السنة والشيعة: إدارة الصراع وتوازنات المصالح

04-07-2006

السنة والشيعة: إدارة الصراع وتوازنات المصالح

الجمل: شهد تاريخ المنطقة العربية القديم، الكثير من الصراعات، والثورات، ومن أبرز الخلافات التي أثرت على التطور السياسي الخلاف السني الشيعي، الذي أثرت انعكاساته السلبية، على تطور الدولة الإسلامية في بداياتها الأولى، وترك بصماته على العلاقات البينية داخل المجتمعات الإسلامية، لاسيما على طول الخط الفاصل بين العراق والخليج العربي من جهة والدولة الإيرانية من الجهة الأخرى.
كذلك في هذه المجتمعات الإسلامية، برزت ظاهرة الأقليات الدينية، فهناك أقليات شيعية في الخليج العربي واليمن وساحل شرق إفريقيا، كذلك هناك أقليات سنية في المنطقة الإيرانية.
أولاً: البعد الهيكلي البنائي:
- الشيعة: في البلدان العربية، يشكل الشيعة أغلبية تصل إلى 67% من سكان العراق، وحوالي 15% من سكان السعودية، حيث يتمركزون في الجزء الشرقي من المملكة حصراً، كذلك يشكل الشيعة أغلبية سكانية في دولة البحرين، وهناك وجود شيعي معتبر في لبنان وسورية.
- السنة: في البلدان العربية يشكل السنة أغلبية كبيرة في كل البلدان العربية، ماعدا العراق والبحرين، وكذلك ينقسم السنة إلى العديد من الكيانات الدينية الفرعية، وتتميز بشكل أساس بالطابع السلفي.

ثانياً: البعد القيمي:
على أساس اعتبارات معطيات الخبرة التاريخية، كانت المجتمعات الشيعية تقود الثورات، وهناك تسلسل كبير من وقائع الثورات التي قامت في مناطق الشيعة في بلاد فارس ضد الخلافة الإسلامية، كذلك يتميز الشيعة بالحركية الفكرية، والاجتهاد العقلي، واستخدام معطيات الفكر الفلسفي، الأمر الذي جعلهم في مواجهات دائمة مع العقل السني المحافظ، الذي يلتزم بمبدأ طاعة أولي الأمر، وأمراء المؤمنين، وعلى هذه الخلفية استطاع علماء الشيعة تشكيل العديد من المذاهب والمدارس الفكرية التي استطاعت بلورة المزيد من تيارات الاستنارة في حركة العقل الإسلامي.
الخلاف السني الشيعي، ظل طوال هذه الفترة الطويلة كامناً داخل البنى الفكرية للعقل العربي والإسلامي، وعلى أساس اعتبارات المبدأ الجدلي القائل بأن الأفكار عندما تملك ذهن الإنسان فإنه تتحول –ضمن شروط معينة- إلى قوة مادية، فقد ظل الشيعة يسعون دائماً إلى التغيير والتجديد بينما ظلت القوى السنية تعمل على أساس السياقات القيمية المحافظة التي أرساها ابن تيمية مؤخراً.
برز المشروع السني، في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية وذلك ضمن حركة الأخوان المسلمين، التي قامت كرد فعل على سقوط الخلافة الإسلامية العثمانية، وذلك لجهة التأكيد على استمرارية المشروع الإسلامي، أما المشروع الشيعي، فقد بدأ بشكل قوي في الثورة الإسلامية الإيرانية، التي أعطت حركة النهوض الشيعي دفعة قوية.
كان للحركات السنية دوراً كبيراً في معارضة التيارات العلمانية في العالم العربي والإسلامي، وكانت الأكثر تحالفاً مع أمريكا والغرب، لاسيما في فترة الستينيات والسبعينيات والثمانينات من القرن الماضي. أما الحركات الشيعية فقد كانت الأكثر عداء لأمريكا والغرب، ويبدو أن ذلك العداء قد تعزز أكثر على خلفية الدعم الأمريكي الغربي للحكومات الخليجية وللحركات السنية.
في الفترة الأخيرة تبلور البعد القيمي بين التيارين، على النحو الآتي:
- المشروع السني: وتمثله بشكل أساسي حركات الأخوان المسلمين والتنظيمات الوهابية والسلفية وأنصار الاتجاه المدرسي الشرعي الإسلامي.
- المشروع الشيعي: وتمثله بشكل أساسي الكيانات الدينية الشيعية ومرجعياتها الدينية ومدارس الحوزات الدينية.

