آخر المواضيع المتعلقة

عقائد

خاص الجمل

سعاد جروس

شباب

دمشق

حمص

القدس

المنامة

أرشيف البلدان
أرشيف الأيام
الأجندة

كنيسة في أعلى الجبل : محجاً لحوار كل الملل و النحل

الجمل - تحقيق: سعاد جروس :"هاهو الدير إنه قريب جداً"، قال شاب كان معنا في الرحلة إلى دير مار موسى الحبشي. وتابع: " الطريق الجبلي إليه لا يبدو طويلاً وشاقاً كما يقولون"!!
 كنا قد وصلنا إلى نهاية الطريق الإسفلتي الممتد على مسافة 15 كيلومتراً في قلب البادية شرق مدينة النبك (60 كم شمال دمشق) توقفت السيارة، ولم يعد ممكناً التقدم في وادي وعر من وديان سلسلة جبال القلمون. نظرنا إلى الأعلى، بدا لنا دير مار موسى الحبشي المتربع على قمة ترتفع عن سطح البحر1320 متراً، قريب جداً، لا يفصلنا عنه سوى بضعة درجات، لنكون في قلب مكان ذاع صيته في مختلف أرجاء المعمورة، ليس كدير سرياني أثري يعود للقرن الحادي عشر الميلادي وحسب، وإنما كملتقى فريد للحوار بين الأديان والمجموعات المختلفة، إلا أن الـ "بضعة درجات" كانت في الواقع حوالي 345 درجة تؤلف سلماً يصعد أمامنا متسلقاً الجبل مفسحاً لخطواتنا تتعمشق على الصخور القاسية، مع قطع الأنفاس، تحت لهب شمس آب الحارقة. كانت الطريق طويلة وشاقة تماماً، كما قال الذين سبقونا إلى هذا المكان الخلاب.
 أسئلة بديهية تتبادر فور الإحساس بمشقة الوصول إلى الدير، كيف تصل المؤن؟ هل هناك ماء وكهرباء؟ ثم لا تتأخر الإجابة، تهبط من أعلى عربة تلفريك صغيرة، محملة بجرتي غاز، وحقائب سفر، تخطر أمام أعيننا سريعاً لتستقر في قاع الوادي، ينتظرها هناك من يفرغ الحمولة، ويُحَّملها بأشياء أخرى. كذلك حاجات الدير وأغراض لزوار، لا ينقطع حبلهم الجرار عن درب الدير، رغم وقوعه في منطقة نائية.
وكأننا ندخل إلى مغارة لا إلى بناء، إذ كان علينا الانحناء بشدة لولوج باب الدير الصغير المنحوت في الحجر. اجتزنا غرفة صغيرة باردة ومعتمة، امتلأت بأشياء كثيرة، حطب للمدفأة، جرار غاز، أواني نحاسية قديمة، وثمة رطوبة تنضح من الصخر تعيدنا إلى الوراء مائة عام أو أكثر؛ عمال بناء داخلون وخارجون، يحملون دلاء ممتلئة بالإسمنت المجبول، لا شيء لغاية الآن يبشر بحياة رهبانية، وإنما ورشة عمل في عالم محفوف بالغرابة والدهشة. باب آخر واطئ، انحنينا مجدداً لولوجه لنكون بعدها على موعد مع أسئلة جديدة، عبر دهليز فسيح منور، يقود إلى باحة منفتحة على فضاء رحب بلا حدود، حيث تنتصب الخيمة العربية على كامل المساحة لتخفف من حدة أشعة الشمس، توزعت في أرجائها طاولات وكراسي صغيرة، وخيمة أخرى تستفيد من السقف الخشبي لترتفع في طابق ثان، يصلها بالباحة درج خشبي، مفروشة بالبسط والسجاد لتؤلف أجمل جلسة عربية يستريح فيها الضيوف.
طلبنا ماء، فطلب منا أهل المكان وهم يحضرون الماء والشاي أن نرتاح، وبعدها يبدأ الكلام والتعارف.... على مرمى البصر، كومة كبيرة من الفاصوليا الخضراء  تتناهبها أيد عديدة، بالتقميع والتقطيع، قدر يغلي على بوتوغاز كبير، جرس نحاسي يذكر بكنائس القرون الوسطى، جدران من الحجر تنضح إلفة. دقائق وصرنا من أهل المكان، نتجول بين شباب تجمعوا من أنحاء أوروبا مع شباب فلسطينيين، زوار مسلمون من أهالي المنطقة وآخرون من أديان مختلفة. الجميع يتحاور ويشرب الشاي ويشارك في تحضير الغذاء، تحت خيمة مار موسى، وكأنهم أصحاب البيت. لم نميز الراهبات والرهبان عن الضيوف، حتى جاء الأب باولو دالوليو مرحباً، ودعانا