الانفتاح على الرأي الآخر

     العزوف عن الانفتاح على الآخر، وغياب الحوار بين القوى والأطراف المختلفة في مجتمعاتنا يعتبر مكمناً أساسياً من مكامن الداء في هذه المجتمعات ، ومظهراً صارخاً من مظاهر التخلف.
      وتشترك عدة عوامل في تكريس هذه الحالة المرضية ، منها العامل التربوي حيث تزرع العائلة في نفوس أطفالها الحذر من الاختلاط بالآخرين بشكل مبالغ فيه ، وتمارس مع أبنائها أسلوب الأمر والزجر دون إعطائهم فرصة للتفكير والنقاش . كما تعتمد أغلب مناهج التعليم طريقة التلقين وفرض الرأي الواحد ، ورفض ما سواه لأنه باطل وكفر وشرك وابتداع.
      والتوجيه الديني في مجتمعاتنا ينتهج في معظمه أسلوب الحدّية والتطرف تجاه الآخر ، على أساس أنه ( فَمَاذَا بَعْدَ الحَقِّ إِلاَّ الضَّلاَلُ )(1)، وأن فرقة واحدة هي الناجية والباقين في النار، مع تطبيق ذلك على تفاصيل موارد الاختلاف وتنوع الاجتهادات . ويدفع هذا النمط من التوجيه الديني إلى مقاطعة الآخر المخالف والمختلف ، معاقبة له على ضلاله ، وإنكاره لمنكره ، ولردعه عن بدعته ، وللتحصين من تأثيراته المختلفة ، والتزاماً بواجب البراء من أعداء الله .
      وعلى الصعيد الاجتماعي تتمايز التكتلات والانتماءات إلى حد القطيعة والتنافر ، ويصبح التواصل مع الجهة الأخرى لوناً من الخيانة للجماعة ، وانعدام الولاء ، وميوعة الانتماء ، لأن صديق العدو عدو.
      أما على المستوى السياسي فالأمر أشد قتامة وتعقيداً في ظل حكومات الاستبداد ، حيث لا مجال للرأي الآخر ، ولا فرصة للمعارضة ، ولا قيمة لمن يخالف أو يعارض ، حتى يتنزل الحاكم من علياء هيبته للاستماع إليه والانفتاح عليه ، وإنما يتعامل معه كمجرم يستحق أقسى العقوبات لشقه عصا الطاعة .
      كما تبالغ بعض جهات المعارضة في تشددها ، فتمارس المعارضة حرفة ، وشأناً توقيفياً تعبدياً      لا تلوثه بشيء من دنس الحوار والانفتاح على السلطات ، فذلك ركون إلى الذين ظلموا ، ومساومة في الدين ، وتراجع عن خط الثورة والجهاد .
      هذه الأرضية الاجتماعية والأجواء الثقافية السياسية ، هي التي تنتج حالة الركود والجمود ، وتكرّس واقع التنافر والتباعد ، والخصومة والنزاع ، بين قوى الأمة وفئاتها الفكرية والاجتماعية .
      فلا بد من تضافر الجهود الواعية ، لصناعة أجواء صالحة ، ولخلق أرضية جديدة ، تنمو فيها بذور الانفتاح والحوار ، لتتعارف الجهات فيما بينها ، وتكتشف نقاط الالتقاء ، وموارد الاختلاف ، ولتثري كل جهة معارفها وأفكارها من خلال انفتاحها وحوارها مع الآخرين ، وليأخذ الاختلاف مساره الإيجابي في إذكاء حالة التنافس المعرفي ، وشحذ الإرادات والهمم لتقديم العطاء الأفضل ، والقيام بالدور الأنفع .

