أسباب التزمت والعنف :رؤية مستقبلية


1 ـ البحث عن الأسباب :
      التزمّت والعنف يرتديان أشكالاً ومظاهرَ متنوّعة . لقد استمرّا دوماً في النموّ وتضاعفا كثيراً مع ارتفاع عدد وحجم الشعوب والجماعات التي يضاهي تنوّعُها بشدّته وكثرته عددها وكثرتها . إنّ التزمّتَ الذي يرتكز على الدين أو على الطبقات الاجتماعيَّة أو على الانتماء العرقيّ أو على الجنس يمكن أيضاً أن يترافقَ مع درجة الارتباط بالاعتقادات الدينيّة ومضامين الإيمان ، ومع شدّة البنية الطبقيّة والطبقات الاجتماعيّة ، ومع الاعتزاز بالانتماء إلى شعب معيَّن أو إلى جنس معيَّن ، ومع الشعور بالتفوق وما ينجم عنه من مطلب للسيادة. كلّ نظام من أنظمة القيم هذه يخلق لنفسه مجالاً داخليًّا خاصًّا وقشرةً خارجيّة لحماية نفسه من << الآخر >> الذي يبدو بصورة مفارقة أكثر تهديداً بقدْر ما يكون أكثر قرباً في علاقته الثقافيّة أو الطبيعيّة . إنّ العداوةَ بين الإخوة هي أكثر خطراً وأكثر وبالاً من العداوة بين الغرباء .
      إنّ التشديدَ على الهويّة الخاصّة العرقيّة أو الدينيّة أو الاجتماعيّة كثيراً ما يثير عنصراً من التزمّت تجاه الآخر . إنّ تعريفّ << الذات >> يتوافق مع التحديد الدقيق لما أنا عليه ( القضيّة ) ولما لستُ عليه  ( نقيض القضيّة ) . وما أنا لستُ عليه سرعان ما يتعرّض لخطر التحوّل إلى إله انتقام يترصّدني . ولذلك يبقى لمجموعة العناصر المكوّنة للهويَّة التحدّي الأكبر في أن تُظهِرَ الطاقات الإيجابيَّة << للأنا >> على أنّها النواة الداخليّة والحقيقيّة والجديرة بالثقة ـ مع عدد يُقلَّص قدْر الإمكان من الأمور السلبيّة التي تُنسَب لما هو خطأ وما يهدّدني من الخارج من قِبَل << الآخر>> . في ألعاب الحرب المستمرّة بين << الذات>> و<<الآخر>> تُحدَّد دوائر المصالح من قِبَل طاقات الطمع والاستغلال المقتدرة ، التي تنمو في الفقر كما تتكاثر في الغنى . حيث يسود الشرّ والفساد باعتبارهما المرافقَين الدائمَين للفقر المدقع الذي يتألّم منه اليوم جزءٌ كبير من البشريّة ، تصير الفروقات ـ التي يمكن حتّى الإشادة بها كجزء من التنوّع ـ رموزاً للخطر  وموضوعاًَ للخوف من فقدان القليل الذي يملكه المرء ، ولإنكار الأكثر الذي يودّ الحصولَ عليه . الجوع يُثير الغرائز ، والفقر يعطي الخسارة ، والذين ليس لهم إلاّ القليل المعرَّض  للخسارة ، يحرّرهم الفساد من خوف فقدان ما يملكون .
      ولكنّ هذا لا يمثّل سوى نوع واحد من التجربة التي تتجاسر وتحلّ الرباطات ، والتي يمكن أن نصادفَها: سيطرة الفاسدين والمحرومين ، عندما يصير المقهورون قاهرين . وعلى كلّ حال فإنّ الدافعَ الشبيه بالقوّة ، إن لم يكن الأقوى ، إلى الردّ بعنف على ظروف فقدان الهويّة الخاصّة أو على خطر فقدانها  يمكن أن يأتيَ من الغضب من أن يُرفَضَ الإنسان او يُنكَرَ عليه الاعترافُ بما له من مجال داخليّ هو على هذا الجانب من الأهميّة بحيث يملأ الذات اعتزازاً بالهويّة الخاصّة ، ويضاعف الرغبةَ بإعلاء شأن تلك الهويّة والدفاع عنها . إنّ تهديداً لهذه الهويّة يصير داعياً للعمل ودافعاً إلى حشد الطاقات . بهذه الطريقة شُنَّت حروبٌ كثيرة باسم الدين والاعتقاد ، كما أنّ كثيراً من المخاوف على مرّ الزمن استُغِلَّت  لسلب ونهب الاقتصاد والمجتمع .

