مفهوم المذاهب ومقوماته

المذهب اصطلاح قديم استخدمه المفكرون والنقاد للدلالة على الخصوصية التي يرى بها المبدع شيئاً ما أو أمراً ما، ونركز هنا على الخصوصية في الرؤية لأنه لا يجوز أن نسمي أيَّ رؤية مذهباً ما لم تكن تتمتع بالخصوصية المستقلة والمتمايزة، وإن كان ذلك ممكناً فهو بالمجاز وحسب يمكن أن يكون ممكناً.
الخصوصية في الرؤية ذات أكثر من بعد ومستوى:
في المستوى الأول قد تكون خصوصية الرؤية للموضوع أو الأمر أو الشيء جزءاً من منظومة متكاملة في فهم الوجود وتفسيره، فنكون هنا أمام فلسفة أو مذهب فلسفي، وهذا هو شأن الفلاسفة كلهم منذ نشأت الفلسفة وحتى أواسط القرن العشرين، وإن كان يفترض إلى اليوم، أي يوم سيأتي، فلكل فيلسوف مذهبه الفلسفي الذي هو رؤية منهجية موحدة منظمة للوجود وما وراء الوجود، ترجع إلى مبدأ أساسي أو جملة قليلة من المبادىء الأساسية التي يفهم أو يفسر الوجود من خلالها في مختلف ميادينه وتمظهراته وتمثلاته وفروع دراسته من زواياه المتباينة والمختلفة.
المذهب الفكري في أي ميدان من الميادين هو صورة من صور المذهب الكلي للفيلسوف، وزاوية من زوايا رؤية الفيلسوف للوجود، تنسجم هذه الرؤية من مبادىء المذهب الكلي، بل تنطبق مبادىء المذهب الكلي على أي من الميادين الفكرية ضمن أطر محددة من شمولية التعميم.
في المستوى الثاني من خصوصية الرؤية المذهبية نجد إمكان أن تتنوع رؤى المفكر أو ربما الفيلسوف فلا تجمعها وحدة مذهبية كلية أو مبادىء محددة ترجع إليها مختلف الميادين، فلا يكون من الضروري أن تتوافق تفسيرات المفكر أو تحليلاته في هذا الميدان أو ذاك على مبدأ أو مبادىء تفسر على أساسها مختلف الميادين.
هذا الاحتمال صعب الوجود ولكنه غير ممتنع، لأنه من الصعب أن يكون المفكر، وهو مفكر، صاحب أفكار أو رؤى متناقضة ما بين ميدان وآخر، أو حتى أن تكون مختلفة أو متباينة إلى درجة تقترب من التناقض، ولذلك عندما نتحدث عن تباينات في رؤى المفكر بين هذا الميدان وذاك فإننا لا نعني أن يكون المفكر متناقضاً في فكره ما بين هذا الميدان وذاك، وإنما نعني أن تكون للمفكر رؤاه الخاصة لأكثر من ميدان من دون أن تجمعها منظومة مذهبية واحدة، أي خلاف ما هو عليه شأن الفلاسفة، وربما يتفق أن يكون لهذا المفكر أو ذاك رؤيته المذهبية الواحدة لميادين كثيرة، ولكن لسبب، أو يخرج عن هذا المذهب الكلي أو الرؤية المذهبية لتكون له رؤيته الخاصة في ميدان من الميادين التي تتباين بمستوى من التباين عن رؤيته المذهبية الواحدة.
في المستوى الثالث من خصوصية الرؤية المذهبية نجدنا أمام مفكرين يختص الواحد منهم بميدان من الميادين وحسب، وتكون له فيه رؤيته الخاصة التي ترتقي إلى أن تكون مذهباً في هذا الميدان، فنكون أمام مفكر اقتصادي، مفكر سياسي، مفكر اجتماعي، مفكر أخلاقي.. وغير ذلك من الميادين الأخرى.
وثمة من يرى جواز تسمية المفكر من هذا الطراز بالفيلسوف، ولكن الفيلسوف الجزئي، إن صح التعبير، أي ما يسمى فيلسوفاً اجتماعياً، فيلسوفاً سياسياً.. وهلم جرا، وربما لا يكون في ذلك كبير مشكلة، وخاصة في عصرنا هذا الذي عز فيه وجود الفيلسوف بالمعنى التقليدي.
ما تجدر الإشارة إليه هنا هو ضرورة التمييز بين المفكر صاحب المذهب من جهة أولى، والمختص في ميدان من الميادين من جهة ثانية كالاقتصاد مثلاً، فليس كل اقتصادي مفكراً، ولا صاحب مذهب مهما كان بارعاً في اختصاصه، إلا إذا كان له مذهبه الخاص الذي يتميز به عن غيره من أصحاب المذاهب الاقتصادية.