      حين تذهب إلى السوق لشراء سلعة تحتاجها كسيارة أو جهاز حاسب آلي ، أو أي شيء آخر، ولا تجد في السوق إلا نوعاً واحداً من تلك السلعة ، فإنك ستشتريه سداً للحاجة ، وقد لا تجد داعياً لتفحص ميزاته والتدقيق في خصائصه ، فأنت ستقتنيه على أية حال ، لأنه الخيار الوحيد أمامك .
      أما إذا رأيت أمامك أنواعاً مختلفة من السلعة التي تريدها ، فستبذل جهد لفحص ميزات كل نوع  ومدى امتيازاته ، ثم تختار الأفضل والأنسب لك من بين الأنواع المعروضة عليك .
      إن الفارق بين الحالتين واضح ، ففي الأولى أنت لا تضمن الحصول على الأفضل ، وقد لا تهتم لمعرفة خصائص ما تختار. أما في الحالة الثانية فإن تعدد الخيارات يمنحك فرصة البحث والمقارنة  ويجعلك أكثر فهماً لما تختار .
      وهكذا الأمر لو كنت تبحث عن مشروع اقتصادي للاستثمار ، أو برنامج سياحي لمنطقة معينة ، أو علاجاً لمشكلة صحية ، فإن تعدد الخيارات في كل مجال يوّفر لك أفضل الفرص ، وأعلى درجة من المصلحة .
      هذه المعادلة الواضحة في القضايا المادية ، تنطبق أيضاً على الصعيد الفكري والمعرفي ، فإذا كنت مهتماً بقضية فكرية ، ووجدت نفسك أمام رأي واحد في معالجتها ، فقد تعتنق ذلك الرأي دون الكثير من التأمل والتفكير ، أما إذا تعددت أمامك الآراء والأفكار ، فسيدفعك ذلك للدراسة والمقارنة فيما بينها  والبحث عن الرأي الأفضل والفكرة الأصح . وبذلك تكون أكثر إدراكاً ووعياً للرأي الذي تعتنقه . 
      فالنظر في الآراء المختلفة يتيح فرصة البحث عن الرأي الأفضل ، ويوفرّ درجة أعلى في فهم ومعرفة الرأي المختار .
القرآن دعوة إلى الانفتاح :
     لذلك يدعو القرآن الكريم الإنسان إلى التفكير فيما يتبنى من أراء ومعتقدات ، فلا يجعل نفسه أمام اتجاه واحد إجباري ، ولا ينغلق على موروثاته من آبائه وأسلافه ، دون دراسة وتمحيص ، ولا يرفض الانفتاح على أي فكرة ومحاكمتها على ضوء العقل ، لقبولها إن كانت أصح وأفضل .
      إن الله تعالى يبشر عباده المنفتحين فكرياً ، والذين يدرسون مختلف الآراء ، ليتبنوا أفضلها وأحسنها  بأن منهجية الانفتاح هي التي ستقودهم إلى الهداية ، وتمكنهم من استثمار عقولهم ، واستخدامها بالشكل الصحيح .
      يقول تعالى ( .... فبشر عباد * الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولوا الألباب ) (1) ، إنهم يستمعون القول ، أي يقصدون الإصغاء إليه باهتمام ، وليس يسمعون بشكل عفوي عابر ، واستخدام القرآن الكريم للفظ يستمعون يلفت إلى ذلك .
      والقول جنس يشمل كل قول ، والمقصود به الكلام الذي يعّبر عن فكرة ورأي .
      يقول الشيخ ناصر مكارم الشيرازي في تفسيره لهذه الآية الكريمة : (( الآيتان المذكورتان اللتان وردتا بمثابة شعار إسلامي ، بيننا حرية الفكر عند المسلمين ، وحرية الاختيار في مختلف الأمور . ففي البداية تقول ( فبشر عباد ) ثم تعّرج على تعريف أولئك العباد المقربين بأنهم أولئك الذين لا يستمعون لقول هذا أو ذاك ما لم يعرفوا خصائص وميزات المتكلم ، والذين ينتخبون أفضل الكلام من خلال قوة العقل والإدراك ، إذ لا تعصب ولا لجاجة في أعمالهم ، ولا تحديد وجمود في فكرهم وتفكيرهم ، إنهم يبحثون عن الحقيقة وهم متعطشون لها ، فأينما وجدوها استقبلوها بصدور رحبة ، ليشربوا من نبعها الصافي من دون أي حرج حتى يرتووا .
      الكثير من المذاهب الوضعية تنصح أتباعها بعدم مطالعة ومناقشة مواضيع وآراء بقية المذاهب ، إذ أنهم يخافون من أن تكون حجة الآخرين أقوى من حجتهم الضعيفة ، وهذا ما يسبب فقدان الاتباع الذين قد يلتحق بعضهم بالمذاهب الأخرى الأفضل .
      إلا أن الإسلام ـ كما شاهدنا في الآيات المذكورة أعلاه ـ ينتهج سياسة الأبواب المفتوحة في هذا المجال ، إذ يعتبر المحققين ، الذين لا يرهبون سماع آراء الآخرين ، ولا يستسلمون لشيء من دون قيد أو شرط ، ولا يتقبلون كل وسواس . الإسلام الحنيف يبشر الذين يستمعون القول ويتبعون أحسنه ، الذين لا يكتفون بترجيح الجيد على السيئ ، وإنما ينتخبون الأحسن ثم الأحسن من كل قول ورأي (1) .
      وعلى ضوء الآية الكريمة ، وردت أحاديث وروايات ، تشجع الإنسان على البحث عن الحقيقة الصواب من أي مصدر كان ، وهذا يعني الانفتاح على مختلف المصادر وإن كانت في اتجاه آخر مخالف  بل هو ما تصرح به الأحاديث والنصوص .
      فحينما يقول مروي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ( اطلبوا العلم ولو بالصين ) (2) . فإنه يعني عدم التحفظ على أي مصدر للمعرفة ما دام الإنسان ملتزماً بضوابط التفكير السليم .
      وفي نفس السياق يأتي ما روي عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :          ( الكلمة الحكمة ضالة المؤمن حيث ما وجدها فهو أحق بها ) (3) .
      والضالة هي الشيء الذي يفقده الإنسان فيبحث عنه ، ويعلّق الإمام أبو الحسن الحنفي السندي في شرحه لهذا الحديث قائلاً : (( أي مطلوبة له بأشد ما يتصور في الطلب ، كما يطلب المؤمن ضالته ، وليس المطلوب بهذا الكلام الإخبار إذ كم من مؤمن ليس له طلب للحكمة أصلاً ، بل المطلوب به الإرشاد كالتعليم ، أي اللائق  بحال المؤمن أن يكون مطلوبه الكلمة الحكمة )) . (4)

