , وأوسع من الجزيرة العربية .‏‏

هناك واقع عربي خاصة اليوم ومن واجبنا اليوم أن نستظل بفيئه , وهناك حضارة وثقافة إسلامية واضحة للملأ ساهم فيها المسيحيون أيضا وأنا أفتخر بالانتماء إليها .‏‏

وقد ساهموا بالعمران والطب والهندسة الرياضية والترجمات , وساهموا في كل العلوم وكانت لهم مساهمة في الفقه و الحوارات التي كانت تتم في قصور الأمراء وقصور الأمويين والعباسيين حيث كان هناك جدال كما نتمناه اليوم جدال قبول الأخر والاحتكاك بالأخر لنبلغ في الاتصال مع الله بطريقة أوسع .‏‏

* ماذا تقصد بالمساهمة في الفقه ?‏‏

** أقصد الفقه المسيحي والإسلامي , نحن نعلم أنه ينتج حوار حضاري ثقافي عندما يكون هناك جدال ودي بين فريقين وجدال ثقافي وجدال بين أناس مليئين بالحكمة والفهم والثقافة , وهذا الاحتكاك يكون بمثابة حوار حتى في الفقه الديني الإسلامي والمسيحي , لأنه لا أحد يستطيع أن يدعي معرفة الله معرفة كاملة , والاحتكاك من هذا النوع يعلمنا أكثر وأكثر حتى نبلغ هدفنا الروحي .‏‏

* أود التعليق على مسألة هامة , وهو أن المسيحيين موجودون في سورية وباحترام كبير على الرغم من كل الأحداث التاريخية , بدءا ًمن زوال الإمبراطورية الرومانية بالفتح العربي ومرورا ً بحروب الفرنجة والوجود العثماني وحتى الاستعمار الأوروبي ?‏‏

** نحن قلنا للعالم عندما جاء قداسة البابا إلى سورية أن سورية مهد المسيحية , ويتذكر العالم بأن مسيحنا هو من بلاد الشام , ولد في بيت لحم , ولم يولد في واشنطن .‏‏

نحن في أرض أرادتها السماء مهدا للمسيحية , ومنها انطلق بولس لينشر المسيحية في كل أنحاء العالم .‏‏

والتلميذ الأول القديس بطرس مدعاة فخر لنا في روما , وكان أسقفنا الأول في إنطاكية حيث الكرسي البطريركي أولا , وانتقل بعد ذلك في القرن الثالث عشر إلى دمشق , أورد كل هذا لأقول بوضوح أن مهد المسيحية كان في سورية .‏‏

عايشت المسيحية في سورية الإسلام وهنا أتكلم عن ديانة , وديانة الإسلام هي ديانة منفتحة على المسيحية وأعيد مقولة مفتي سورية ما من مؤمن إلا ويؤمن بأن السيد المسيح هو كلمة الله ومن روحه , وهذا الإيمان شرط لإسلامه وهذا ما ورد في القرآن .‏‏

إذن المشكلة ليست مشكلة دينية , المشكلة في تطبيق الدين وتطبيق الدين يكون في المسيحية وفي الإسلام , يعني تطبيق الدين من جهة الصليبيين كان ويلات على الكنيسة المشرقية , ولذلك لم يطلق المؤرخون المسلمون على تلك الحروب حروبا صليبية , لأنهم فهموا أنها ليست دينية بل سموها حروب إفرنج , ولأنهم عرفوا أن وراءها سياسية بغطاء ديني , كما نرى اليوم سياسات بغطاء ديني , مثلا بوش استعمل الكلمة ذاتها حرب صليبية وكأنه يعيدنا إلى الوراء .‏‏

لنقل نحن مجددا بأنها ليست حربا دينية , وعندما يستعمل الدين غطاء للسياسية تكون هناك ويلات على المسيحيين وعلى المسلمين أحيانا حسب الشعوب الآتية .‏‏

إذن تم اضطهاد مؤمني الكنيسة من قبل مسلمين ومسيحيين , لكن هذا ليست مرجعيته القرآن الكريم أو الإنجيل المقدس , هذه سياسات .‏‏

