أمهات الكتّاب وظلالهن الخفية في أدب الابناء

29-03-2006

أمهات الكتّاب وظلالهن الخفية في أدب الابناء

والدة بورخيس مستبدّة ووالدة كامو صمّاء ووالدة بروست مثقفة

عجز الكاتب ميشال راغون عن الكتابة وأمه على قيد الحياة، فقد اجتاحه عندما حاول ان يكتب، إحساس بعدم الحياء فاكتفى بتدوين الملاحظات، في حين اعتبر ايكتور بيانكيوتي انه كتب لأمه، بغية جعلها تغلب الأسى الذي سببه لها الولد الذي كانه. اما كتاب جاك بوريل "العبادة" الذي حاز جائزة غونكور عام 1965 وهو مثال ادبي مذهل عن الحب البنوي، فقد بدأ بوريل بكتابته خلال وجوده في المستشفى قرب والدته المريضة. علاقة الكاتب بوالدته متفاوتة في حدتها وانعكاساتها الأدبية باختلاف شخصية الأم وطباعها وقربها من ابنها. ففي حين كان حضور والدة بورخيس طاغياً، لعبت والدة كامو المتوارية دوراً اكثر خفراً خصوصاً اذا ما قارناه بدور والدة بروست المتملّكة.
ليونور بورخيس
كانت ليونور اثيفيدو سواريث الرفيقة الدائمة وصاحبة الحضور القوي على امتداد حياة خورخي لويس بورخيس الراشدة. وحتى قبل ان يفقد بصره تماماً، أملى عليها نصوصه وقرأت هي له. بدأت والدة بورخيس المترجمة، العمل معه بصفتها سكرتيرته الخاصة، وعندما عجز عن الكتابة والقراءة عجزاً تاماً، اعتمد عليها كلياً إلى وفاتها وهي في التسعين. امتلكت آراء مسموعة في شأن صداقات ابنها وعارضت تأليفه كلمات لمقطوعات تانغو، وحتى انها دبّرت له زواجاً لم يسعده وذلك بهدف إبقائه تحت سيطرتها حتى بعد رحيلها.
تتذكر خادمة بورخيس ايبفانيا اوفيدا دي روبليدو والتي كان يسميها الكاتب فاني، والدة بورخيس بحنو في ذكرياتها والمؤلف التي جمعتها في "السيد بورخيس"، ولكنها تضيف أن ليونور صاحبة الشخصية الحادة امرأة متسلّطة دبرت زواج ابنها وهو على عتبة السبعين من ايلسا استيتي، وهي صديقة قديمة كانت قد ترمّلت للتو. رفض بورخيس قضاء ليلة عرسه في "فندق دورا"، المكان الذي انتقته والدته، الاّ انه عند انفصاله عن زوجته بعد ثلاث سنوات، عاد ليسكن مجدداً معها. لكنه في نهاية الأمر فرّ من دائرة معارف أمه الأرستقراطيين وأوهام العظمة عبر علاقته بتلميذته الشابة ماريا كوداما، التي عملت معاونته في سنواته العشرين الأخيرة، علاقة أخفاها عن أمه وجلبت له الهناء. وقد أصدرا معاً عام 1984 سيرة رحلاتهما الى أماكن مختلفة مع نصوص لبورخيس وصور لكوداما.
في سنواته الأخيرة، عبّر بورخيس عن فخره بوالدته وعن احترامه لذاكرة أجداده، في موقف يناقض ما قاله في مقابلة أجريت معه عام 1967: "ان آل اثيفيدو (وهي عائلة أمه) جهّال على نحو لا يصدق" وأضاف وهو يتحدث عن علاقة والديه "كان لأبي تأثير عليها وليس العكس. انتمت أمي الى عائلة أرجنتينية مرموقة، في حين كان أبي رجلاً متحرراً ومثقفاً: كانت والدته إنكليزية بروتستانتية وامتلك مكتبة قيمة. من الناحية الثقافية، عاش في عالم أكثر تركيباً من عالم أمي".
سكن المؤلف تحت سقف أمه تقريباً في حياته كلها. وخلال حكم بيرون الذي ناهضه بورخيس سياسياً تلقّت والدته العجوز اتصالاً من صوت رجل يهددها "نحن آتون لقتلك أنت وابنك" فأجابت "سأكمل سنواتي التسعين لذا عليكم الإسراع بالحضور، أما في ما يتعلق بابني، فسيكون الأمر سهلاً عليكم، بما انه ضرير".
في الأربعينات اعتُرف ببورخيس أحد ابرز الكتاب الأرجنتينيين ولكنه ظلّ على الصعيد الخاص شخصية قلقة قادت علاقته المعقدة بوالدته أكثر من امرأة إلى نبذه. وعندما سافرا معاً إلى الولايات المتحدة الأميركية عام 1961 اعتقد بعضهم انهما رجل وزوجته بسبب مظهرها الشاب وشعرها الفضي.
كاترين كامو