      وورد عن الإمام علي عليه السلام أنه قال : (( الحكمة ضالة المؤمن فاطلبوها ولو عند المشرك تكونوا أحق بها وأهلها )) (5) . وفي كلمة أخرى قال عليه السلام : (( الحكمة ضالة المؤمن ، فخذ الحكمة ولو من أهل النفاق )) (6).
      وهناك رواية جميلة مذكورة في عدة مصادر عن نبي الله عيسى بن مريم عليه السلام أنه قال :       ( خذوا الحق من أهل الباطل ، ولا تأخذوا الباطل من أهل الحق ، كونوا نقاد الكلام ) (7 ) . وقد أوردها السيوطي في الدر المنثور ( ج2 ص 310 / دار المعرفة جدة 1365 هـ ) وابن عساكر في تاريخ دمشق ( ج 47 ص 440 دار الفكر 1415 هـ ) والبرقي في المحاسن ( ج 1 ص 229 / دار الكتب    الإسلامية ) .
      فما دام الإنسان يمتلك عقلاً يميّز به الصواب من الخطأ فلا خوف من الانفتاح الفكري ، على مختلف الآراء والأفكار ، والمهم هو دراسة الرأي والفكرة ، بغض النظر عن مصدرها ، وعن الموقف منه .
رفض الإنغلاق :
      إذا انغلق الإنسان على رأيه ، وأعرض عن الانفتاح على الآراء الأخرى ، فإنه سيعزل نفسه عن تطورات الفكر والمعرفة ، ويحرم نفسه من إدراك حقائق ومعارف مفيدة ، وقد يكون رأيه الذي انطوى عليه خاطئاً ، فلا يكتشف بطلانه في ظل حالة الانكفاء والانغلاق .
      لقد ذم القرآن الكريم منهجية الانغلاق الفكري ، من خلال إدانته لرفض المخالفين للأنبياء والاستماع والإصغاء لما يطرحه الأنبياء ، لموقفهم المسبق من رسالاتهم .
      فهؤلاء قوم نبي الله نوح عليه السلام كانوا يرفضون مجرد السماع إلى دعوته ، فإذا جاء لمخاطبة أحد منهم أمسك على أذنه بأصابعه ، بل غطى وجهه عنه ، حتى لا ينفذ إلى ذهنه شيء من كلامه ، أو تتأثر نفسه بملامح شخصيته وإشاراته .
      حتى شكاهم نوح إلى ربه كما ينقل القرآن الكريم : ( وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم وأصروا واستكبروا استكبارا) (8) .
      وكفار قريش كانوا يُظهرون أمام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا مبالاتهم بسماع دعوته ورفضهم للنظر في شأنها ، يقول تعالى : ( فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون * وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب ) (9) . فهم يعلنون أن عقولهم مغلقة مؤصدة أمام دعوته ، وسمعهم ثقيل لا يخترقه صوته ، وبينهم وبينه مسافة وحاجز تمنعهم من التفاعل معه .