ولأجل الصدف في كل مرة كانت تهتز فيها الكنيسة في تاريخها في سورية كان القادمون إليها ليسوا عربا , كالعثمانيين والمغول والتتار والمماليك , ومررنا بفترات سوداء في تاريخ سورية لأنها كانت تحت الغطاء الديني , ونقول هذا أيضا عن حروب الإفرنج والاستعمار الفرنسي واليوم الأمريكي .‏‏

إن الخسارة الكبرى التي تحملتها كنيسة العراق اليوم كانت بسبب سياسية بوش , وليس مسلمو العراق الذين يهجرون المسيحيين , بل تلك الحرب التي غطاؤها ديني وداخلها سياسي محض .‏‏

لذلك علينا أن نقرأ الأمور بشكل واضح , وهذا ما يجعلنا عندما نقرأ تاريخنا وتراثنا نتمسك بوحدتنا مسيحيين ومسلمين وأن نرى الوقائع على حقيقتها , فالصفحات السوداء في العلاقة بين المسلمين والمسيحيين , لكن لم يكن مسببها ولا هدفها هو الدين , بل تمت بغطاء الدين لخدمة السياسة كما هو الواقع اليوم في إدارة بوش .‏‏

ولم تأت محاولات التفرقة من أهل الوطن , بل أهل الوطن الواحد بنوا الوطن معا , وكانوا دائما يدافعون عن بعضهم وأحيانا يتخذون مواقف في إخفاء الحقيقة بغية الدفاع عن الأخ المسيحي أو الأخ المسلم , وأنا لا أحب أن أقول الأخر لأنني حذفت حرف الراء منذ زمن وأصبحنا أخوة .‏‏

وقد عمل إخواننا المسلمون عجائب في تصرفاتهم ليدافعوا عن المسيحيين , كما ظهرت مواقف أيضا من المسيحيين في العهد الفرنسي هذا كله ساهم في بناء الوطن .‏‏

ألا ترى أننا ننتمي إلى وطن واحد وإلى حضارة وثقافة واحدة , لا أدعي الوطنية وحدي ولكن أتمنى من كل المواطنين أن يدافعوا بهذه الطريقة عن مقدساتهم , وأنا بنيت كما بنى كل أبناء الوطن حضارة سورية التي ننتمي إليها .‏‏

* وجود المسيحيين في سورية عبر تاريخ طويل دليل على أن المواطنين السوريين باقون بجميع عقائدهم ولا يلغي أحدهم الأخر ?‏‏

** لا يستطيع أحدهم أن يلغي الأخر , بإمكان أخر من الخارج أن يلغي أحدنا بدسائس وهذا ما يدعونا اليوم لاتخاذ مواقف لندافع عن مخاوف نراها حولنا في العراق وفلسطين وفي لبنان وأماكن أخرى , ونتمنى أن يكون الشعب السوري شعبا واعيا كفاية حتى لا يصغي إلى الغرب ولا إلى الشرق ولا إلى خارج الحدود , دعونا نرسم حدودنا بهذه الطريقة الوقائية ( أقصد الحدود المعنوية ) وأن لا نسمح لأي رأي خارجي أن يدخل إليها, لأننا كما نحن بألف خير .‏‏

* هناك حوادث في دمشق أيام الفرنسيين قام فيها المسيحيون بحماية بيوت المسلمين من القصف الفرنسي , لماذا يتم التركيز الآن على مسألة الإخاء الديني ?‏‏

** دفاع المسيحيين لم يكن في دمشق وحدها حدث في يبرود والنبك والقصير وكلمني المشايخ عن ذلك , والأهم من ذلك الرضاعة من مرضعة واحدة كما شهدوا لي في الكنيسة , محمد وجان يرضعان من أم واحدة وهذه أشياء مهمة كثيرا من واقع حالنا ولا نتحدث جزافا .‏‏

* منذ أيام كنت أتحدث في التلفزيون ببرنامج ( نوافذ ) تسألني إحداهن من ألمانيا يا سيادة المطران أنني تركت سورية منذ ثلاثين سنة واعرف سورية هكذا , هل تغير شيء , لماذا تتحدثون بهذا الموضوع ?‏‏

** قلت : لم يتغير شيء , نتحدث عن هذا الموضوع لأننا نشعر أن أحدا يريد أن يتبلانا نحن نريد أن نتحدث بهذه المواضيع لأن شبيبتنا اليوم صارت تفتقد إلى مناسبات لتعيش مع بعضها .‏‏