ثالثاً: البعد التفاعلي:
الصياغة السياسية للمشروعين السني والشيعي، تقدمت إلى الأمام، وأصبحت أكثر مؤسسية، ويمكن توضيح ذلك على النحو الآتي.
- المملكة العربية السعودية:
تأكد وجود (حزب الله السعودي)، وذلك بعد قيامه بتنفيذ إحدى العمليات النوعية الكبيرة، عندما فجر مقاتلوه أبراج مدينة الخبر، وقتل 19 من عناصر القوات الجوية الأمريكية.
الخلافات والعداوات السنية –الشيعية في السعودية تعود إلى عام 1801م، عندما قام رجال القبائل الوهابيون بمهاجمة مدينة النجف الأشرف، والحقوا الكثير من الأضرار بمرقد الإمام الحسين، وبالمقابل قام الشيعة بالانتقام عام 1803م، عندما قام أحد رجالات الشيعة باغتيال عبد العزيز ملك السعودية، ولم يتوقف الأمر عند ذلك الحد، وبعدها استمر حدوث الكثير من المناوشات والمنازعات بين الشيعة والسنة في السعودية والخليج، وحالياً يتبنى شيعة المملكة السعودية وبلدان الخليج العديد من المطالب الاقتصادية فيما يتعلق باستحقاقاتهم من التنمية والثروة وعائدات النفط، بالإضافة إلى مطالبتهم بوجود ممثلين عنهم في هياكل الحكم والسلطة.
- لبنان:
يتمركز الشيعة في لبنان بشكل أساسي في جنوب لبنان، وفي مناطق طرابلس وبعلبك، ويشكلون ثالث أكبر كتلة سكانية، على أساس اعتبارات الاستفتاء الذي أجرته فرنسا في النصف الأول من القرن الماضي، وينص الدستور اللبناني، القائم على أساس المحاصصة الطائفية على أن يكون رئيس مجلس النواب من الشيعة، ومن أبزر تنظيمات الشيعة السياسية نجد حركة أمل، وحزب الله، وقد شاركت الفصائل الشيعية في الحرب الأهلية اللبنانية.
يتميز الشيعة في لبنان بمواقفهم الصلبة ضد المخططات الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة، أما المجتمع السني اللبناني، فقد أصبح موحداً بقدر كبير تحت قيادة الراحل رفيق الحريري، وإلى الآن لا زال العدد الأكبر من سنة لبنان يدعمون تيار المستقبل الذي يتزعمه سعد الحريري.
والمراقب للأحداث في المنطقة يستطيع أن يرى أن هناك صراع سني –شيعي، أخذ بالتزايد منذ الوجود الأمريكي فيها، وسنقوم بتسليط الضوء على أطراف ودوائر هذا الصراع.

قوى الصراع وخارطة التحالفات:
* في العراق:

- الأطراف الشيعية: كتائب بدر، جيش المهدي.
- الأطراف السنية: الجيش الإسلامي في العراق، جيش محمد، جيش المجاهدين، تنظيم القاعدة في بلاد ما بين النهرين، إضافة إلى بعض الجماعات المسلحة التابعة لزعماء القبائل السنية.
* في لبنان:
- الأطراف الشيعية: حركة أمل، حزب الله.
- الأطراف السنية: تنظيم عصبة الأنصار، حزب التحرير، تنظيم القاعدة.
* في السعودية:
الأطراف الشيعية: حزب الله السعودي.
الأطراف السنية: جماعات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الجماعة الوهابية، الجماعة السلفية، أنصار السنة المحمدية، تنظيم القاعدة.
يجب الإشارة إلى أن القوى والأطراف المشار إليها، ليست هي الوحيدة في العالم العربي، بل توجد قوى أخرى منتشرة في كل البلدان العربية، تقريباً.. فهناك الجماعات الإسلامية الأصولية المصرية مثلاً.. مثل: تنظيم الجهاد، جماعة التكفير والهجرة، الأخوان المسلمين.
كذلك أوردت الأنباء وجود تنظيم يسمى جند الشام، بالإضافة إلى الكثير من التنظيمات الأصولية، التي أسستها مجموعات أمضت فترة مع المتطوعين الإسلاميين الذين كانوا يقاتلون في أفغانستان، وعادوا إلى بلدانهم العربية، وعملوا على تشكيل العديد من التنظيمات السياسية الأصولية السنية الطابع.
ويوجد أيضاً أطراف أخرى خارجية تعمل في المنطقة، تتمثل بشكل أساسي في إسرائيل، الولايات المتحدة، بريطانية، فرنسا، وبعض المنظمات الدولية الرسمية والدولية غير الحكومية.

دوائر الصراع:
برغم وجود العديد من الصراعات في العالم العربي، مثل الصراع الجزائري، والصراعات السعودية، والصراع المصري، والصراع المغاربي حول الصحراء الغربية، إلا أننا سوف نركز هنا على الصراعات السنية والشيعية التي تتضمن وجودواً سنياً شيعياً سياسياً مزدوجاً، وعلى أساس من هذه الاعتبارات، يمكن القول بوجود أربعة دوائر رئيسية للصراع في العالم العربي.
الدائرة الأولى: الصراع الفلسطيني
الدائرة الثانية: الصراع العراقي
الدائرة الثالثة: الصراع في منطقة الخليج والمملكة السعودية
الدائرة الرابعة: الصراع اللبناني
نلاحظ أن كل هذه الدوائر تتضمن وجود فصائلياً سنياً وشيعياً، على نحو ينعكس في ازدواجية خطابها السياسي والحربي، فالخطاب السياسي الشيعي في العراق ولبنان والسعودية يختلف عن الخطاب السياسي السني في المنطقة نفسها..

