ماذا يعنى موت الزرقاوي بالنسبة للعراق

الجمل: في ديسمبر 2005م، واستناداً إلى تقارير صحفية، حددت المخابرات العسكرية الأمريكية شيخ عبد الرحمن باعتباره المعلم الروحي لزعيم القاعدة في العراق: أبو مصعب الزرقاوي. هذا، وبتتبع الشيخ عبد الرحمن لعدة أشهر، وجمع المعلومات أكثر عنه، أصبحت وكالة المخابرات الأمريكية، أكثر تأكيداً واقتناعاً، بأن أبو مصعب الزرقاوي يلوذ بمنزل آمن بالقرب من بعقوبة، الواقعة شمال بغداد، وفي ليلة 7 حزيران، تم إصدار الأوامر بتوجيه ضربة جوية على المنزل، مات في أعقابها الزرقاوي من جراء تدمير القصف الجوي الذي حدث. وبعد ساعات من الإعلان عن مقتل الزرقاوي، قام رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي، بتسمية وتعيين وزراءه ، للداخلية، والدفاع، والأمن الوطني.
إن هذه الوقائع تتميز بتطورين إيجابيين إزاء عملية التحول الجارية في العراق- كما يقول البعض – ولكن على الرغم من ذلك، عندما تقوم بتحليلها، يتبين لنا بأنها سوف لن تؤدي إلى تغيير اتجاه المسار السائد حالياً نحو المزيد من الاضطراب والعنف، الذي حل بالعراق فوراً بعد إسقاط نظام صدام حسين.
أسطورة الزرقاوي:
بسبب طبيعة تنظيم القاعدة في العراق، من الصعب جداً القيام بعملية تقدير وتخمين دقيقة لتأثير مقتل الزرقاوي على مستويات العنف الطائفي والسياسي.
ولكن، يبدو من المؤكد، على أية حال، أن تأثير مقتله سوف يكون قليلاً جداً في كبح جماح عمليات سفك الدماء والعنف المنفلت العنان في العراق حالياً. هذا، وتأثير مقتله يعتمد بقدر كبير على مستوى ودرجة سيطرته على تنظيم القاعدة في العراق، وعلى أهمية ووزن هذا التنظيم وحجم إسهامه في عمليات العنف الدائرة حالياً في العراق.
وإذا نظرنا للجانبين، يتبين لنا بأن تنظيم القاعدة في العراق سوف يميل بشكل غالب إلى تمجيد مقتل زعيمه، وبالتالي فإن تأثير عملية موت الزرقاوي على القتال سوف تكون هامشية، خاصة وأن القاعدة ليست وحدها التي تقاتل في العراق بل هناك تنظيمات أخرى، تساهم في العنف مثلها مثل القاعدة.
إن الهيكل التراتبي لتنظيم القاعدة في بلاد الرافدين، غير واضح المعالم، وشديد الالتباس إلى حد الغموض، ومن غير المعروف مستوى سيطرته ونفوذه على شبكة المقاتلين الأجانب في العراق. هذا، وعلى الأقل حوالي 20 من (ضباط) الزرقاوي قد تم قتلهم أو اعتقالهم بالعراق منذ عام 2003م وحتى الآن، ولكن ما هو واضح أن تنظيم القاعدة كان طوال هذه الفترة قادراً على أن يقوم بسرعة بملء أي (وظيفة شاغرة) في هياكله الداخلية. وفي الحقيقة، وفوراً بعد مقتل الزرقاوي قام موقع إسلامي على شبكة الأنترنت بنشر بيان حدد فيه عبد الرحمن العراقي، (الذي كان نائباً لأمير التنظيم أبو مصعب الزرقاوي) باعتباره الزعيم الجديد لتنظيم القاعدة بالعراق. هذا، وقد صاحب هذا الإعلان بعض الالتباس، وذلك لأن اسم عبد الرحمن العراقي سبق أن تمت الإشارة إليه باعتباره الأب الروحي والمرشد لأبي مصعب الزرقاوي، والذي قالت السلطات الأمريكية بأنه قد قتل في عملية القصف.
هذا، وقد خمن المحللون احتمال أن يكون هذا الاسم لشخصين مختلفين. كذلك في نفس الوقت قامت السلطات الأمريكية بوضع شخص أخر ، هو أبو أيوب المصري، باعتباره الأكثر احتمالاً لأن يكون خليفة لأبي مصعب الزرقاوي. وقد كان الجنرال وليام كالدويل المتحدث الرسمي الأمريكي في العراق هو الذي حدد اسم أبو أيوب المصري.