      بل كانوا في بعض الأحيان يخلقون جواً من الفوضى والضجيج ، حينما يبدأ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في تلاوة شيء من آيات القرآن الكريم ، لئلا يسمع أحد تلاوته ، ويتأثر بكلامه ، وكانوا يطلبون من الناس ألا يصغوا لسماع آيات القرآن ، وأن يقابلوها باللغو صياحاً وتصفيراً وتصفيقاً . يقول تعالى :   ( وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون ) (10) . قال ابن عباس : كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو بمكة إذا قرأ القرآن يرفع صوته فكان أبو جهل وغيره يطردون الناس عنه ، ويقولون لهم : لا تسمعوا له والغوا فيه فكانوا يأتون بالمكاء والصفير والصياح وإنشاد الشعر والأراجيز وما يحضرهم من الأقوال التي يصخبون بها . (11) .
      وينقل التاريخ كشاهد لمنهجية الانغلاق التي اعتمدها المشركون أمام الدعوة قصة الطفيل بن عمرو الدوسي ، والذي حدّث : أنه قدم مكة ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيها ، فمشى إليه رجال من قريش ، وكان الطفيل رجلاً شريفاً شاعراً لبيباً ، فقالوا له : ياطفيل ، إنك قدمت بلادنا ، وهذا الرجل الذي بين أظهرنا قد أعضل بنا وقد فرّق جماعتنا ، وشتت أمرنا ، وإنما قوله كالسحر يفرق بين الرجل وبين أبيه  وبين الرجل وبين أخيه ، وبين الرجل وبين زوجته ، وإنا نخشى عليك وعلى قومك ما قد دخل علينا ، فلا تكلمنّه ولا تسمعن منه شيئاً . قال : فو الله ما زالوا بي حتى أجمعت أن لا أسمع منه شيئاً ولا أكلمه ، حتى حشوت أذني حين غدوت على البيت الحرام كُؤسُفاً ـ قطناً ـ فرقاً من أن يبلغني شيء من قوله ، وأنا لا أريد أن أسمعه . قال : فغدوت إلى المسجد ، فإذا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قائم يصلي عند الكعبة . قال : فقمت منه قريباً ، فأبى الله إلا أن يسمعني بعض قوله . قال: فسمعت كلاماً حسناً ، فقلت في نفسي : واثكل أمي ، والله إني لرجل لبيب شاعر ما يخفى عليّ الحسن من القبيح  ، فما يمنعني أن أسمع من هذا الرجل ما يقول ! فإن كان الذي يأتي به حسناً قبلته ، وإن كان قبيحاً تركته، قال فمكثت حتى انصرف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى بيته فاتبعته ، حتى إذا دخل بيته ، دخلت عليه فقلت : يا محمد ، إن قومك قد قالوا لي كذا وكذا ، فو الله ما برحوا يخوفونني أمرك حتى سددت أذني بكرسف لئلا أسمع قولك ، ثم أبى الله إلا أن يسمعني قولك ، فسمعته قولاُ حسناً ، فاعرض عليّ أمرك . قال: فعرض عليّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الإسلام ، وتلا عليّ القرآن فلا والله ما سمعت قولاً قط أحسن منه ، ولا أمراً أعدل منه فأسلمت وشهدت شهادة الحق . ( 12) .
لماذا الانغلاق ؟
      لماذا يفرض الإنسان حصاراً على عقله ؟ ولماذا يرفض الانفتاح على الرأي الآخر ؟ إن لذلك مبررات وأسباباً من أبرزها : الجهل والسذاجة ، فمن يدرك قيمة المعرفة والعلم ، يتطلع إلى الحقيقة والصواب ، يظل باحثاً عن الحق ، طامحاً إلى الرأي الأفضل والأكمل . أما الجاهل الساذج فيعيش شعوراً بالاكتفاء ويرى أن ما لديه من رأي يمثل الحقيقة المطلقة ، والسقف الأعلى للمعرفة .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(10) سورة فصلت ، آية 26 .
(11) ابن عاشور: محمد طاهر ، التحرير والتنوير ج 25 ص 46 ، مؤسسة التاريخ
(12) ابن هشام : عبد الملك ، السيرة النبوية ج1 ص 420 الطبعة الأولى 1994 م ، دار إحياء التراث العربي ،بيروت .
      وقد يكون الانغلاق منطلقاً من حالة اللامبالاة تجاه القضية التي تتعدد حولها الآراء ، وتكون مثاراً لاختلاف الأفكار ، فهو لا يجد نفسه معنياً بتكوين رأي أو اتخاذ موقف ، فلماذا يشغل ذهنه بالتفكير والبحث والمقارنة .
      وقد يكون دافع الانغلاق الكسل عن البحث والتحقيق ، لما قد يستلزمه الانفتاح على الرأي الآخر من إعمال الفكر والنظر ، وبذل جهد في الدراسة والمقارنة بين الآراء والأفكار .
      وفي كثير من الأحيان يكون ضعف الثقة بالذات صارفاً عن التعرف على الرأي الآخر ، حيث لا يجد الإنسان نفسه مؤهلاً للاستقلال بتكوين رأي أو اتخاذ موقف، ولا قادراً على التمييز بين الخطأ والصواب  فيترك هذا الدور للمؤهلين مكتفياً بدور التقليد والإتباع .
      وإذا كان ذلك صحيحاً في الأمور التخصصية العلمية ، فإنه لا يصح فيما عداها ، وإلا لتوقف دور العقل ، وانحصرت الاستفادة منه في حدود شريحة معينة .
      وقد يتهيب الإنسان مواجهة الحقيقة في مجال من المجالات ، لما قد يترتب عليه من تغيير في أوضاعه ومواقفه ، فيتهرب عن الاطلاع على الرأي الآخر ، حين يكون غير واثق تماماً من الرأي الذي يعتنقه ، فيحرجه الانفتاح على الرأي الآخر ، والذي قد يكشف له خطأ فكرته ورأيه .
      كل ما سبق يدخل ضمن عوامل الامتناع الذاتي عن الانفتاح على الرأي الآخر ، يخلق عزوفاً عند المتأثرين به عن الاقتراب من ذلك الرأي , والإعلام المضاد سلاح يشهر دائماً في الصراعات والخلافات ، وخاصة ذات الطابع الفكري والثقافي ، ويُتوقع من الإنسان الواعي أن لا يقع تحت تأثير الدعاية والإعلام بين الأطراف المتنازعة ، على حساب مرجعية العقل ، والتفكير الموضوعي ، فيتيح لنفسه فرصة الدراسة والبحث ، ويعطي لعقله مجال الاطلاع المباشر على الآراء المختلف حولها .
      والعامل الثاني الخارجي يتمثل في وجود قوة تمارس دور الوصاية والقمع الفكري ، فتحد من حرية الفكر ، وتمنع نشر ما يخالفها من الرأي ، وتحظر على الناس الاطلاع على الرأي الآخر ، وعادة ما تفشل القوة أخيراً في معركتها ضد الرأي والفكر ، حيث لم تستطع قريش بكل جبروتها ونفوذها أن تمنع انتشار هدى الإسلام ، ولم يتمكن الأمويون والعباسيون رغم قمعهم وبطشهم إطفاء نور أهل بيت النبوة عليهم السلام ، ولم تنجح كنيسة العصور الوسطى بإرهابها ومحاكم تفتيشها في إيقاف مسيرة العلم والتحرر. وفي عصرنا الحاضر ومع تطور وسائل الاتصالات المعلوماتية ، وتعدد قنوات الإعلام ، والتي تتجاوز السدود والحدود ، فإن محاولات قمع الفكر ، ومحاصرة الرأي ، تصبح جهداً ضائعاً ، وسعياً فاشلاً .