خارطة التحالفات:
تشير خارطة التحالفات إلى أوضاع تجريبية غير مألوفة، ففي الوقت الذي تقوم به المنظمات والحركات الشيعية مثل حزب الله، وحركة أمل اللبنانيان، وحزب الله السعودي، بمناهضة الوجود الأمريكي والإسرائيلي والمخططات الأجنبية، تجد أن المنظمات الشيعية في العراق أكثر سلبية، إن لم تكن متواطئة مع الوجود الأمريكي البريطاني.
كذلك، في الوقت الذي تقاتل فيه التنظيمات والجماعات السنية القوات الأمريكية والوجود الأجنبي في العراق، تجد أن الأنظمة السنية الموجودة في الخليج والكويت والسعودية تعمل على دعم الوجود الأمريكي...

إدارة الصراع وتوازنات المصالح:
* توازنات الأطراف الداخلية:
- دائرة الصراع الفلسطيني: تقدم التيار السني تحت زعامة حماس، وأصبح يسيطر على السلطة الفلسطينية، ولكن تيار حركة الجهاد الإسلامي المدعوم إيرانياً وشيعياً، ما زال يواصل حركته ومن المتوقع أن تزداد تعقيدات الحالة الفلسطينية، لاسيما وأن التناقضات الحادة العدائية بين الفصائل الفلسطينية لا تتجاوز حدود المناوشات، وذلك لأن هجمات إسرائيل تؤدي لتوحيد التيارات والفصائل الفلسطينية، وعلى أقل تقدير إلى تجميد صراعاتها.
- دائرة الصراع العراقي: تطورت الصراعات البينية العراقية –العراقية، على خلفية الموقف من الاحتلال الأمريكي، والمرجعيات المتعددة العلمانية –الدينية (السنية – الشيعية).
- دائرة الصراع في منطقة الخليج والمملكة السعودية: لا تزال الحركات ذات الطابع السياسي محدودة واقل تأثيراً، لكن هناك نفوذ كبير للحركات السلفية الدينية ذات الطابع السني.
- دائرة الصراع اللبناني: توجد في لبنان كل (البنيات التحتية) للصراع الداخلي، وعلى خلفية خروج القوات السورية من لبنان، عادت من جديد حالة الشحن والاحتقان والتوتر السلبي بين الأطراف اللبنانية.

* توازنات الأطراف الخارجية:
الدور الذي تقوم به الأطراف الخارجية، هو الأكثر خطورة في المنطقة، وذلك لأنها تفهم جيداً طبيعة وخطورة التقسيمات الاجتماعية والثقافية والدينية في هذه المنطقة، وهي تعمل على تحريك التفاعلات وفقاً لمعطيات هذه الحقائق المجتمعية.
الواضح تماماً أن البنية الاجتماعية العربية تختزن قدراً هائلاً من العنف الكامن والمتراكم على مدى مئات السنوات بين طوائفها الدينية وفئاتها الاجتماعية، وحالياً تقدم المخابرات الأمريكية والبريطانية بالإشراف على واحد من أكبر الـ (مختبرات) المختصة بالصراعات والنزاعات الداخلية وذلك على النحو الآتي:
قام البنتاغون بوضع (برنامج عملية الزرقاوي) –راجع موقع الجمل-، وذلك لتنفيذ بعض العمليات، وتحميل مسؤولياتها للزرقاوي، كذلك استطاع بعض مواطنو مدينة البصرة، القبض على جنود بريطانيين يرتدون الأزياء العراقية، ويقومون بزرع قنابل ومتفجرات لتفجيرها بالمواطنين الشيعة...
يشير هذا وبوضوح إلى نتيجة واحدة هي: تحريك العنف الكامن ضمن الجماعات السنية ليتحول إلى عنف سلوكي وظيفي ضد الجماعات الشيعية.. وبالتالي إشعال الحرب الأهلية.
أما بالنسبة للحالة اللبنانية القادمة، فلن تكون أفضل من ذلك، فإن ظهور الأنصار، ومنظمة القاعدة وحزب التحرير، كمنظمات سنية متشددة، ووضعها أمام حزب الله وحركة أمل الشيعيان، ثم قيام الأطراف الأجنبية بعمليات لتحريك العنف الكامن وتحويله إلى عنف سلوكي لاسيما بعد خروج القوات السورية، حيث أصبح لبنان ساحة مكشوفة لتلك الأطراف الأجنبية.
وبعد ذلك تكون المرحلة الأكثر خطورة، وهي نقل عدوى الصراعات العابرة للحدود، بحيث تتم عملية نقل العدوى إلى سورية، عبر ثلاثة محاور: المحور اللبناني، المحور العراقي، إضافة إلى الدور الذي يمكن أن تقوم به الأطراف الدولية والأجنبية في دعم عملية نقل هذه العدوى عن طريق العقوبات والضغوط الدولية.

 

الجمل: قسم الدراسات

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...