هذا، وأبو أيوب المصري ، هو مصري الجنسية، يعتقد بأنه جاء إلى العراق قادماً من أفغانستان في عام 2002م، حيث كانت له اتصالات مع زعيم القاعدة المصري الجنسية أيمن الظواهري.
تؤكد هذه التطورات وتشير بوضوح إلى أن هيكل تنظيم القاعدة في العراق سوف يتطور ويستمر، ويمكن أن يقوى ويشتد عوده، إذا أثبت القادة الميدانيون الجدد في العراق كفاءة أكبر.
إن سمعة وشهرة أبومصعب الزرقاوي باعتباره مقاتلاً شرساً لا يقبل المساومة، والتي تفتقر إلى الحجج الدينية، قد جعلته لا يقارن مع شخصين : بن لادن وأيمن الظواهري. كذلك فقد أدت هجماته المفرطة العنف إلى تقليل شعبيته في وسط بعض شرائح العرب السنيين في العراق، من الذي يتقاسمون ويتشاركون معه هدف إخراج الولايات المتحدة بالقوة من العراق وإقامة دولة سنَّية إسلامية .
كذلك يعتقد بعض المحللين بأن أبا مصعب الزرقاوي، قد أضعف جبهة وحدة الصف الإسلامي المعارضة للوجود الأمريكي في العراق، وذلك عندما شجع وحرض على الهجوم ضد الشيعة، ومن أبرز الأمثلة على ذلك، أحد أشرطة الفيديو، وزعه الزرقاوي، قبل مقتله بفترة قليلة، قال فيه:" إن جذور الشيعة واليهود واحدة"، ومضى أبعد من ذلك، عندما وصف الزعيم الشيعي أية الله العظمى علي السيستاني بأنه كافر.
فقد أدت هذه التصريحات إلى تعميق الانقسام في المجتمع الإسلامي بالعراق، وصعدت التوترات بين السنة والشيعة في الأماكن الأخرى، بشكل أدى إلى احتمالات بإمكانية تقاتل المليشيات الإسلامية بعضها البعض، كذلك أدت هذه التصريحات إلى تخريب جهود أسامة بن لادن الرامية والساعية إلى توحيد وتفعيل كل المسلمين ضد "العدو البغيض" الذي تمثله الولايات المتحدة وحلفاءها.
في تموز 2005م، على سبيل المثال، أفادت الأنباء بأن أيمن الظواهري، قد أرسل خطاباً إلى الزرقاوي، يستفسره فيه عن هجماته ضد الشيعة، وقد حذره أيمن الظواهري في هذا الخطاب، بأن "هذه المسائل من الممكن أن يتم تداولها بشكل معمم في دوائر المجاهدين وتؤثر في آرائهم حول مدى صحة هذا الصراع مع الشيعة في مثل هذا الوقت.
خليفة الزرقاوي:
مع أن الزرقاوي، بالفعل، قد نجح في شحذ همم الأجانب لكي ينضموا لصفوف التمرد في العراق، إلا أن البعض يعتبر أن الزرقاوي قد فشل في أن يصبح قائداً شعبياً للعراقيين. هذا، وأحد المخاطر التي ترك مقتله (احتمالاتها مفتوحة أمام الولايات المتحدة والحكومة العراقية، تتمثل في احتمال أن يكون خليفة الزرقاوي أكثر كفاءة وقدرة.
على النحو الذي يجعل تنظيم القاعدة في العراق يحصل على كسب المزيد من ولاء قلوب وعقول السنة العراقيين، فإن ذلك وحدة كفيل بأن يشكل خطراً داهماً على
الحكومة العراقية الجديدة ، عما كان عليه الأمر تحت غطاء (قبعة) الزرقاوي. واستنتاجاً من الوقت الذي تم إنفاقه في المراوحة بين شخصيتي المصري و الزرقاوي، يعتقد المحللون بأن المصري إذا استطاع أن يمسك بالسيطرة على زمام التنظيم، فإنه سوف يستطيع توجيه القاعدة في العراق ضمن مسار يشبه تماماً ما يعرف باستراتيجية بن لادن. هذا، وإضافة لذلك، فإن العراقي باعتباره البديل المحتمل أو الممكن الآخر ليحل محل الزرقاوي، يعتقد بأنه عراقي الأصل، (الزرقاوي كان أدرنياً)، وهذا يعني بأنه من الممكن أن يكون أكثر قدرة في التنافس على كسب تأييد وولاء العراقيين.
