ميراثنا الثقافي وراء ضمور ثقافتنا السياسية

تشكل الثقافة السياسية لأي مجتمع الوعاء الحاوي لتجارب وممارسات وطرق معيشته .. فلكل مجتمع خصوصية تعكسها ثقافته السائدة بين أبنائه، تلك الثقافة التي تطورها مجموعة القيم والمفاهيم والمعارف التي اكتسبها عبر ميراثه التاريخي والحضاري وواقعه الجغرافي والتركيبة الاجتماعية وطبيعة النظام السياسي والاقتصادي، فضلاً عن المؤثرات الخارجية التي شكلت خبراته وانتماءاته المختلفة، والثقافة السياسية هي جزء من الثقافة العامة للمجتمع.
   يقصد بالثقافة السياسية " مجموعة المعارف والآراء والاتجاهات السائدة نحو شئون السياسة والحكم، الدولة والسلطة، الولاء والانتماء، الشرعية والمشاركة " وتعنى أيضاً منظومة المعتقدات والرموز والقيم المحددة للكيفية التي يرى بها مجتمع معين الدور المناسب للحكومة وضوابط هذا الدور، والعلاقة المناسبة بين الحاكم والمحكوم .

   عقدت مؤخراً جمعية خريجات الجامعة عضو الاتحاد الدولي للجامعات بمكتبة مبارك العامة، ندوة بعنوان " ثقافتنا السياسية بين تحديات الحاضر ومتطلبات المستقبل"، حاضر فيها كلا من : الدكتور مصطفي الفقي رئيس لجنة الشئون الخارجية بمجلس الشعب، الدكتور سمير فياض نائب رئيس حزب التجمع، الدكتور عبد الله العريان وكيل كلية التخطيط العمراني، والدكتور صديق عفيفي رئيس أكاديمية طيبة للعلوم ، ولخص الندوة وقدم لها التحليل البنيوي الدكتور جورج أُنسي .

   ألقت عزيزة الحمامصي رئيسة الجمعية كلمة أوضحت فيها دور المنظمات الغير حكومية في نشر التثقيف السياسي في المجتمع، ومبينه في ذات الوقت الصعوبات التي تتعرض لها تلك المنظمات والتي يمكن التغلب عليها من خلال تنظيم الخبرة وتدريب كوادرها ووضع تخطيط علمي ومساعدتها في اختيار المشروعات المناسبة لدورها.

   وتطرقت الحمامصي إلى الكوارث الأخيرة التي لحقت بمصر ودور المنظمات في تقديم المساعدة، مؤكدة أنها بسيطة فكان من المفترض أن تدرس الأسباب وراء ما حدث وتقدمها للدولة وتشارك في وضع خطة حتى لا تتكرر تلك الكوارث وقد بلغت نسبة المشاركة في الانتخابات ، الرئاسية 23% ، ووفقاً لهذه لنسبة هناك ما يقرب من 77% من الشعب المصري ممن لهم حق التصويت وفقاً للدستور والمواثيق الدولية المعنية بحقوق الإنسان لم يشاركوا في الانتخابات الرئاسية.

   وقالت : " عكست الانتخابات الأخيرة تراجع بمن أدلوا بأصواتهم، والسؤال ما هي الأسباب وراء التراجع ؟ هل القوانين التي فرضت علي الأحزاب أم الظروف الاقتصادية ساعدت علي التراجع؟  " ووجهت عتاب إلى المثقفين الذين لم يصوتوا بالشكل المناسب في انتخابات الرئاسة والانتخابات البرلمانية، متسائلة: هل لان أصواتهم لن تسمع وان سمعت لن تنفذ ؟!

   كما وجهت عتاب إلى المرأة التي لم تشارك بالنسبة المرجوة حيث صوتت مليون امرأة من 3.5 مليون امرأة لها حق التصويت، أما عن الشباب فقالت : " نعاتب أنفسنا قبل أن نعاتبه لأننا لم نؤهله للمشاركة فلم يحيا حياة جامعية متكاملة ولم يتربى علي التطوع الذي هو مفتاح العمل العام طرحت الحمامصي أمنيات الجمعية من ضرورة مشاركة المنزل في العمل التطوعي ، تخفيف القيود الأمنية في الجامعات للشعور بأهمية الحوار، تخفيف القيود علي الأحزاب وان تكون برامجها جاذبة حتى تتحقق، دعم الثقافة الجماهيرية ، إعادة النظر في قوانين وزارة التضامن ، إدخال مادة التثقيف السياسي ضمن مناهج الدراسة وهي تجارب تمت في إنجلترا منذ 20 عام .
 