الاقتصادي أو رجل الاقتصاد، ونقيس عليه أي اختصاص آخر، يقوم بتطبيق مذهب ما أو خلاصة أكثر من مذهب اقتصادي في ممارسته الاقتصادية، ومهارة الاقتصادي وبراعته ومدى تمكنه وسعة اطلاعه هي التي تلعب الدور الحاسم في اختيار المذهب المناسب أو التوفيق بين معطيات مذهب أو أكثر في ممارسته الاقتصادية ضمن بيئة محددة هي التي يعمل فيها، أما المفكر الاقتصادي فيقدم نظرية أو مذهباً خاصاً يتسم برؤية متمايزة عن النظريات أو المذاهب الاقتصادية الأخرى.
هنا تجدر الإشارة إلى أنه ليس من الضروري أن يكون المفكر الاقتصادي أكثر براعة في الممارسة الاقتصادية من الاقتصادي أو رجل الاقتصاد، حتى في تطبيق نظريته أو مذهبه الخاص، لأن الممارسة الاقتصادية ليست تطبيق النظرية وحسب، إنها عملية متكاملة مع المنظومة السياسية والاجتماعية وحتى الأخلاقية في المجتمع أو الدولة، ناهيك فوق ذلك عن أن الممارسة الاقتصادية هي مهمة أخرى أو ميدان آخر مختلف عن مهمة المفكر وميدانه.. ويمكن تعميم ذلك على معظم الميادين الأخرى، من جهة العلاقة بين المهني وصاحب المذهب أو النظرية.
هذه المستويات الثلاثة هي أبرز مستويات المذهب، وأكثرها  ظهوراً ووضوحاً، وهي وفق وجهة نظرنا على الأقل، وليست تقسيماً يجب بالضرورة أن يلقى الاتفاق أو التوافق التام، ربما نكون أمام وجهات نظر أخرى في تحديد مستويات المذهب، بما يعني أنه قد تزيد هذه المستويات عدداً وقد تختلف توصيفاً وتحديداً، ولذلك لا ندعي أن ما قدمناه هو التحديد النهائي لمفهوم المذهب ومستوياته، وإن كان مفهوم المذهب تحديداً لا يخضع لكثير من تباين وجهات النظر وليس عرضة لها لأنه مفهوم يحظى بالتوافق الاصطلاحي بين المفكرين عامة، ولكن ضمن حدوده العامة التي اكتفينا بها.
مقومات المذهب
المذهب، كأي مفهوم، يرتبط تحديده بمجموعة من المقومات التي هي جزء من المفهوم، وهي الجزء الأساسي من تحديد المفهوم وتمييزه عن غيره من المفاهيم عامة، أو المفاهيم المشابهة أو المقاربة خاصة.
ومقومات المذهب هي:
1- الخصوصية: صحيح أن أول وأهم المذاهب عامة، والمذهب الاقتصادي ضمناً، هو خصوصية الرؤية التي يتخذها الفيلسوف أو المفكر الاقتصادي، ويتميز بها عن غيره من المذاهب الاقتصادية الأخرى السابقة والراهنة للمفكر أو الفيلسوف، إلا أن الخصوصية ليست هي كل المحددات اللازمة لإطلاق تسمية المذهب على ما يقدمه الفيلسوف أو المفكر من فكر اجتماعي، أو سياسي، أو اقتصادي أو غيره، فقد تكون الخصوصية متحققة ولكنها مفتقرة إلى  المقومات اللازمة كلها أو معظمها أو بعضها للارتقاء بهذه الخصوصية إلى مستوى المذهبية، ولذلك نحن بحاجة إلى استكمال لوحة المقومات الأخرى اللازمة إلى جانب الخصوصية من أجل إطلاق اسم أو وصف المذهب على ما يقدمه المفكر الاقتصادي من أفكار اقتصادية.
2- الوحدة: أول ما يتطلبه المذهب من مقومات بعد الخصوصية هو الوحدة المذهبية، إذ لا يجوز إطلاق اسم مذهب على أية مجموعة من أفكار متناثرة مهما كثرت وتنوعت ومهما امتلكت من الأهمية.. إذا لم تجمعها رابطة واحدة من المبادىء أو ربما المبدأ الواحد غالباً، فمجموعة الأفكار مهما كثرت وتنوعت تظل ككومة الأحجار التي لا يمكن أن نطلق عليها اسم بيت ولا بناء ولا برج.. ما لم ترتبط ببعضها بمجموعة من الروابط الكافية والمناسبة التي تسوغ لنا أن نطلق عليها هذا الاسم أو ذاك من بيت أو بناء أو غيره.