لحضور لقاء الشبيبة الأوروبية ـ الفلسطينية في إحدى الغرف المخصصة للقاءات في مبنى آخر، وهو واحد من ثلاثة أبنية؛ الأول يحتوي على الكنيسة الأثرية والخيمة وغرف المنامة وصالون للضيوف ومطبخ. والثاني يبعد بمقدار 120 درجة، عن البناء الأول يحتوي على غرف منامة للنساء، وقاعة للمحاضرات. والثالث غرف منامة للرجال، مازال قيد الإنشاء، كما هو حال الدير منذ كان خربة،  قبل أن يحل فيه الأب باولو عام 1982، قاصداً الخلوة والرياضة الروحية، في أحد الكهوف المجاورة.
 اعتاد الأب باولو زيارة سورية منذ عام 1977، حينها كان يقيم في بيروت، وبعدما تكررت زيارته كل صيف إلى الدير، وعندما فكر في إعادة إحياء المكان، عمل على تنظيم حملات تطوعية منذ عام 1984 ولغاية 1991 ، شارك فيها شباب من سوريا وإيطاليا، ويداً بيد مع الأب بولص، كما يرغب أن ينادونه، جبلوا الإسمنت، وحملوا الحجارة. استمر العمل وتأسست مجموعة رهبانية الخليل، وقررت الإقامة الدائمة في الدير. ارتفع بنيان الدير، وعاد للكنيسة القديمة بهاؤها، بعد خراب دام عقوداً طويلة، كانت خلالها عبارة عن جدران متداعية، وسقف متهالك استخدمت أخشابه حطباً للنار، يُشعلها كل من وجد في المكان مأوى له من الحر والقر، أو قصد المزار للتبرك، حتى غطى جدرانه الطين والشحار، مخفياً تحفة فنية رائعة مرسومة على الجدران. حين أعيد ترميم الكنيسة، تم الكشف عنها، ليدخل الدير "الدليل الأزرق الفرنسي" كواحد من أهم الأماكن الأثرية التي يقصدها السياح من أقاصي المعمورة.
قصة الدير كما يتداولها أهل المنطقة، أن القديس مار موسى الحبشي كان ابناً لأحد ملوك الحبشة في القرن السادس. ترك حياة الترف وفر من والده الذي أراد تزويجه، وأتى ليعيش في دير مار يعقوب القريب من قرية قارة التابعة لمحافظة ريف دمشق، وقاده حبه لمزيد من العزلة والتنسك إلى الإقامة في أحد الكهوف. ويرجح أن البناء الأساسي القديم كان برج مراقبة عسكري روماني، قبل أن يحل موسى الحبشي فيه. ويحتوي البناء على كنيسة يعود بناؤها إلى العام 450 للهجرة 1058 للميلاد، كما تظهر كتابةٌ عربية لا تزال واضحة على أحد حجارتها. ثم هُجر نهائيا عام 1831 ليتحوّل مع الوقت إلى ملاذ للرعيان والقطعان، وأُعيدت إليه الحياة  منذ عقدين على يد الأب بولص.
لكي يعبر الزوار باب الكنيسة عليهم الانحناء أيضاً، فهو منخفض جداً، كما باب الدير الرئيسي. الأخت هدى المهندسة الزراعية التي تركت عملها، والتحقت برهبانية الخليل في عام 1991، لتقيم نهائياً في دير مار موسى، تحدثت عن احتمالين لأسباب بناء أبواب الأماكن المقدسة القديمة على هذا النحو. الأول، لأن الانحناء احترام وتقديس وواجب على الداخل الى بيت الله. والثاني، أن المكان كان برج مراقبة عسكري، وبالتالي كانت أبوابه واطئة لضرورات عسكرية.
تتألف الكنيسة الأثرية من ثلاثة أروقة، في الأوسط منها يوجد الهيكل بواجهته الخشبية التي أعيد بنائها، بإشراف اليونسكو، مع ترميم جدران الكنيسة. وتوجد أحد نفائس الأيقونات الجدارية، والتي تمثل يوم الدينونة ـ الآخرة ـ والحساب، مع صور للتلاميذ الأثني عشر والقديسيين. ما يميز هذه الكنيسة عن سائر الكنائس في العالم، محافظتها على الطراز الشرقي، والاستغناء عن المقاعد الخشبية، واستبدالها بسجاجيد وبسط عربية على كامل أرض الكنيسة، ويتوجل على الزائر خلع نعليه قبل الدخول، تماماً كما هي حال المصلين في المساجد. كما وضعت الكتب المقدسة وكتب