   في المحور الأول للندوة تناول مصطفي الفقي "التحديات الاجتماعية التي تواجه نشر الثقافة السياسية في المجتمع"، تحدث فيها عن الأحزاب التي يجب أن تكون مدارس لتخريج الكوادر السياسية، منتقداً قيامها علي الشخصية القيادية وليس البرامج، ومضيفاً أن التجمع هو الحزب الوحيد الذي يملك برنامج سياسي واقتصادي واضح وتطرق للحديث عن الجمعيات الأهلية مؤكداً أنها حققت طفرة في المجتمع وأن الأعمال الحقيقية التي عرفتها مصر في القرن 19 و20 كان عن طريق الجمعيات الأهلية، ومضيفاً أن رئاسة سهير القلماوي لهذه الجمعية في بدايتها يؤكد دور المثقفين في النهوض بالمجتمع .
  
   وأكد الفقي إن الثقافة السياسية ليست موضوع طرفي : " لم اعرف شخص متميز إلا وكانت التربية السياسية جزء من تفكيره، وأن الرؤية يخلقها الاهتمام بالحياة العامة " واعتبر الفقي أن كل جيل يجلد الجيل الذي يليه ولكن لابد أن نعترف إن كل جيل افضل من سابقه، مستطرداً إن نقاط الضعف في الجيل الجديد هي الغيبة عن الاهتمام بالحياة العامة، مضيفاً : " نحن نطالب باستعادة التربية السياسية، فقانون الأحزاب يكبلها، والتعددية لازالت في مصر اقل مما يجب.. هناك نوع من القهر الفكري كل شيء له حصانة في مواجهة الآخر".

   وأكد : " نحن لم نرث شيء يجب أن نعتز به في حياتنا السياسية ، كل ميراثنا قهري"، لكي يكون هناك مجتمع صحي يجب أن تكون هناك تربية سياسية، فنحن أمام وضع ارتهنت فيه إرادة الشعب.. نحن في حاجة إلى غرس قيم الحوار وإعطاء مساحة للأجيال الجديدة . 
 
     الدكتور سمير فياض قدم رؤية حزب التجمع لبلورة ثقافة سياسية مشتركة للقوي والأحزاب في مصر، حيث قدم الحزب مشروع حول " برنامج التغيير الوطني في مصر بين الحاضر والمستقبل"، وأكد: أدت السياسات الاقتصادية للحكم القائم إلى العديد من المثالب منها ارتفاع نسبة من يعيشون تحت خط الفقر، كما نتج عن الأوضاع الاقتصادية سيادة قيم الثقافة التجارية، وحالة الطوارئ المعلنة ، واستمرار الدمج بين أجهزة الدولة والحزب الحاكم .

   مضيفاً أنه في ظل هذه الأوضاع ومع الإحساس بغياب الدولة إلا كسلطة أمنية كان من الطبيعي أن ينشغل الرأي العام بهذه المشاكل قدم حزب التجمع برنامج للتغيير الوطني وأولها التغيير السياسي والدستوري الديمقراطي من خلال تحقيق الديمقراطية عن طريق توفير أربعة شروط هي : ( تداول السلطة – ضمان الحريات العامة – الفصل بين السلطات ) ، مؤكداً أن الفكر الاشتراكي الآن ليس مطروحاً وإنما مشروع للتنمية.
  

     ويوضح فياض أن المعركة الآن بين قطبين مدني وديني، وإذا لم يفهم جميع المثقفين ذلك عليهم أن يتحملوا الثمن، وقال أنه كان من المفروض أن تصبح الجامعة هي المدافع عن القطب المدني وليس الديني، يجب إعادة النظر داخل الجامعة، مضيفاً "القطب الديني الموجود حالياً ويخلط السياسة بالدين هو الخطر الحقيقي الذي يواجه مصر في الداخل كما الخطر الصهيوني في الخارج" وتساءل من انتج الردة ؟ المسئولية الأولي علي الحزب الحاكم، الثانية علي الأحزاب، الثالثة علي المنظمات والجمعيات الأهلية، مؤكداً أن " المسئول الأول سيحاكمه التاريخ". 
  