في الماضي كانت عندنا مناسبات , الآن لم تعد هناك مناسبات لشبيبتنا ليتعرفوا على بعضهم ويعيشوا مع بعضهم , سابقا كانت القرى صغيرة ويحتفلون معا وكانت المدرسة تجمعهم , الآن لا تجمعهم المدرسة , يصلون إلى المدرسة فيتفرق كل في طرف .‏‏

* ألا ترى أن التلفزيون له تأثير أيضا في استلاب الشباب ?‏‏

** التلفزيون فيه شيء إيجابي , ويمكن أن نعمل من خلاله أشياء إيجابية كثيرة , كم جميل أن يظهر على التلفزيون مطران وشيخ معا ويعم الفرح البيوت عندنا في سورية هناك تعطش لهذا النوع من البرامج لأنه يشعرهم أنه حقق رغبتهم .‏‏

* تكمن المشكلة في الكم الهائل من القنوات الفضائية العربية وليس في تلفزيوننا ?‏‏

** هذا صحيح , إن تلفزيوننا يعمل بوعي ومسؤولية , لكن هناك منافسة غير مسؤولة في الفضائيات , فالقنوات الخاصة منها الجيد ومنها الرديء لا ننكر هذا , و لكن هناك من يعمل دون مسؤولية .‏‏

* هناك أصوات في الولايات المتحدة تدعي أن المسيحيين في الشرق مضطهدون ويحرضون على الحكومات والمجتمع , كيف نرد على الأصوات الخارجية ?‏‏

** ما دمنا نتحدث عن حالة عامة وليس عن سورية نقول بصراحة هناك أحيانا مجموعات في بعض الدول العربية تمنع المسيحي أن يرمم كنيسته بأحكام عرفية , هذا يعطي شعورا غير محبب لأحد , بينما نحن في سورية نقولها على الملأ حكومتنا تعطينا أرضا لنبني كنيسة , هذا تشجيع للوجود , وهذا الوضع يعرفه كل المثقفين والمتابعين العرب .‏‏

اليوم يجب أن يتمتع المواطن بالحقوق والواجبات في كل شيء , وعندما تكون هناك مجموعة هضمت بعض حقوقها ليس بمقدورنا بعد ذلك أن نطلب منها كثيرا من الواجبات .‏‏

يجب أن توجد للشباب قناعة داخلية بعشق أرضه , وأن يتعلم من القيم السورية حب الوطن حتى يستطيع أن يكون مندرجا على المناعة اللازمة , لأن الويلات والأذى دائما يأتي من الخارج .‏‏

* المشكلة أن فئات في الخارج تستثمر بعض المشكلات العربية بطريقة خبيثة تضر بالوطن ?‏‏

** الوطنية تتطلب التضحية , واستذكر هنا مقولة أحد الأساقفة الحلبيين رحمه الله يقول : وطني ليس أجمل وطن , وطني ليس أوسع وطن , وطني ليس أغنى وطن , لكنه وطني ألا يكفي ? !.‏‏

كل وطن له حدود وميزات , لذلك نتمنى على إخواننا المغتربين أن لا يستعملوا ضد أوطانهم في أي موقف من المواقف بل ندعوهم للبناء الفعال من الداخل بدل النقد الخارجي المؤذي , وخاصة في أيام الخطر لأنه الوطن .‏‏

أما الذين يشعرون أنهم مواطنو العالم فهذه فلسفات غريبة عجيبة نحن لا ننتمي إليها , لأننا نؤمن بالمحبة ونشعر بها فقط بالعمل , والقناعة الإيمانية تترجم بالأعمال سواء في الإسلام أو المسيحية , ولا يفيدنا أن نتغنى بالإيمان بالله أن كنا نكره الأخ والإنسانية والوطن .‏‏

في المسيحية هناك مقولة واضحة وشديدة اللهجة جاءت على لسان يوحنا الحبيب الرسول يقول : إن كنت تحب الله وتبغض أخاك فأنت كاذب .‏‏

لذلك نحن نتمنى أن تترجم هذه المحبة وهذه الوطنية الصادقة في أعمال البناء , والكل في سورية جاهزون للبناء , وعلينا ألا نتفرج على المسؤولين ونطالبهم بالبناء ونحن متقاعسون , علينا جميعا أن نعمل لهذا الوطن متطلعين لما فيه خير شبيبتنا ومستقبلنا , ونحن والحمد لله بألف خير .‏‏