حسن الصفار
القطيف


 
  ---------------------------
  (1) سورة يونس آية 32 .

(1) سورة الزمرآية 18.

(1) الشيرازي : ناصر مكارم ، الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل ج15 ص 50 ، 47 ، الطبعة الأولى 1992 ،مؤسسة البعثة ،بيروت .
(2) الهندي : علي المتقي ، كنز العمال ، حديث رقم 28697 .
(3) الترمذي : محمد بن عيسى ، سنن الترمذي ، حديث رقم 2828 .
(4) السندي : أبو الحسن الحنفي ، شرح سنن ابن ماجة ج2 ص 542 ، دار الجيل ، بيروت.

(5) المجلسي : محمد باقر ، بحار الأنوار ج 75 ص 34 .
(6) الموسوي : الشريف الرضي ، نهج البلاغة ، قصار الحكم 80 .
(7) المجلسي : محمد باقر ، بحار الأنوار ج 2 ص 96 .
(8) سورة نوح آية 7 .
(9) سورة فصلت ، آية 4 ، 5 .

(10) سورة فصلت ، آية 26 .
(11) ابن عاشور: محمد طاهر ، التحرير والتنوير ج 25 ص 46 ، مؤسسة التاريخ
(12) ابن هشام : عبد الملك ، السيرة النبوية ج1 ص 420 الطبعة الأولى 1994 م ، دار إحياء التراث العربي ،بيروت