   الدكتور عبد الله العريان وكيل كلية التخطيط العمراني، قدم رؤيته للتعليم الجامعي في مصر، موضحاً أن بداية تدهور التعليم الجامعي بدأ مع قرار تأميم الجامعة حيث حدثت هجرة للعقول، وفي عام 2000م عقد مؤتمر عن التعليم ولم ينفذ منه شيء، كما قدم الوزير عمرو سلامة مشروع لتنظيم الجامعات لم يري النور، فهناك نظام الساعات المعتمدة ونظام معايير الجودة التي لا تزال مشاريع وعلق العريان علي اللوائح الجامعية بأنها مجموعة من المشاكل ففيها نوع من القسوة والشحن العلمي .

   كما تحدث عن تمويل النظام الجامعي الذي تساهم فيه الدولة بنسبة 85% بينما تقوم المؤسسات الجامعية بالتمويل الذاتي للنسبة الباقية وهي 15% وهي غالبا موارد غير دائمة لتمويل الذاتي وأشار العريان إلى القدرة الاستيعابية لزيادة الطلبة، فمصر لديها نقص في عدد الطلبة المفروض تعليمها وفي نفس الوقت زيادة في عدد طلبة الجامعات وذلك بسبب انخفاض عدد الجامعات ووفقا للمعايير لابد من توافر جامعة لكل مليون نسمة أي نحتاج إلى 70 جامعة في حين انه ليس لدينا سوي 40 جامعة منهم 12 جامعة أهلية ، وتساءل كيف نعلم الطالب وليس لديه كرسي للجلوس عليه ؟!

   وأضاف أن التعليم الجامعي ليس له علاقة بسوق العمل، ومقدماً بعض الحلول لتطوير الجامعات ومنها : تقسيم الجامعات، التقليل من سيطرة الدولة علي الجامعات بان ترفع يدها عنها، زيادة دعم الدولة للتعليم، تقليل عدد الكليات الإنسانية والاجتماعية، رفع كفاءة العملية التعليمية.. فلدينا أعلي نسبة أمن وظيفي في مصر . 
  
   قدم الدكتور صديق عفيفي رئيس أكاديمية طيبة، دور المؤسسة التعليمية في التنشئة السياسية ، متسائلاً : هل يجب أن يكون لها دور؟ وكيف يكون؟

   وأكد أن المؤسسة التعليمية مكملة للأسرة وموضحاً إن الأحزاب غير مندمجة في الجماهير، والجماهير ممتنعة عن التصويت، الطلبة تعزف عن الترشيح وليس فقط الانتخاب، والشباب يبحث عن طريق، وهناك كلام عن الفساد والمفسدين وخاصة إذا طال رأس السلطة ، ومطالبة متزايدة بالديمقراطية.

   ما المطلوب من المدرسة ؟ سؤال مطروح من كل بيت وسؤال مليون معلم، موضحا أن الشعب اختار أن يهجر المدرسة والمعلم أيضا اختار هذا واتفق أولياء الأمور مع المعلمين مع الطلبة لترك المدرسة.
 وما المطلوب من الجامعة ؟ وهل التعليم هو المهم أم بناء الشخصية هو الأهم ؟ مجيباً : " لسنوات طويلة كان التركيز علي المناهج والكتب والامتحانات والمجموع ، ولكن المطلوب هو بناء الشخصية وبناء المواطن الصالح المسئول المشارك الناضج، وبناء هذا المواطن مسئولية مشتركة بين كل الأطراف، ولكن المؤسسة التعليمية تتحمل العبء الأكبر في البداية " موضحاً أنه ليس هناك اهتمام كاف بالتربية الخلقية والمعلم غير مؤهل بالتربية الأخلاقية وغير مطالب أن يكون له دور، فالناظر والمدير يحاسب علي نسبة النجاح وليس التربية.
 
