آخر المواضيع المتعلقة
أرشيف البلدان
أرشيف الأيام
الأجندة

الجمهورية العربية الملكية

مع سقوط الاستثناء اللبناني يمكن القول، براحة ضمير، إن العرب قد هجروا «بدعة» الجمهورية ونجحوا في اختراع «الملكية الجمهورية» التي ليس لها شبيه في التاريخ السياسي: فالرئيس العربي عموماً «ينتخب» باستفتاء شعبي تنظمه أجهزة الأمن المموّهة ب«الحزب الحاكم»، من دون منافس، ومؤخراً فقط تمّ ابتداع «المنافس» لاستيفاء الشكل الديموقراطي بتوكيد الزعامة المطلقة التي لا تقهر..
في لبنان وحده كانت ولاية رئيس الجمهورية محددة بست سنوات لا تنقص، حتى لو أخطأ واتهم بارتكاب الكبائر، وأقصى العقوبة أن ينتخب بديله، قبل بضعة شهور من انتهاء ولايته.
في السنة ,1995 ومع سيادة منطق «استثنائياً ولمرة واحدة» جرى أول تعديل لدستور ما بعد اتفاق الطائف، للتمديد لرئيس الجمهورية «نصف ولاية»... ثم كان التمديد الثاني للرئيس الخلف باعتماد الخروج على القاعدة الدستورية والاقتراب من تكريس الاستثناء قاعدة..
فأما الممالك والسلطنات والإمارات التي يحصر فيها حق الحكم بأسر مالكة فأمرها معروف... لكن بضعة من رؤساء الجمهوريات العربية تجاوزوا في المدد التي أمضوها في سدة الحكم أطول الملوك عمراً، مع فارق بسيط: أنهم كانوا يصرّون على أن يجمعوا مزايا الملكية إلى المزايا الجمهورية، فهم «منتخبون» مباشرة من الشعب، ديموقراطياً، ولا يحكمون بقوة «الدم الأزرق» الذي يمنحهم الحق الإلهي في السلطة، مطلقة أو دستورية لا فرق..
... ولقد لعبها علي عبد الله صالح على الأصول: كان يعرف أن خيار اليمنيين محدد ومحدود.. فهم لم يعرفوا غيره رئيساً، ملكاً، خليفة، قائداً، مرجعاً أخيراً لمختلف شؤون حياتهم السياسية والاقتصادية، بما يتجاوز صلاحيات «الإمام» الذي كان يملك البلاد والعباد ويقرّر المصائر جملة وتفصيلاً.
يعرف علي عبد الله صالح، تمام المعرفة، أن اليمنيين لا يعرفون غيره من «الرجال العامين» مؤهلاً لأن يكون المنافس الجدي فكيف بأن يكون البديل... فهو، بإنجازاته وأخطائه، يمكن أن يطلق على نفسه ألقاباً عدة واقعية منها: موحّد اليمن بعد فصل قسري دام قروناً وتجسّد، بعد الاستقلال ونجاح الثورتين، شمالاً وجنوباً، في دولتين.. ثم إنه المجتهد، وبقدر معرفته، في بناء الدولة الحديثة بالقبائل القديمة.
وقبل سنتين، سألت رئيس مجلس الشورى الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر، عما يتردد من شائعات حول احتمال أن يورث علي عبد الله صالح نجله الأكبر رئاسة اليمن، فأجابني شيخ مشايخ قبائل حاشد (ومنها عشيرة الرئيس): ولِمَ لا؟! هذا الرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش فتح الطريق أمام ولده للرئاسة.. وقد نجح الرئيس حافظ الأسد، رحمه الله، في تأمين السابقة عربياً وذلك باختيار ابنه رئيساً، وهذا معمر القذافي يحضّر ولده، فلماذا استهجان مثل هذا الأمر في اليمن؟
... فأما العقيد معمر القذافي الذي يرفض أن يسمى رئيساً، فهو يحكم ليبيا منذ سبع وثلاثين سنة متواصلة تضاعف خلالها شعب ليبيا ثلاث مرات... وهو قد أراح نفسه وشعبه من الاستفتاءات المنظمة المعلنة نتائجها قبل إجرائها، إذ عيّن نفسه قائداً للثورة الكونية الدائمة، ولم يحتفظ لهذه القيادة إلا بالسلطة والثروة والسلاح، تاركاً ما تبقى للجانه الثورية!
والرئيس السوري الراحل حافظ الأسد حكم سوريا، بالاستفتاء المنظم لأكثر من ثلاثين سنة، تحت لافتة حزب البعث العربي الاشتراكي..
... والرئيس صدام حسين الذي أسقط العراق أمام الاحتلال الأميركي فقد حكم أرض الرافدين عشر سنوات من خلف ستار قريبه الرئيس أحمد حسن البكر ثم حكمه أربعا وعشرين متواصلة بغير شريك، وهو بذلك قد مهّد لوريثه: الاحتلال.
.. والرئيس المصري حسني مبارك يحكم مصر بالاستفتاء المنظّم منذ خمس وعشرين سنة، وهو أمد الله في عمره قد شارف على الثمانين.. وإن كان ارتضى في الاستفتاء الأخير المموّه بالشكل الانتخابي أن يكون له «منافس» يعزّ عليه الفوز برئاسة مجلس بلدي في مدينته..
أما الرئيس التونسي فإنه يجدد لنفسه، باستفتاء منظم، كلما انتهت ولايته، بعد أن يختار «منافسه» شخصياً..
والأرجح أن تأخذ الجزائر بالخيار ذاته، إلا إذا كان لرئيس الرؤساء جميعاً، أي الجيش، رأي آخر..
في الفترة من 1948 حتى 2006 تناوب على رئاسة الحكومة في إسرائيل (وهي أهم بما لا يقاس من رئاسة الدولة) 12 قائداً مقاتلاً (و15 رئيس دولة) وفي الفترة ذاتها تناوب على سدة الرئاسة في الولايات المتحدة الأميركية عشرة رؤساء، لم يحكم أعظمهم شعبية أكثر من ولايتين (أي 8 سنوات).
سقط الاستثناء اللبناني. عاشت الجمهورية الملكية بالاستفتاء الديموقراطي!

 

 

طلال سلمان

المصدر: السفير