الصلوات على حوامل خشبية أرضية، يتحلق حولها المصلون جلوساً على الأرض. أما عن سبب تشابه كنيسة مار موسى مع الجامع في هذا الجانب، فقال الأب باولو: أثاث الكنيسة الشرقية القديمة كان على هذا النحو، والسيد المسيح أدى صلاة العشاء الأخير في العلية، جالساً على الأرض، كما أن  سائر المزارات القديمة في سوريا، تخلو من مقاعد خشبية والداخل إليها، لا بد له من خلع حذائه عند الباب، ومنها مزارة سيدة صيدنايا ومار تقلا في ريف دمشق ومار الياس في حمص ... إلخ. كذلك في العودة الى طقوس الكنيسة الشرقية القديمة، ما يؤكد لأخوتنا المسلمين أن لا فروقات بيننا في الصلاة، ولا في دين الله الواحد.
يحرص الأب باولو على التواصل مع أهل المنطقة من المسلمين أكثر من المسيحيين، لإيمانه بالحوار بين البشر، إذ لا يؤمن الأب باولو بوجود أديان مختلفة، بل أن الجميع دينهم واحد وهو دين الله، إسلام ومسيحية ويهود، ويقول، نحن بحاجة لقراءة جديدة للدين تقوم على فهم الأخر وحبه. أما لماذا اختار الراهب الطلياني، مار موسى النائي والمرتفع ليكون مركزاً لرهبانيته "الخليل" وليدعو للحوار والتأكيد على إعادة الاعتبار  لعادة الضيافة العربية، كرسالة محبة وتواصل بين البشر، فيقول: يحتاج الحوار يحتاج على ارتقاء وترفع وعزلة كي يتفتح العقل، وتنفتح الآفاق لانطلاق روح جديدة، فإذا لم نخرج من المحيط الذي نغوص فيه لا يمكن الارتقاء بالحوار.
نجح الأب باولو في استقطاب أهل المنطقة لإحياء الدير، وكان الوافدون من المسلمين أكثر من المسيحيين. وفي أيام العطل، صار تقليداً أن تنهي العائلات النبكية نزهة يوم الجمعة في الدير للتبرك، أو لشرب الشاي الذي تقدمه رهبانية الخليل للزوار. ومن اللافت وجود لوحة مكتوب عليها "بسم الله الرحمن الرحيم" على الجدار القبلي للكنيسة في الرواق الأول، وهي هدية من أحد الزوار المسلمين، وضعت باتجاه القبلة لمن يريد منهم تأدية الصلاة في الكنيسة، كي لا يحار في تقدير اتجاه القبلة.
إن مجرد وجود مسلمين يؤدون صلاتهم في كنيسة تخصهم بمكان لهم، في القلب منها، يعتبر من أبلغ تجليات الحوار بين الأديان، وتجسده بالفعل والواقع، وليس بالكلام النظري والمجاملات، ولعل هذا ما جعل أعلام من رجال الدين الإسلامي في سوريا من أعز أصدقاء الدير إذ يأتون إليه دائماً، ويقيمون فيه نشاطات حوارية مشتركة، ومنهم الشيخ جودت سعيد والشيخ أحمد حبش وأبناء مفتي الجمهورية الراحل محمد كفتارو، كذلك مجموعة كبيرة من النساء المسلمات الناشطات في المجال الديني والتربوي. أما الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي، فإن الأب باولو يذهب إليه دائماً، ويتحدث عنه كصديق عزيز جداً. ومن يسمع الأب باولو الذي درس الشريعة الإسلامية لمدة عامين كمستمع في جامعة دمشق، يظنه رجل دين مسلم، إذا لم يكن يعرف انه كاهن، وها هو يردد على مدار الساعة "لا اله إلا الله"، بلكنة شامية عتيقة أحياناً، وبلهجة نبكية نسبة للنبك حيناً آخر، وقد يُمرر ألفاظاً حلبية في كلامه، حتى ليخال المرء أن هذا الرجل معجون بدماء سورية عربية مسيحية إسلامية، إنه وباختزال شديد تجسيد مثير لتناغم ذاك التنوع الفريد حقاً.
