العدوانية لدى الأطفال

01-06-2008

العدوانية لدى الأطفال

يُعتبر السلوك العدواني من أحد أهم السلوكيات التي يتصف بها كثير من الأطفال في عصرنا الحاضر وبدرجات متفاوتة، ويُقصد به: اي سلوك من شأنه ايقاع الأذى الجسدي او النفسي او الألم بالذات او بالآخرين او بالأشياء، حيث يظهر بين الأخوة داخل الأسرة وبين الطلاب في المدرسة وفي الشوارع والأماكن العامة بأشكال مختلفة، لفظية وبدنية.
ويتصرف الذكور بشكل عدواني أكثر من الإناث، والسبب وراء هذا الفرق بين الجنسين يعود إلى عوامل بيولوجية تم التأكد منها من خلال الأبحاث والدراسات التي أجريت في هذا الصدد وعوامل بيئية، حيث يفرض المجتمع توقعات معينة لسلوك الإنسان حسب جنسه، فنتوقع من الفتى ان يكون عدائياً ومنافساً في تصرفاته، بينما تشجع الفتاة على التسامح والتعاون.
هناك عدة أسباب تدفع الأطفال في عصرنا الحاضر إلى التصرف بعدوانية، حسب ما يشير إليها أخصائيو علم النفس منها:
- الشعور بالنقص: قد يدفع شعور الطفل بنقصه من الناحية الجسمية او العقلية او النفسية، كأن يفقد أحد أعضائه، او يسمع من يصفه بالحمق والغباء والألفاظ الجارحة، مما ينعكس على سلوكه تجاه الآخرين، فيلجأ إلى الانتقام بالضرب او كسر ما يقع تحت يديه، وذلك بأسلوب لا شعوري، فيشعر باللذة والنشوة لانتقامه ممن حوله.
- الفشل والإحباط المستمر: يؤدي عامل الفشل كالرسوب المتكرر، او الفشل في شؤون الحياة الأخرى كالهزيمة في المسابقات والرياضات، إلى التصرف بعدوانية كرد فعل تجاه هذا الفشل او الإحباط، وخاصة إذا عيّره أحد بذلك، فيلجأ إلى تمزيق كتبه وإتلاف ملابسه او الاعتداء بالضرب او السرقة تجاه المتفوق دراسياً.
- الكبت المستمر: سواء في البيت من قبل والديه او اخوته الكبار، او من المدرسة من قبل المعلمين والإدارة، وكذلك حرمانهم من اكتساب خبرات جديدة باللعب والفك والتركيب وغيرها، فيؤدي هذا الكبت إلى دفع الطفل للتخفيف والترويح عن نفسه وإفراغ الطاقة الكامنة في جسمه والتي تظهر على شكل عدوانية انتقاماً من مواقف الكبت المفروضة عليه.
- التعرض لخبرات سيئة سابقة او القسوة الزائدة من الوالدين او أحدهما او مايسمى بغياب الحب والدفء الأسري، كأن يتعرض الطفل لكراهية شديدة من زوج الأم، او زوجة الأب بعد وقوع الطلاق او وفاة أحد الوالدين، او قد يتعرض الطفل لكراهية شديدة من قبل معلميه او رفض اجتماعي من قبل زملائه الطلاب او رفض اجتماعي عام، مما يدفع به إلى العدوانية في السلوك.
- التقليد: في كثير من الأحيان يظهر السلوك العدواني بدافع التقليد في الأفلام والمسلسلات حتى الكرتونية منها، ونجد في بعض الأحيان ان التقليد يكون للأب او الأخوة او أحد أفراد المجتمع الذين يتسمون بالعنف والعدوانية، فنجد ان الطفل يقلد هذه المصادر، ولا يوجد مكان أحب إليه من إظهار قدراته ومهاراته القتالية من المدرسة، حيث يبدأ في أذية زملائه ومعلميه وقد يؤذي نفسه.
