معلومات جديدة بخصوص الرسوم المسيئة للرسول

شيئا فشيئاً بدأت تتضح الجوانب الأهم والأخطر في قضية الرسوم الدنمركية المسيئة للرسول الكريم التي نشرت بتاريخ 30 أيلول/ سبتمبر 2005، والتي كان من الممكن حصر مسؤوليتها لحظة نشوبها برسام الصحيفة التي نشرتها أو رئيس تحريرها. لكنه سرعان ما تبيّن أن ثمّة جوانب أبعد من ذلك وأكثر مدعاة للتتبّع ولكشف المستور، وهو ما يتعلّق بالنهج المعادي لنا على طول الخط كعرب ومسلمين، وبالاصرار على الاساءة إلينا مع سبق اصرار وتصميم، وفق منهج مدعومٍ سياسياً وفكرياً، ولا يمكن اختزاله أبداً بالقول أنه نزوة رسام، وانما أعمق من ذلك بكثير.
هذا على الأقل ما أثبتته الأحداث والأوراق الخفيّة التي بدأت تتكشّف حول انتماءات المعنيّين بهذا الحدث تحضيراً وتنفيذاً، وتحريضاً من بعيد، حيث يحاول المحافظون الجدد فرض ارادتهم وحتى كراهيتهم على العالم بأسره. وليس هذا – بالطبع – مجرد كلام في الهواء، وانما هو الحقيقة بالأسماء والمعلومات. فماذا تقول هذه الحقيقة؟!

 