من المفيد الإشارة إلى أن تنظيم الزرقاوي، يمثل جزءاً صغيراً من حركة التمرد المسلحة في العراق، ومايزال ثمة عدد كبيراً من الضحايا العراقيين قد سقط بسبب عمليات تم تنفيذها بواسطة تنظيم الزرقاوي، من جراء لجوئه إلى أساليب وتكتيكات غريبة لا تقرها ولا توافق عليها معظم الجماعات المسلحة العراقية الأخرى. وبرغم كل ذلك، يمكن القول بأن دور الزرقاوي الصغير في العمليات المسلحة بالعراق، سوف لن يؤدي إلى القضاء على التوترات الطائفية أو تغيير مستوى شدة العنف الجاري حالياً.
لقد تم صياغة الدستور العراقي على أساس اعتبارات أن يكون متماشياً مع الخطوط الطائفية، ومن ثم فقد تم تشكيل الحكومة العراقية لتتماشى أيضاًَ مع هذه الخطوط الطائفية، كذلك أصبحت قوى الأمن تعمل بقدر كبير على أساس القوى الطائفية. ومن ثم، فإن التوجه نحو تفتيت العراق على أساس خطوط التقسيم الطائفي سوف لن يؤدي مقتل الزرقاوي إلى التراجع أن النكوص عنه، وأيضاً لن يؤثر في شدة العنف الذي سوف يصاحب هذه التوجه. وحالياً على مايبدو، فإن معظم المسؤولين الأمريكيين أصبحوا مقتنعين تماماً بأن شدة العنف في العراق سوف لن تقل أو تنخفض من جراء مقتل الزرقاوي.
إن تعيين وزير داخلية، فوراً وبسرعة بعد مقتل الزرقاوي، على أية حال ، قد يكون له دلالة على ثمة قدرة كامنة من أجل الإبطاء من هذا التوجه الطائفي. خاصة وأن جواد البولاني، ظل غير متورط أو مشارك في أي ميليشيا عراقية، وذلك على خلاف الوزير الذي كان قبله، ومن ثم يتوقع الكثيرون بأن واحداً من أولوياته سوف يتمثل في القضاء على "فرق الموت" الموالية للمسلمين الشيعة، والتي تشير الكثير من الآراء بأنها ظلت تستهدف المسلمين السنة، هذا، وعلى أية حال، فإن قدرة وكفاءة وزير الداخلية الجديد، في القضاء على المليشيات المسلحة العراقية، سوف تعتمد على قدرته على الاضطلاع بأمر الخلاف والانقسام بين الفصائل والمليشيات المعنونة تحت التحالف العراقية الموحد للشيعة، والذي يرفض فيه كل طرف حل وتسريح المليشيات الخاصة به إذا لم يفعل الطرف الآخر ذلك أولاً . وبالتالي فإن وزير الداخلية الجديد سوف يجد نفسه مواجهاً بإداء وإنجاز مهمة جبارة ، وهي مهمة يعتبر على الأرجح أن استمرارية حكومته نفسها سوف تعتمد على نجاح إنجازها.
تقييم واستنتاج :
في الوقت الذي شكل فيه مقتل الزرقاوي انقلاباً في العلاقات العامة المشتركة بين الجيش الأمريكي والحكومة العراقية، إلا أنه على الأرجح سوف لن يؤثر بقدر كبير على توجه تقييم وتفتيت العراق طائفياً. هذا، وقوات الزرقاوي، تشكل جزءاً صغيراً من التمرد، كما أن مقاتلي الفصائل والمليشيات الأخرى، سوف يواصلون عملياتهم ضد الحكومة والقوات الأمريكية وحلفاءها. وإضافة لذلك، فإن الزرقاوي سوف يحل محله على وجه السرعة، مثل كل (الضباط) الذين كانوا يخوضون المعارك قبله. وحيث أن الزرقاوي كان يمثل وجه القاعدة في العراق، والشخصية الرئيسية الواضحة من بين كل التنظيم، فإن بديله، قد يؤدي إلى تجميع التأييد المحلي الشعبي بفعالية أكبر. وبالنتيجة فإن تعيين وزير الداخلية يتضمن احتمالاً بحدوث تأثير أكبر باتجاه تقليل العنف الطائفي، وبرغم أن كل مهام هذا الوزير الجديد تبدو هائلة الضخامة، فمن المتوقع أن يكون تأثيره قليلاً في تغيير التوجه السائد نحو تفتيت وتقسيم العراق.

 

الجمل : قسم الترجمة
الكاتب أدام وولف
المصدر: بينار