أهمله أولاده والشؤون الاجتماعية فحمله حماره

«أبو العيس» هو سوبر ستار الشوارع والأزقة وتلك القرى المنسية بين إدلب وحماه.. صوته رخيم ومميز في نداءات البيع لبضائع دكانه المتنقل على ظهر حمار، يقطع الطرقات والبراري بين تجمّع قرى تنتظر «أبو العيس» أكثر من لهفتها بانتظار التنمية المستدامة!!.

الملبّس حسب زبائنه له نكهته الخاصة، إنها نكهة «أبو العيس»، كذلك ميزة بعض الأقمشة والأساور والأمشاط والدبابيس والشكلات، والميداليات، والقدّاحات، والموالح، والراحة، والبسكويت.. وكل ما يتسع له ظهر الحمار و«خرج» الدكان الجوّال.. قيل له مرّة: لماذا لا تشتري هاتفاً جوالاً يا «أبو العيس»؟ فأجاب: لأحافظ على دكاني الجوّال، وأخشى من التحضر كي لا ينتزع حماري؟! ‏

هنا يعبّر «أبو العيس» عن مأساته في الحياة.. مأساة جعلت تعلقه بحماره يتفوّق على تعلّقه بأولاده الذين تحضّروا وتملّكوا عقارات وبيوتاً في المدينة وأهملوه وبخلوا عليه براتب شهري أو مصروف يعادل ربح دكان متنقّل على ظهر حمار..! ‏

وكان «أبو العيس» لا يتردد أحياناً أمام بعض الخاصة بالقول: كل ما تبقى لي في هذه الحياة هو حماري.. بيني وبينه عشرة عمر، لم يخذلني يوماً ولم أهمله يوماً، وكل ما أخشاه أن يجوع بعد مماتي؟!. ‏

بات «أبو العيس» عجوزاً متهالكاً وعصبياً جداً، وجعلته الحياة وحيداً ومقطوعاً من شجرة مع أن شجرة عائلته مزحومة، ويشعر أن قسوته نتيجة من نتائج ظروفه العائلية، ولا يفرّغ عصبيته وقسوته إلا بمن «يمون» عليه في هذه الحياة، حماره فقط.. ويسيطر على الحمار بطريقة فريدة، حتى انه ينام على ظهر دابته فتعلم بغفوة العجوز وتؤمّن له الهدوء والوقوف حتى الاستيقاظ من النوم راكباً. ‏

وكان عندما يريد الركوب على ظهر حماره يقترب به الى صخرة مناسبة الارتفاع ليصعد عليها أولاً، وتتمثل أصعب المراحل عندما يضع العجوز رجله على ظهر الحمار بينما الرجل الأخرى لاتزال على الصخرة، وهنا يجسّـد الحمار أعمق أشكال الوفاء والمداراة، فلا يبدي أية حركة إذ يتكفّل ذلك بسقوط سيّده.. ‏

سُئل أبو العيس يوماً: كيف أمكنك السيطرة على حمارك بهذه الطريقة؟! فأجاب: خصيته كي لا يشتهي أي حمارة وأي ملذّة من ملذات الحمير سوى علفه، ولذلك استسلم لمهمته الوحيدة في الحياة بأن يكون مصدر رزقي الوحيد وسيارتي الحيوانية بلا «زمور»..!! ‏

ويقصد «أبو العيس» بالزمور صوت الحمار، إذ من النادر أن يسمع الأهالي النهيق.. ‏

أما حمار «أبو العيس» فيشتهر بكونه حماراً طيعاً وشديد التحمّل والخنوع والهدوء، ويتحمّل ضربات العجوز حتى على أعضاء حميرية حساسة، وارتبط منظره بالدكان الجوّال وبصاحبه الراكب غالباً.. ‏

تدخّل بعض الأهالي لدى أولاد «أبو العيس» من أجل العناية بوالدهم الذي ألمّت به الأمراض، وساء وضعه أكثر بعد وفاة زوجته وبقائه وحيداً، ويصرّ على التنقل بدكانه وحماره بين القرى، لكن أولاده ظلّوا منشغلين بشؤونهم وأعمالهم وخلافاتهم العقارية، فهم مشهورون أيضاً بالدعاوى القضائية الكثيفة فيما بينهم، ثم اجتمعوا لأول مرة معاً في مجلس واحد بعد تبلّغهم النبأ التالي: «أبو العيس» مات بسبب عاصفة ثلجية وبرد قارس على ظهر دابته في العراء.. ‏

مات «أبو العيس» بارداً جداً، وشهد مجلس عزائه دفناً مزيفاً، إذ سرعان ما تبلّغ أحد أولاده دعوى قضائية جديدة المدعي فيها شقيقه!! ‏

وبينما كان يستعجل الجميع لملمة شادر التعزية والذهاب الى خلافاتهم أطلق الحمار المخلص نهيقاً نادراً نتيجة الجوع بعد وفاة صاحبه.. والجوع هو أكثر الأمور التي قاومها «أبو العيس» وتغلّب عليها الحمار وعوائد دكان متجول، بالمقابل كانت أكثر الأمور التي عصفت به شبع أولاده بالعقارات والسيارات التي يمتلكونها وبتخمة الدعاوى القضائية المتبادلة فيما بينهم! ‏

ظافر أحمد

المصدر: تشرين