أسباب التصعيد
بداية، ومنذ الأيام الأولى لتفجّر الأزمة، كان من الممكن أن تقف القضية عند حدود الدنمارك. ذلك لأن المطلوب المقابل من لدنّ المتضرّرين، وهم كل ما نالتهم الإهانة من جراء ما حصل، لم يتعدّ واجب تقديم الاعتذار الواضح والسريع لمسلمي هذا البلد وعربهم، وهو "أضعف الايمان"، خصوصاً في بلد أوروبي عصري يُسارع أي فرد من أهله – إذا ضرب كتفه بكتفك سهوة – الى الاعتذار، فكيف أمام قضية أثارت مئات الملايين في كل مكان؟!
لكنّ تجاهل هذا الواجب المطلوب، واستصغار الذين قدّموه انعكس سلباً على محاولة "لملمة" الموضوع، وزاد في تعقيده وتصعيده. وقد" زاد الطين بلّة"قيام السلطات الرسمية الدنمركية بالتعامل الفوقي مع ممثلي هذه المنظمات. فبدلاً من أن يُسارع رئيس الوزراء الدنمركي أنديرز فوغ راسموسين الى التصرف بحكمة انطلاقاً من موقع مسؤوليته، سارع الى ابلاغ عشرة من سفراء البلدان العربية الذين طلبوا مقابلته للاحتجاج على ما حدث وبحث الموضوع معه أنه لا يستطيع استقبالهم لعدم وجود الوقت الكافي لديه!
حصل ذلك بتاريخ 20 تشرين الأول/ أكتوبر، أي بعد ثلاثة أسابيع من الحدث، وبينما كانت الصحيفة التي نشرت الرسوم المسيئة وتُدعى جيلاند بوستن "Jyllands-Posten" ، وهي يمينية متعصّبة وعنصرية، ومعروفة بعدائها للأجانب تواصل حملاتها الهجومية ضد المهاجرين العرب والمسلمين بشكل خاص، وتدفع باتجاه تعقيد الأمور أكثر باتجاه الصدام بين المتطرفين من أهل البلد والأجانب أصحاب البشرة القاتمة تحديداً!
هذا الجوّ الملتهب من التحريض والاستعداء توقّف أمامه رئيس تحرير صحيفة "بوليتيكان"، صاحب التوجه المناقض لبوستن، ودفعه الى القول صراحة أن نشر هذه الرسوم من قبل "الزميلة الدنمركية" لم يكن له غاية غير استفزاز الأقلية المسلمة، منوهاً الى أن هيئة تحرير الصحيفة نفسها كان لها رأي لا يبتعد عن هذه الحقيقة، ولكنها مع ذلك تستّرت وراء مبدأ حرية التعبير واتخذته مبرّراً لما حصل!
.. ومع أن الأمور لم تنفجر لحظتها رغم كل ما حدث، إلا أن صحيفة "بوستن" لم تكتف بما فعلت بل عمدت الى توسيع دائرة الاساءة عن طريق تواصلها الاعلامي مع زميلات أخريات في أوروبا، وجاءت خطوة التجاوب الأولى في فرنسا حيث قامت صحيفة "فرانس سوار"، وتبعتها على الفور صحيفة أخرى تُدعى "شارلي إبدو" باعادة نشر هذه الرسوم رغم مرور فترة على نشرها لأول مرة "!"
وهكذا بدا واضحاً أن القضية ليست حدثاً عابراً، ولا "وجهة نظر" رسام فحسب، وأن كل التوقعات لا تستطيع نفي إمكانية انتشارها أكثر وأكثر.
من هذه الزاوية انفجر الغضب الشعبي العربي والمسلم، وبدأ يحتد كلهيب النيران من بلد الى آخر، وكان من الطبيعي في مثل هذه الظروف أن تحدث تجاوزات وأن يجري الاعتداء على سفارات ومؤسسات. ورغم إدانة هذه التصرفات، إلا أن مشروعية الغضب ذاته لم يكن من الممكن شجبها، لذلك ارتفعت شعارات مقاطعة البضائع الدانمركية في كل مكان، وبدأ البعض بتنفيذها لأنها تمثّل الحدّ الأدنى من الردّ الضعيف، ولم يسلم عدد من الصحافيين من التهديد وكذلك الدبلوماسيين.
أمّا النار التي كانت تغذّي هذا الغضب وتؤججّه فقد تمثلت في مواقف دول الغرب كافة وعلى رأسها ادارة المحافظين المتشددين الجدد في الولايات المتحدة التـي رأت في التحرك الشعبـي الغاضب اعتداء على الديمقراطية وحرية الرأي، ولم تر في الفعل المشين نفسه ما يوازي ذلك! الأمر الذي صعّد المشكلة أكثر وأكثر وأوقع خسائر واصابات في معظم التظاهرات الاحتجاجية التي حصلت، وكان من أبرزها في وطننا العربي، سقوط أول شهيد ليبي على هامش هذه الأحداث في مدينة بنغازي الليبية المعروفة بمواقفها الوطنية القومية، حيث أُطلق الرصاص عليه وهو يحاول إنزال العلم الدانمركي من فوق سارية القنصلية االدانمركية في بنغازي.
هذا الحدث أشعل بدوره الشارع الليبي في العاصمة طرابلس ودفعه الى التعبير عن غضبه في تظاهرة حاشدة توجهت الى سفارة ايطاليا وهناك حدثت مجزرة مؤسفة سقط على أثرها 11 شهيداً على حد اعتراف السلطات الليبية فضلاً عن حوالي 50 جريحاً، غير أن المعلومات الأكثر دقة تقول أكثر من ذلك بكثير.
وكان من المؤسف في المقابل اعلان الامانة العامة لمؤتمر الشعب العام ان اطلاق الرصاص على المتظاهرين قد جاء دفاعاً عن الدبلوماسيين الايطاليين، وكأن الدم الليبي أرخص من دم الأجنبي! أو بتعبير أدق كأن حماية الأجنبي لا تتحقق الا بسفك الدم الليبي. فاذا كان ذلك قد حدث في "الجماهيرية العربية الليبية..."، فكيف نلوم الآخرين اذن؟! علماً بأن المظاهرات التـي عمّت العالم بغربه وشرقه قد شارك فيها أيضاً علمانيون واشتراكيون وشيوعيون، بدافع من شعورهم بالاهانة واستكبار القوى المعادية في الغرب. فهؤلاء – وفي كل الأحوال – مع احترام حرية التعبير والرأي ولكنهم ليسوا مع المساس بمعتقدات الآخرين، خصوصاً وهم يدركون بحكم اطلاعهم وثقافتهم أن الاسلام يحترم جميع الأديان ويُجرّم كل من يعتدي عليها.

 