انتظام هذه الأفكار بمبدأ واحد أو أكثر هو الذي يحولها من أفكار إلى فكرة مذهب أو مذهب جمالي، أو أخلاقي، أو اجتماعي، أو اقتصادي أو غير ذلك، لأن المبدأ أو مجموعة المبادىء المنسجمة هي الرابطة التي تشبك الأفكار في منظومة واحدة تسمح بتسميتها بالمذهب.
3- التكاملية: الشرط أو المقوم الثالث من مقومات المذهب هو تكاملية الرؤية، فتقديم بعض الأفكار الاقتصادية حتى ولو كانت تقوم على مبدأ أو جملة مبادىء منسجمة، وحتى لو تمتعت بالخصوصية، فإن ذلك لا يكفي لإطلاق اسم أو وصف المذهب عليها إذا لم تكن رؤية متكاملة لمختلف الجوانب التي يتطلبها المذهب الفكري.
4- الكفاية: الشرط أو المقوم الرابع من مقومات المذهب هو الكفاية، وهذا المقوم من أكثر المقومات أهمية وضرورة لأنه ربما يجوز لعذر أو آخر الاستغناء عن مقوم من المقومات السابقة، ولكن لا يجوز الاستغناء عن الكفاية شرطاً من شروط إطلاق وصف المذهب على مجموعة الأفكار المحددة.
والكفاية من جهة أولى هي أن تكون المبادىء الأساسية للمذهب كافية ليبنى عليها المذهب، ومن جهة ثانية أن يكون المذهب كافياً لتفسير أو فهم النشاط الاقتصادي من جوانبه المختلفة أو الأساسية منها على الأقل.
5- الأساس الايديولوجي: الشرط أو المقوم الخامس من مقومات المذهب موضع خلاف على الأغلب، فهل من الضروري أن يستند المذهب إلى أساس ايديولوجي أم لا؟
ربما تختلف الإجابات، بل من المؤكد أننا سنكون أمام العديد من الإجابات المتباينة ما بين الآلاف على ضرورة الاستناد إلى أساس ايديولوجي، وما بين ضرورة عدم الاستناد إلى أية ايديولوجيا، وما بين هذين الطرفين مستويات عديدة من القبول والرفض.
الحقيقة التي لابد من ذكرها هنا هي أن الاستناد إلى الايديولوجيا ليس مطلباً لتكوين المذهب أو تأسيسه، وإنما هي جزء صميمي من مكوناته. لا نقول لا يقوم المذهب من دونها ولكننا نقول لا يخلو المذهب من قاعدة أو أساس ايديولوجي هو البنية الفكرية التي يقوم عليها فكر الفيلسوف أو نظريته، فالايديولوجيا مبثوثة في كل فكر وكل نظرية، شاءت ذلك أم أبت، لأنه لا توجد فلسفة ولا يوجد فكر بلا انتماء سابق على تكون الخصوصية الفكرية أو الفلسفية للمفكر أو الفيلسوف، وحتى العالم في كثير من الأحيان والحالات، بل ليس من الخطأ أبداً القول بأنه لا يوجد فكر غير منتم، لا يوجد فكر بلا غايات قبلية أو بعدية أو معاً، ولا يمكن إلا أن تكون هذه الغايات في المحصلة مرتبطة بايديولوجيا أو مبينة على ايديولوجية معينة.
بهذا المعنى نجد أن الأساس الايديولوجي أو الايديولوجيا جزء أساسي من مقومات المذهب، وهذا الجزء يوجد في المذهب بغير إرادة صاحب المذهب ولا قراره المباشر إلا قراره السابق باعتناق هذه العقيدة أو المنظومة الفكرية التي ستكون هي مادة الايديولوجيا أو مضمونها، أي خلاف الشروط أو المقومات الأخرى التي يتطلب تحقيقها وعياً وتخطيطاً وترتيباً وتبويباً وتفكيراً بمنهج ما من المناهج.
الايديولوجيا بوصفها جزءاً أو مقوماً من مقومات المذهب هي الجزء الذي يحدد هوية المذهب ويوجه المفكر أو الفيلسوف في اختياره الأفكار والمناهج والأدوات، وتحديد الخيارات وتنسيقها وتنظيمها ومناقشتها.. وهي أخيراً ليست شرطاً مسبقاً أبداً، وربما ليست شرطاً أبداً بقدر ما هي جزء منبث في فكر الفيلسوف أو المفكر لا ينفصل عنه.

 

عزت السيد أحمد

المصدر: البعث