- وقد تؤدي العائلة دوراً رئيسياً في تطوير العدوانية عند الطفل، فعندما يهدده الوالدان وينتقدانه ويضربانه، يؤدي ذلك إلى رفضه إطاعة أوامرهما، ويثابر في رفضه هذا حتى يعودا ويستجيبا لمطالبه.
- محاولة الابن الأكبر فرض سيطرته على الأصغر، واستيلائه على ممتلكاته فيؤدي بالصغير إلى العدوانية.
- محاولة الولد فرض سيطرته على البنت واستيلائه على ممتلكاتها، وللأسف نجد بعض الآباء يشجعون على ذلك، فيؤدي ذلك الأمر بالبنت إلى العدوانية.
- تشجيع الأسرة على العدوان: فهناك بعض الأسر تشجع على العنف والقسوة والعدوانية في التعامل مع الحياة ومع الناس، فيظهر ذلك في طريقة تعاملهم مع أقرانهم وفي ألعابهم.
يرى علماء النفس انه يمكن معالجة العدوانية او الوقاية منها والتخفيف من حدتها على الأطفال من خلال:
- إشعار الطفل بذاته وتقديره وإكسابه الثقة بنفسه، وإشعاره بالمسؤولية تجاه اخوته، وإعطائه أشياء ليهديها لهم بدل ان يأخذ منهم، وتعويده مشاركتهم في لعبهم مع توجيهه بعدم تسلطه عليهم.
- عدم مقارنة الطفل بغيره وعدم تعييره بذنب ارتكبه او خطأ وقع فيه او تأخره الدراسي او غير ذلك.
- السماح للطفل بأن يسأل ولا يكتب، وان يجاب عن أسئلته بموضوعية تناسب سنه وعقله، ولا يعاقب أمام أحد، لا سيما اخوته وأصدقاءه.
وإعطاء الطفل فرصة للتعرف على ما حوله تحت إشراف الآباء والمعلمين، بحيث لا يضر الطفل بنفسه او غيره، فقد يكون السبب في العدوانية هو عدم إشباع بعض الحاجات الأساسية له كتلبية رغبة الطفل في اللعب بالماء تحت رقابتنا، وعدم منعه من ذلك كي لا يبلل ملابسه، وكذلك تقديم ورق او جرائد قديمة او قطعة قماش مع مقص ليتعلم الطفل كيف يقص مع مراعاة ألا يجرب وحده، فيما نحرص على عدم إتلافه، وان نقفل الأدراج التي لا نريده ان يعبث بها، وإبعاد الأشياء الثمينة بعيداً عنه، مع إمداده دائماً بألعاب الفك والتركيب كالمكعبات، وكذلك توفير الأنشطة البدنية الايجابية للطفل كالرياضة بكافة أشكالها لكي تعمل على تصريف أشكال القلق والتوتر والضغط والطاقة بشكل سليم، ويجب إعادة ترتيب البيئة المنزلية والمدرسية للطفل التي تتضمن أماكن واسعة في غرف النوم والمعيشة وأماكن اللعب وغرف الصفوف فتقلل من التوترات والانفعالات، وان يكون هناك من يشرف على لعبهم، وبالتالي يحد من ظهور مشكلات سلوكية تنبع عن غياب الرقابة.
- تنمية الشعور بالسعادة عند الطفل: فالأشخاص الذين يعيشون الخبرات العاطفية الايجابية كالسعادة وتوفير دفء وعطف الوالدين وحنانهما عليهم يميلون لأن يكون تعاملهم مع انفسهم ومع غيرهم بشكل لطيف وخال من اي عدوان او سلوك سلبي آخر، اما الاشخاص الذين تعرضوا لاساءة المعاملة من قبل الوالدين واهمال عاطفي واجتماعي فقد يسعون لاستخدام العدوان بأشكاله المختلفة وذلك من اجل جلب انتباه الاسرة واشعارها بوجوده وضرورة الاهتمام به.
 إن اساءة المعاملة الجسمية والنفسية كالضرب والتوبيخ بالالفاظ الموجهة للاطفال تؤدي الى اضطراب في الجهاز العصبي المركزي، فأصحاب الجهاز العصبي القوي يصبحون قساة مراوغين كاذبين، اما اصحاب الجهاز العصبي الضعيف يصبحون خائفين عديمي الارادة والثقة بالنفس.