الأيدي الخفية وراء ما حدث
هذا بشكل عام هو الوجه الظاهر من صورة الأزمة وتداعياتها، أما وجهها المخفي فأفظع من ذلك بكثير. وهو الذي دفع المنظمات الاسلامية الدانمركية الى تشكيل لجان جابت العديد من البلدان العربية والاسلامية لشرح التفاصيل، وقابلت العديد من المسؤولين الكبار كالأمين العام لجامعة الدول العربية، وشيخ الأزهر، والى ممثلي 57 دولة كانوا متواجدين في مكة المكرمة بمناسبة انعقاد القمة الاسلامية، وكان من بينهم الملك السعودي عبدالله، والرئيس الايراني محمود نجّاد... وقد وضعت بين أيديهم الصورة بكل تفاصيلها.
أما معلوماتنا المتواضعة حول خلفيات ما حدث فيمكن ايجازها ببعض نقاط مهمة وخطيرة في آن، يأتي في أولها – على سبيل المثال – أن السيد فيلمنغ روس مسؤول الصفحة الثقافية لجريدة "بوستر" التي نشرت على أعمدتها هذه الرسوم من أكثر الناس التصاقاً بأحد كبار الصهاينة الدانمركيين ويُدعى دانييل بيلبس، وهو من المحافظين المتشدّدين الجدد في الدانمرك الذي يُعتبر في نظر الادارة الحاكمة في الولايات المتحدة من أهم المنظرين الأساسيين ضد الاسلام. وكان أشهر مقال كتبه في العام 2004، حمل عنوان "خطر الاسلام". وقد نشره في صحيفة بوستن نفسها.
هذا الدانييل يرتبط – لمن لا يعرفه – بعلاقة شخصية وطيدة مع رئيس الولايات المتحدة جورج بوش ومع معظم أركان ادارته وفي مقدمتهم نائبه ديك تشينـي، وبوول وولفوتيز، حامل لواء مشروع الشرق الأوسط الكبير، الذي يريد للولايات المتحدة أن ترث الأرض ومن عليها في بلادنا العربية والاسلامية!
نشاط دانييل بيلبس الأساسي يتركّز على مناصرة اسرائيل في كل المواقف التي تتخذها، ويعتبر أحد "عتاة" الصهاينة في الدانمرك، أما انتقاده الوحيد لزعماء الكيان الصهيوني فيتمثل في انهم لا يعاقبون الفلسطينـي كما يجب أن يُعاقَبوا "!"
وهكذا فان المسلمين من الأصوليين الفلسطينيين كمناضلي حماس وحركة الجهاد ليسوا إلا قتلة في نظره ولا بدّ من تصفيتهم، لأنهم يمثلون الخطر الآتي. ولا غرابة في ذلك طبعاً، فهو بالاضافة لخلفيته هذه كلها، صاحب مقال شهير آخر كتبه في شهر نوفمبر من العام 1990 بأسلوب معادٍ ومحرض على المكشوف وقد حمل عنوان "المسلمون قادمون... المسلمون قادمون"، وتمّ نشره بالمجلة الوطنية. تحدّث فيه عن مزايا المجتمعات الغربية واختلافها عنّا نحن العرب والمسلمون، ووصل الى نتيجة تقول أن هذه المجتمعات غير مهيئة على الاطلاق لاستقبال المهاجرين بأعداد كبيرة، "خصوصاً أولئك الذين تكسو أجسادهم بشرة غامقة، وأولئك الذين يأكلون مآكل غريبة عجيبة لم يعتد عليها المواطن الأوروبي"!!"

 