 
   وقدم عفيفي مراحل تطور المواطن نحو النضج السياسي وحدد دور المؤسسة فيها، فالمواطن الناضج سياسياً لا يهبط من السماء وإنما يمر بتطور نحن المسئولون عنه، ومراحل النضج هي : الحكم الصحيح علي الأمور- تكوين الرأي المستقل – التعبير عنه بأمانة – الدفاع عن هذا الرأي – القدرة علي السعي لغلبته هذا الرأي، وهي أسمي مراحل النضج السياسي وعرض عفيفي الوسائل والأدوات للوصول إلى هذا النضج وهي :
  
● أولاً :  أن يميل مناخ المؤسسة وأسلوب الإدارة أولا إلي الديمقراطية والتشاركية والحوارية .

● ثانيا ً : طرق التدريس تقوم علي "المشاركة ، الحوار، المناظرة، المناقشة، المشروعات، احترام رأي الطالب"، والمعني أن وظيفة المعلم والأستاذ ليست تحفيظ الطالب الرأي الصحيح وإنما تدريبه علي الحكم الصحيح.

● ثالثا ً: أنشطة بناء الشخصية وهي الرحلات، الحفلات، الصحافة، التمثيل، الخطابة، أندية، النمذجة، الكشافة.. الخ.

● رابعا ً: تعليم المفاهيم السياسية بالممارسة وبالتدريس في الحضانة والمدرسة والجامعة مثل مفاهيم : حكم الأغلبية ، احترام الرأي الأخر، الحفاظ علي الملكية العامة، تكافؤ الفرص، العدل.. الخ.

● خامساً : الاتحادات الطلابية وعاء مفيد للممارسة السياسية عن طريق تفعيلها وفك القيود.


وطرح سؤال أخير: هل يجب عزل الحركة الطلابية عن الحركة السياسية في المجتمع ؟

    وفي بحث لعصام زيدان حول الأسباب التي أدت لعزوف الشارع المصري عن ممارسة حقه الانتخابي والمشاركة بجدية في فاعليات السياسية وهي اعتبار أن الانخراط في السياسة مخاطرة لا داعي لها، انخفاض قيمة العائد من الممارسة السياسية ، الاعتقاد بعدم جدوى المشاركة السياسية ، وكثرة العقبات الموضوعة أمام المشاركة السياسية.
 
    في المؤتمر الأول لأعضاء هيئات التدريس ومعاونيهم في الجامعات المصرية الذي عقد في مايو 2005 بنادي أعضاء هيئة التدريس جامعة القاهرة والذي اتسم جوه بالغضب من تكرار وقائع القبض على أساتذة بالجامعات، جاءت العديد من التوصيات الخاصة باستقلال الجامعات وهي : التأكيد على أهمية احترام الحريات الأكاديمية والفكرية للجامعيين خلال ممارستهم للتدريس والبحث العلمي، والمطالبة بتعديل قانون تنظيم الجامعات ليكفل الاستقلال المالي والإداري لكل جامعة دون وصاية من السلطة السياسية أو المجلس الأعلى للجامعات مع خضوع الجامعات لرقابة الأجهزة الرقابية على المال العام .

   من جانب آخر ضرورة انتخاب القيادات الجامعية بدءً من رئيس الجامعة ، وضرورة مراعاة الشفافية في القرارات الجامعية والميزانيات وجعلها متاحة لكل من يريد الاطلاع عليها ، مع إعادة تشكيل الحرس الجامعي من أفراد تعينهم الجامعات ويتبعون لإدارة الجامعة كما تنص المادة (317) من اللائحة التنفيذية لقانون تنظيم الجامعات .

   كما طالبوا بوقف التدخلات الأمنية في إدارة شئون الجامعة (أعضاء وطلاب وعاملين) على أن تتولى وزارة الداخلية مهامها خارج أسوار الجامعة ، والإفراج الفوري عن جميع أعضاء هيئة التدريس المحتجزين في قضايا الرأي بضمان وظائفهم ، وجميع الطلاب المعتقلين حفاظاً على مستقبلهم .

   طالب الحاضرون باتخاذ الإجراءات اللازمة لانتخاب مجالس إدارة النوادي التي لم يتبع الانتخاب في تشكيلها و تأسيس لجنة الحريات العامة بالجامعات المصرية تقوم بمتابعة ومواجهة كافة التجاوزات والاعتداءات على حريات الجامعيين .
 

شيرين صبحي

المصدر: المحيط