- العمل على خفض مستوى النزاعات الاسرية: فمن المعروف ان الاطفال يتعلمون الكثير من السلوك الاجتماعي من خلال الملاحظة والتقليد وعلى ضوء ذلك يتوجب على الوالدين او الاخوة الكبار ألا يعرضوا الاطفال الى مشاهدة نماذج من النزاعات التي تدور داخل الاسرة وذلك لما له من اثر سلبي على الابناء يتمثل في تعليم الاطفال لطرق سلبية لحل النزاعات ومنها السلوك العدواني، فالبيئة الاسرية الخالية من النزاعات وذات الطابع الاجتماعي تنمي لدى الطفل الشعور بالأمن وبالتالي استقرار الذات.
 وكذلك الاقلال من التعرض لنماذج العنف المتلفزة، حيث اظهرت نتائج كثيرة لدراسات نفسية ان النماذج العدوانية التي يتعرض لها الاطفال في التلفاز تؤثر بشكل قوي على ظهور السلوك العدواني، وذلك لأن وسائل الاعلام المرئية والمسموعة والمقروءة تلعب دوراً كبيراً في تعليم النماذج السلوكية الايجابية والسلبية.
فلحماية الاطفال من التأثير السلبي للتلفزيون لابد من الاشراف على محتوى البرامج التي يشاهدها الطفل، وتشجيعه على مشاهدة برامج ذات مضمون ايجابي بدلاً من البرامج التي تتميز بالعنف حتى وان كانت رسوماً متحركة فمن الواجب عدم عرضها امام الاطفال.
- عدم الاستسلام لنوبات الغضب المفاجئة وتلبية رغبات الطفل: فاذا استسلم الابوان لطلبات واوامر الطفل دون ضوابط فإنهما يعلمانه ان السلوك الذي اتبعه لنيل رغباته هو سلوك مجدٍ، ويؤتى بالثمار المطلوبة وهما بذلك يضعان بداخله أولى بذور العدوانية إذا لم يضعا له حدوداً واضحة لايمكنه تخطيها، ويجب ان يكونا هادئين لنزع فتيل غضبه، أي يستدعيا عقله، ويقوما بدعوته إلى التفكير، وتعويده بالتالي على السيطرة على انفعالاته وتحويلها إلى مناقشة داخلية بينه وبين نفسه.
- وضع ضوابط سلوكية لتعامل الطفل مع الآخرين: وذلك لتعويد الطفل على أن السلوك العدواني تجاه الآخرين هو سلوك غير مقبول، وسيترتب عليه عقاب ما، مع استخدام أساليب المدح والثناء والإثابة على السلوكيات الايجابية لتدعيمها لديه.
من هنا نجد ان الاسرة لها الدور الكبير وكذلك المدرسة والاعلام للتغلب على تحديات العصر التي تخلق وتولد العدوانية في ذهن الطفل ومخيلته لتصبح بعد ذلك إحدى سماته المتميزة، وأهم مايمكن فعله هو تعليم الطفل كيفية إقامة العلاقات مع الآخرين على أساس من الود والتفاهم والاقناع المنطقي واحترام حقوق الآخرين، وعدم اللجوء إلى العنف الجسدي الذي يعد سمة من سمات المجتمعات المتخلفة التي تحكمها شريعة الغاب، واستخدام العقل والحكمة، وكذلك الحرص على دفء العلاقات الأسرية، وإظهار الود والحنان للطفل.. وقد اثبتت الاحصائيات ارتفاع معدلات جرائم الأحداث في المجتمعات التي لاتعرف قيمة للعلاقات الأسرية، وأهمها غياب الحب والدفء الأسري.

زاهدة محمد غويش

المصدر: البعث

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...