.. وتتعدد النماذج والأمثلة
وليست "ظاهرة" دانييل بيلبس هي الوحيدة المعادية بالطبع، فاذا أقفلنا صفحته السوداء، سرعان ما تنفتح أمامنا صفحات أخرى مماثلة، كذلك الصحفي النرويجي كيم فيبجويرن سيلبك، المعروف هو الآخر بعلاقاته الوثيقة مع اسرائيل وتعاطفه الشديد معها، وقد سارع الى اعادة نشر الرسوم إياها فور انفجار الأزمة على نطاق واسع. كان ذلك في العاشر من كانون الثاني/ يناير الماضي، بالتوقيت مع مناسبة عيد الأضحى المبارك، وفي صحيفة كارستن جوست "Caristen Just" البلجيكية.
ولا ننسى هنا أيضاً سيرج فوبير رئيس تحرير صحيفة "فرانس سوار" الذي كان يدرك جيداً – حسب قول معارفه – ماذا يمكن أن ينشأ عن نشر هذه الرسوم من ردود فعل غاضبة، ومع ذلك لم يتورع عن نشرها، وهو المعروف جداً بموالاته لاسرائيل، وبعمله الدؤوب على جمع الأنصار للفكر الصهيوني، والتحريض على من يوصفون بالمعادين للسامية.
لقد وضع تصرّف فوبير الجالية العربية والاسلامية في فرنسا على حافة انفجار جديد، في الوقت الذي لم تلتئم فيه بعد انتفاضة الضواحي الباريسية ضد السلطة وممارساتها. لذلك لم يجد مالك صحيفة فرانس سوار، رجل الأعمال الفرنسي/ المصري الأصل رامي لقح بُدّاً من اتخاذ قرارٍ يمتص الغضب الشعبي الذي يجتاح أبناء جلدته الأصليين، فقام بتنحية الرئيس والمدير العام للصحيفة "جاك لوفرانك"، ولكن الغريب في هذا القرار أن لوفرانك ليس رئيس تحرير الصحيفة، ولا هو المسؤول عن النشر... ثم، وهو الأهم لم يكن هذا الرجل من المؤيدين لإعادة نشر الرسوم المسيئة. ويبقى السؤال هنا: لماذا تمّت تنحية المدير الاداري وليس رئيس التحرير المسؤول المباشر عن النشر؟!
دون الحديث عن علاقات وعواطف فوبير المشابهة لمن سلف ذكرهم، وهي التي حالت دون تنحيته، وكذلك رئيس تحرير الصحيفة الفرنسية الأخرى "شارلي إبدو"، فان ادعاء البعض أنهما استهدفا من وراء ما نشراه الترويج لصحيفتهما ليس صحيحاً، ذلك لأن الترويج بهدف الحصول على أرباح غير مشروعة من وراء عمل يخالف القانون والاخلاق لا يمتّ للعمل الصحفي النزيه بأية صلة.
.. وتطول قائمة الأيدي الخفيّة التي تحرّض على كُره الآخر (والأخر هنا يعنينا نحن بشكل أكثر تحديداً)، وتعمل على زرع بذور الإساءة للدين والقيم، وتُفرّق بين الإنسان والإنسان حتى ولو من زاوية لون بشرته وطريقة أكله. وكل ذلك يصبّ في خدمة المتطرفين في كل مكان بالغرب ولا سيما الشلّة الحاكمة الآن في الولايات المتحدة.
وهذا هو ما تريده وتسعى إليه لخلق مبررات "حروب صليبة" جديدة ضدنا كما عبّر عنها الرئيس الأميركي جورج بوش بكل صراحة.
لا شكّ أن هذه الهجمة الواضحة المعالم لا بدّ من مواجهتها بحكمة وصراحة في الآن عينه، وقد بدأت العديد من التنظيمات والجمعيات العربية والاسلامية التحرك في هذا الاتجاه أمام القضاء، في ظل تقاعس الأنظمة وتواطؤ معظمها، لكن النتيجة الايجابية غير مضمونة في ظل الأجواء السائدة.
وعلى سبيل المثال لا الحصر، قام المجلس الاسلامي الأعلى في فرنسا، وهو الهيئة المشرفة على أحوال المسلمين بالتعاون مع الدولة، برفع قضية أمام القضاء ضد الذين أعادوا نشر الرسوم وأساءوا في كتاباتهم للدين. لكن معاداة الأديان في بلد علماني مثل فرنسا لا تُعتبر جرماً كبيراً رغم كل التصريحات الرسمية النافقة حول ضرورة احترام العقائد والديانات الأخرى! ولا يغيب عن الذهن هنا النتيجة التي آلت إليها قضية مماثلة رُفعت ضد الكاتب ميشيل هولدبيغ في العام 2001 الذي كتب في مجلة "Lire" الفرنسية (إقرأ) مقالاً جاء فيه بالحرف " أن الديانة الأكثر سوءاً هي الاسلام". وللدقة لا بد من القول أنه استعمل كلمة أقبح كثيراً من كلمة "سوءاً"، يعفّ اللسان عن تكرارها ومع ذلك برّأتهُ المحكمة!
حتى الفيلسوف الفرنسي آلان فبنكيلكروت الذي يُعتبر من خط اليسار لم يتردّد عن القول لصحيفة " هآرتس" الاسرائيلية (عدد 18 تموز 2005) أنه " بالرغم مما قامت به الدولة الفرنسية لصالح الأولاد المهاجرين إلا أنهم يكرهونها، فهذه هي ثقافتهم. أما المشكلة فتكمن في أن هؤلاء الشباب السود والعرب يدينون بالاسلام"!!
باختصار شديد : هذه هي الأجواء التي تقف وراء بعض ما يجري ضد العرب والمسلمين في الغرب، ولا غرابة في أن يعتبرهم البعض "رهائن" الى حين.. إما أن يحقّق المحافظون الجدد المتصهينون خلاله ما يريدونه، أو يجري تدارك هذا الوضع بأي شكل من الأشكال..

 

د. سليمان الدقي

المصدر: البيادر