يقول مورسو الشخصية الرئيسية في كتاب الفرنسي البير كامو "الغريب" "توفّيت والدتي اليوم. أو ربما بالأمس، لا أدري، تلقيت برقية من المنزل: -ماتت أمنا. المأتم غداً. بإخلاص-. هذا لا يعني شيئاً". قدم البير كامو في الرواية شخصية مُدانة واقعة بين موتين، موت الوالدة وموته الشخصي ووصف علاقاته الفاترة بمن حوله التي غاب عنها التعبير عن المشاعر. في مقابل أم بورخيس المتسلّطة، كانت كاترين هيلين سينتيس والدة كامو صاحبة الأصول الاسبانية امرأة أميّة متوارية وعملت خادمة. ذكرها كامو أكثر من مرة في كتاباته وخصوصاً في سيرته "الرجل الأول" المنشورة بعد وفاته والتي يتحدث فيها عن أمّ حُرمت الأشياء كلها إلاّ من قدرتها على الحب. فقد الكاتب والده لوسيان اوغوست قبل بلوغه السنة اثر اصابته في معركة مارن العسكرية. بعد وفاة الوالد، نقلت الأم العائلة المؤلفة من ولدين إلى ضواحي بيلكور الجزائرية، حيث تشاركت وجدة الأولاد في الشقة. وفي مقابل حديث الجدة المستفيض، وجد الولدان أمهما كتومة اكثر مما يجب في منزل غابت عنه الكهرباء والكتب والصحف حتى المجلات. يتذكر كامو انه في المنزل الأبوي "لم تكن للأشياء أسماء". عانت الأم من الصمم الجزئي نتيجة جلطة أتلفت قدرتها على النطق، لكنها استطاعت قراءة الشفاه لتتواصل وابنها الذي أحبها كثيراً: "في اللحظة التي لم تكن عينا أمي "تستريحان" علي، لم استطع ان انظر اليها من دون ان تحتبل عيناي بالدموع".
قضى كامو القسط الأكبر من طفولته يجول الشوارع، ووجد الولد المستقل امامه والدة حاضرة ولكن بعيدة في الوقت نفسه، لم تتدخل في تربية ولديها كما فعلت الجدة. قبل إتمامه السبعة عشر عاما، أصيب بنوبة سل وسيلازمه هذا المرض طوال حياته، وستطبع الإصابة نشاطه اليومي وتعمّق تجربة المرض وعيه للموت ولحتميته. كانت حياة الام، حياة صمت وعمل، يذكرها تتكئ على عتبة النافذة تراقب الشارع عبر أزهار الحوض، وتخرج إلى الرصيف في فصلي الربيع والصيف كرسياً لتسترق السمع على أحاديث الجيران. لم تضحك او تبكي أمام افراد عائلتها بل رسمت على شفتيها ابتسامة ابدية. رأى كامو في صمت والدته "علامة كرامة وشرف" ومع أنها لم تتدفق حناناً لكن جهود صاحبة اليدين الحمراوين الحاملتين آثار الروماتيزم "البطولية" لإبقاء عائلتها مكتفية شكّلت مصدر إعجاب للكاتب.
جان بروست
خصّصت افلين بلوش-دانو، كتاباً لسيرة جان بروست والدة الكاتب مارسيل بروست حمل عنوان "مدام بروست"، اعتمدت فيه على ارشيف المراسلات التي تبادلها الابن والام، وارثة اسرة برجوازية تحدّثت لغات متعددة، وبيّنت ميلاً واضحاً للادب. محبة، ومتملّكة، هُجست حتى وفاتها بابنها المُعرّض للمرض والمثلي الميول. لم تتوقف عن تشجيعه على التأليف ولعبت دوراً محورياً في اختياره الأدب وفي تنمية انضباطه في الكتابة. حرّرت الثورة الفرنسية عائلة جان بروست اليهودية، واسمها وهي عازبة جان فيل، من وزر التمييز الاجتماعي فارتبطت بطبيب كاثوليكي، وشكلا معاً مثالاً لترقّ اجتماعي نجد صداه في رواية "جان سانتوي". نادت مدام بروست ابنها بـ "ابلهي الصغير" mon petit nigaud او "ساذجي الصغير" mon petit serin وفي رسائلها حمل لقب "الذئب" و"ذئبي المسكين". وجه بروست مئات من صفحات "البحث" الى أمه وبدت وكأنها رسائل بُعث بها إلى شخصية كانت في الوقت عينه إنسانة معبودة ومنتهكِة للحُرمات. تنازعت والدة بروست الرغبة في حماية ولدها حتى الغلواء وفي مساعدته على ان يصبح في النهاية رجلاً اي ان تسمح له بأن يكبر. ساعدت هذه الأم المثقّفة بروست مادياً وترجمت له رسكين ورافقته في أسفاره لكن هذا الارتباط المرضي بوالدته برمج حياته إلى جانب نوبات الربو التي انتابته. وسيُفضي بروست إلى الكاتب موريس باريس. "لم تكن حياتنا سوى تدرّب لكي أستطيع ان أتخلّى عنها، لليوم الذي ستتركني فيه". ولن تكون الكتابة بالنسبة لبروست بعد موتها سوى امتداد لهذا التمرين فهو لم يستطع في الواقع ان يجتاز يوماً مرحلة الحداد عليها.

 

رلى راشد
عن صدى البلد

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...