ولقد سألناه، لماذا اهتمامك بالحوار الإسلامي ـ المسيحي، وإهمالك للحوار المسيحي ـ المسيحي؟! اخبرنا، إنه حين كان في ايطاليا سألوه هذا السؤال، فقال إذا كان توحد المسيحيين سيكون ضد الحوار مع المسلمين والاتصال معهم، فمن الأفضل أن يبقوا متفرقين. وضحك وهو يتذكر أن الذي سأله، كاد أن يمزق ثيابه. الأب بولص مع التكتل المسيحي في حال إذا انعكس بالخير على الجميع، كذلك هو رأيه بالنسبة لكافة المجموعات الأخرى.. وحين نقول مجموعات، فإن دائرة الحوار تتسع لتتجاوز دائرة الأديان إلى دوائر الحوار الأخرى ما بين الشرق والغرب، وها نحن نجالس مجموعة من الشبيبة الأوروبية كل شاب أو فتاة من بلد مختلف، جاءوا للقاء مع الشبيبة الفلسطينية، حدثونا عن الاختلافات الكثيرة التي بينهم، لكن سعيهم للبحث عن المشترك، يجعل من لقاءاتهم ناجحة ومثمرة، في تقريب المسافات وتهميش الخلافات لصالح الاتفاق على المشترك الإنساني.
ترافقنا الأخت هدى طيلة النهار وتشرح لنا تاريخ الدير، ندخل معها إلى قاعة خصصت كمتحف، فيه صور للدير قبل الترميم وبعده، مع بعض اللقى الأثرية والكسر الفخارية، من عصور مختلفة، شيء ما يؤكد أن الإنسان الذي يكتشف جماليات هذا المكان لا بد له من عودة، أو من حمل ذكرى ستستمر معه للأجيال القادمة.
جرس الغذاء يقرع، على الجميع التواجد في الباحة لتناول الطعام؛ الأخت دينا انتهت من ترتيب حلتي الرز المفلفل والفاصولياء، مع أطباق البطيخ والأجاص والتفاح، بالإضافة الى ما حمله الزوار معهم من زاد، لتوضع جميعها على الطاولة ويتشاركون فيها.
السلام عليك يا مريم، لنتلو الصلاة قبل البدء بتناول الطعام قال الأب بولص، ومن ثم ختم كلامه  موجهاً كلامه للفلسطينيين إنشاء الله لقاءنا القادم في مدينة الخليل أو مدينة القدس. وحين سألناه متعجبين من تمنياته، هل تؤمن أنت المواطن الإيطالي بقضايانا العربية، وتعتقد أن القدس لنا؟ وكانت إجابته مستنكرة مع ضحكة تسخر من السؤال: قضايانا؟!!! هل هي قضاياكم وحدكم؟!
لم نملك أي رد على كلام الأب بولص، كان موقفاً مفاجئاً، أدهشنا نبله وصدقه، هذا الذي جسدت سورية بلد الحضارات أشواقه، كما لمسها في دير مار موسى، فتجسد حبه وصار واقعاً حياً يشاركه الجميع فيه.
كان لابد لنا بعد مغادرة الدير مع غياب الشمس، وقبل هبوط الجبل أن نمر لنلقي التحية على المغارة التي يقال أنها الكهف الذي رقد فيه الأخوة الثلاثة  ثلاثة قرون؛ من الفتحة الصخرية الصغيرة أطللنا ونزلنا إلى الكهف عبر سلم حلزوني من الحديد، نصب مؤخراً ليتمكن الزوار من الهبوط ورؤية اللوحات الحديثة التي وضعت في المكان لتروي للاجيال قصة أهل الكهف؛ كراسي قش وبساط بلاستيك، أشياء بسيطة تدعوك لأخذ قسط من الراحة والتأمل عميقاً في عزلة تمضي بك الى قصص الأنبياء والمرسلين، وسيرة الدين والتدين في حياة البشر، وهي تغدو قوة تواصل ومحبة ترتقي بالإنسان، لا عامل تفرقة وفتنة مدمرة.
هبطنا الدرجات بخفة طيور الجبال، وكأنها ليست الدرجات التي صعدناها بشق الأنفاس، وظننا في البداية أن أحداً في رأسه عقل لا يفكر بالمجيء الى هنا، فيما نحن نهبط، نفكر بالعودة، لقد تركنا في الدير أصدقاء وأحباء عشرة من الرجال والنساء، نذروا أنفسهم لإكرام الضيف والحوار والبناء، مبتعدين عن سفاسف الحياة الدنيا، مكتفين بما تمن به عليهم الطبيعة في مزرعة تحوي الأغنام والنحل والأشجار المثمرة،  ليأكلوا من كد يمينهم وعرق جبينهم، مظللين بحب الناس. نزلنا الدرج  بشعور غامر من الألفة، فيما فريق آخر من الشباب والصبايا الأوروبيين يصعدون وأمتعهم تخطر سريعاً في التلفريك إلى أعلى.
فتاة كانت برفقتنا قالت بدهشة: يا الهي الشمس غابت، ولا زال زوار الدير يتدفقون.  

 

الجمل