* هناك تقارب بين الكنائس في الغرب مثل ( اتحاد الكنائس العالمي ) , لماذا لا يوجد في سورية مثل هذا الاتحاد بين الطوائف المسيحية ألا تفكرون بالحوار ?‏‏

** ربما ظن البعض أن هذا شؤم أو سوء , هذه نعمة لأنها تظهر مرة أخرى أن سورية هي منشأ المسيحية في سورية , وفيها كانت الجدالات في المسيحية وبالتالي والانشقاقات , لذلك هناك فصائل تاريخية في سورية تعيش من خلال ما حدث في التاريخ , ولكنها ليست في متحف , نحن في سورية متحدون بين الطوائف المسيحية أكثر مما يظن كثيرون في العالم .‏‏

إن التسميات التي تتكلم عنها في أمريكا وأوربا كتسميات الاتحاد العالمي هي جلسات لمثقفين , بينما نحن هنا في حضرة شعب يعيش الوحدة كل يوم ويتزاوج ويتحابب ويحترم الأخر .‏‏

نحمل فقط تفريقات التاريخ لكن لسنا في متحف ولا نعيش في التاريخ , نحن نتطلع إلى وحدة كنيسة , والبرهان على ذلك في سورية فقط بالإمكان أن نبني كنائس معا , هذا لا نراه في كل العالم في الاتحادات المسيحية أو الكنائس .‏‏

يوجد في دمر وحلب كنائس مشتركة , وتكلمت مع محافظ حمص وطلب مني محافظ حمص كنيسة تضم جميع الطوائف المسيحية ولا أرى مشكلة , ما دمنا فعلنا ذلك في حلب ودمشق .‏‏

إذن الطوائف في سورية هي فقط تسميات تاريخية , أما في الواقع فهم في وحدة إيمان ووحدة عيش أكثر من كثير ممن يعيشون برتوكولات الاتحادات , والوحدة تبدأ بالاحترام وتبدأ بالمحبة قبل أن نبلغ التسميات.‏‏

* هل إيسيدور هو اسمكم الأصلي ?‏‏

** اسمي في الولادة والهوية الشخصية عبد الله , وقد اتخذت اسما جديدا عندما ترهبت , وايسيدور اسم رهباني , فنحن عادة نأخذ الاسم لنغير الفعل , يقولون حتى يترهب الإنسان يغير حياته السابقة ويتماشى مع القرارات الجديدة , ورمزها أن يتذكر أن اسمه تغير . وايسيدور اسم قديس مصري قديم من القرن السادس , وقد طلبت والدتي أن أتشبه بالاسم عندما كان في حلب مطران اسمه أيسيدور , وأرجو من الله أن أكون قد استحققت أن أكون من أولياء الله بعد الممات .‏‏

* هل لكم كلمة أخيرة توجهونها ?‏‏

** كلمتي الأخيرة دعوتي أن نكون حقيقيين مسلمين ومسيحيين , أن يبقى المسيحي مسيحيا حقيقيا , وأن يكون المسلم مسلما حقيقيا , وأن نعود إلى الجذور , أن نعود إلى أصالتنا في الدين وأصالتنا في المواطنة , و أن لا يظن أحد أنه في موقع ضعف إذا كان سوريا‏‏

نحن السوريين أقوياء في مواطنتنا وفي انتماءاتنا الدينية وفي تمازج هذه الحضارات مع بعضها البعض على أرض سورية .‏‏

إن العالم بأسره لم يعد سوى قرية صغيرة منفتح على بعضه البعض , وأرى أن العالم يحتاج إلى المدرسة السورية مجددا إلى مدرسة العيش الأخوي بين الديانات , وإلى الانتماء الوطني . إن انفتاح العالم على بعضه جعل الكثيرين من شباب العرب ينتمون إلى غير الانتماء الوطني , و أظن أن تمسكنا بعروبتنا وتمسكنا بالعدل في قضيتنا , وبما نحن عليه هذا شيء مهم ودرس أتمنى أن يقرأه كل المسيحيين وكل المسلمين في سورية .‏‏

 

محمد قاسم الخليل

المصدر: الثورة