      الظلم والقهر يولّدان الغضبَ الذي يخون العقلَ ويؤدّي إلى تصريحات تتجاوز القدرةَ على التمييز والعمل العقلانيّ . في الفقر المنتشر والمستمرّ يظهر الظلم الذي هو بدوره تربةٌ صالحةٌ للعنف والتزمّت . الصراع هو مظهرٌ من مظاهر التزمّت الذي يتضمّن أبعاداً مختلفة ويقود في شكله الأقصى إلى الإبادة كما يقود إلى التدمير الذاتيّ .
2 ـ طريقنا إلى المستقبل :
      إنّ التدابير الملائمة للتغلّب على التزمّت والعنف والصراع عليها أن تكتشفَ مجموعةً واسعة من وسائل الإصلاح والمساندة والمعالجة الاستشفائيّة للتخفيف من حدّة الظلم والخوف من الآخر ولتقليصها وفي النهاية لإزالتها . التدابير المقترحة لذلك يمكن أن تتضمّن :
 الحوار الفعّال والمرتكز على إعلام جيّد .
 المصالحة الواعية والإيجابيّة .
 التنشئة والتربية لتقليص الخوف والتزمّت .
 تعزيز القيم وتعزيز احترام القوانين ، وكذلك تعزيز الحرّية والمساواة بين الناس .
      هذه التدابير علينا أن نبحثَ فيها بتدقيق في مداولاتنا الراهنة في هذه الطاولة المستديرة الثانية من ندوتنا المسيحيّة الإسلاميّة الدوليّة في فيينّا .
3 ـ الحوار :
      إنّ أكثرَ من نصف سكّان العالم الذين يناهز عددهم الستّة مليارات ينتمون إلى المسيحيّة والإسلام . ليس من المصادفات أن يكونَ للمسيحيّين والمسلمين في كثير من أجزاء العالَم تاريخٌ مشترَك وإرثٌ  مشترَك ـ لكونهما اثنين من التقاليد الإبراهيميّة الثلاثة الرائدة . ثَمَّة تاريخٌ طويل ومتقلّب من المجابهات المسيحيّة الإسلاميّة التي كثيراً ما كانت مباشرة وعنيفة . ومع ذلك فالأمور المشترَكة في أصلنا            ( باعتبار ديانتَينا ديانتَي وحي ) وفي أهدافنا ( خدمة الخالق والحصول على رضاه ) ، توفّر لنا مساحة مشترَكة للعمل  على أساس القيم الدينيّة والروحيّة ، التي تستطيع أن تنقلَ احترام الحياة البشريّة واحترامَ كرامةَ الإنسان والحقوق الناتجة مباشرةً منها كالحريّة والعدل والمساواة . على قاعدة هذه القيم الأساسية   التي تعلّمها كلتا ديانتينا وهما تُدركان أنّهما ملتزمتان بها ، نستطيع أن نكوّنَ نظاماً تربوياَ وبرنامجاً لنشر هذه القيم التي من شأنها أن تُظهِرَ من جديد أهميةَ هذه القيم بالنسبة إلى ميادين هذا العالم الأرضيّة ، وأن تعودَ فتنشطَ على صعيد آخر علاقاتنا المسيحيّة الإسلاميّة التاريخيّة .
      هنا يكمن ، في رأيي ، التحدي الذي يواجهنا مسيحييّن ومسلمين : إلى أي مدى نحن قادرون على أن نتعمّقَ في كنوزنا الروحيّة الغنيّة ونخلقَ بالتالي الشروطَ والأطر لنحوّل فروقاتنا إلى تنوّع ، ونتمكّن ، جواباً على هذا التنوّع ، أن نسيرَ نحو التسامح والاحترام .
      ينبغي لنا أن نعملَ على تعزيز الحوار بين جماعتينا ، بين المسيحييّن والمسلمين ، إذ إننّا في الظروف الراهنة لم نرث فقط الأرضَ بصورة حرفيّة ، بل أيضاَ لأنّه منوطٌ بنا بأقوى الشدّة إمّا أن نستثمرَ الأرض وإمّا أن نُلحِقَ بها الضرر . فبتعزيز الثقة المتبادلة بيننا  نزيل الخوفَ والتوتّرات التي تضاعفت وأبعدتنا كثيراً بعضنا عن بعض . وعلينا أن نعلمَ أنّ أعمال الأقليّة لا تعكس إرادة الأكثريّة ، وأنّ كلّ قصاص يجب أن يكون عادلاً ومناسباً  كما ورد في القرآن :<< ولا تَزِر وازرةٌ وِزرَ أخرى >>                      (164:6؛7:39).

 

 

صالحة محمود