رافضوا الجوائز يربحونها مرتين

تفرح عندما تسمع عن شخص ما يتم تكريمه في حياته فهذا غالباً ما يكون مدعاة للسعادة عند الشخص المكرم وعند من يعرفه، بل هناك من ينتقد الجهات المعنية بتجاهل المبدعين وأصحاب الفكر أثناء حياتهم ولا يصحون إلا متأخرين أو بعد الرحيل..
لكنك تتوقف أما من يرفض التكريم أو منحه إحدى الجوائز وتدفعك الحشرية أن تعرف أكثر عن السبب وما الذي دعا هذا المكرَّم إلى اتخاذ هذا الموقف.
ولو كان الزميل والكاتب البحريني خالد البسام قبل الجائزة المقدمة له من قبل وزارة الإعلام لكان الأمر عادياً وربما لم تنقله وكالات الأنباء ولا كانت الإذاعات سعت إلى لقائه.. لكن الخبر تحول الذي حدث بعد الرفض وهنا تكمن الإشكالية التي ترافق هذا النوع من الممارسات وتبدأ الأسئلة بالتساقط.. لماذا كان الرفض، هل لأن صاحبها شعر بأن مستوى التكريم لا يتناسب مع حجم الإبداع؟ أم أن الرفض نابع من موقف مبدئي وقناعة تكونت عند الرجل المكرَّم وجاء الوقت ليعلن هذه القناعة؟ أم أن الأمر لا يعدو أن يكون استغلالاً للمناسبة والمكان لعمل دعائي ما؟
ليس من اللياقة الأدبية الدخول في النوايا ومحاكمة الأشخاص انطلاقاً من تلك الفرضية، فالوقائع المدونة في النهاية هي المرجع الذي يتم الاحتكام إليه ولذلك سننأى عن التعرض للأشخاص لذواتهم ولأهوائهم لأن في ذلك ابتعاد عن جوهر الموضوع.
والمبدعون أو المتميزون هم بشر يخطئون ويصيبون، لهم ما لأي إنسان وعليهم ما على الآخرين من مثالب وخطايا ..
بالطبع هناك من <يسخِّف> بالأمر معتبراً أنه نوع من الاستعراض المجاني الذي يريد صاحبه إثارة الغبار من حوله وإعطاء نفسه موقعاً لم يكن باستطاعته الوصول إليه ما لم يسلك هذا الطريق، وهو بفعلته تلك يلفت الانتباه إليه وإلى إسمه وصورته في قلب الحدث..
لكن للصورة وجهان، فالمكرمون هم من فئة لا تنقصها الكاميرات فهم أساساً يتعاملون مع بيئة الثقافة والكلمة والنشر وصوتهم لم يكن غائباً حتى يستدعي ولهذا يتحركون على قاعدة إنتاجهم الفكري وكل حسب موقعه، واختيارهم لهذه الجائزة أو تلك لم يكن ليتم لو كانوا خالي الوفاض أو ليس في رصيدهم إبداع أو عطاء وإلا لما كانت أسماؤهم مرشحة للحصول على جوائز ..
ما يدفع هؤلاء للرفض أسمى من الحرتقات الإعلامية فالدافع أكبر من رمية كرة بالوقت الضائع أو على الأقل يتنافى مع الرؤية والأفكار التي آمنوا بها وأرادوا أن يعلنوا على الملأ أنهم يحتجون على ذلك ومن موقع القوي، وليس من موقع المستجدي أو الضعيف وهذا دليل على الثقة بالنفس وأنه لا بد من قول كلمة تعبِّر عن قناعة هذا الشخص في حالة الدولة والنظام والجهة المانحة..
قد لا يمثل مشكلة لمؤسسة مثل نوبل أو وزارة إعلام وثقافة في دولة عربية أو أجنبية عندما يقدم مفكر مثل جان بول سارتر ويعلن رفضه للجائزة أو أن يصعد صنع الله إبراهيم على مسرح دار الأوبرا بالقاهرة ويتهم النظام بالارتهان للخارج لكنهما بالتأكيد يوصلان رسالة مفادها أن في الجدار ثقبا وأن المؤسسة ليست بخير وأن السياسات المتبعة لا تحظى بالقبول من الناس.
احتجاج الحكيم
في السادس من يونيو عام 1947 ظهرت الصحف المصرية وفي صدر صفحاتها الأولى رفض الاحتجاج الذي كتبه الأديب توفيق الحكيم إلى السلطات الفرنسية بعد إعادته للوسام الذي منحته إياه الحكومة بمناسبة ترجمة بعض كتبه إلى اللغة الفرنسية جاء فيه <ما معنى الأدب إذا لم يكن للحرية والإنسانية من معنى عند فرنسا، لا أظن أن أديباً حراً يقبل تقديراً قبل أن يظن أنها تقدر حقاً الحرية> ..
ولما قامت ثورة البنجاب في الهند عام 1919 وواجهتها بريطانيا العظمى بالدم احتج شاعر الهند طاغور على ذلك وأعاد لملك إنكلترا لقب <سير> الذي كان منحه إياه تقديراً لمكانته وإبداعاته.
وفي أيامنا أذكر كيف أن الكاتب المصري الراحل محمود المراغي رفض سيارة مرسيدس قدمت إليه من نظام البعث في عهد صدام حسين عندما كان مديراً لتحرير صحيفة <الأهالي> لأنه يعتبر ذلك بمثابة إهانه شخصية له ومباركته لأعمال النظام في حين أن العديد من الصحفيين ورؤساء التحرير قبلوا السيارة كهدية رمزية>!
تلك حالات <نادرة> جعلت أصحابها في موقع <استثنائي> وسجلت لهم مواقف صارت جزءاً من تاريخهم.
وعندما يتناول أحدهم سيرة برناردشو الكاتب المسرحي الشهير بالنقد والسخرية لا بد وأن يذكر وقفته عام 1925 عندما منح جائزة نوبل في الأدب فقبل التكريم ورفض الجائزة ساخراً منها بقوله <إن جائزة نوبل تشبه طوق النجاة الذي يتم إلقاؤه لأحد الأشخاص بعد أن يكون هذا الشخص وصل إلى الشاطئ> كما سخر من نوبل مؤسس الجائزة الذي جمع ثروة كبيرة بسبب اختراعه للديناميت بقوله <إنني أغفر لنوبل أنه اخترع الديناميت ولكنني لا أغفر له أنه أنشأ جائزة نوبل> ..
عودة للأسئلة المثارة حول أسباب الرفض .. لا شك أن هناك تبايناً بالمواقف والدوافع، فمنهم من يرفض اعتراضاً على المعايير التي منحت الجائزة على أساسها وشعر بالغبن عن التقييم كأن يوضع في أسفل القائمة مثلاً ولم ينل المرتبة الأولى وهو في ظنه يستحق أن يكون من الأوائل..
فئة ثانية، هي فئة <المتمردين> إن صح التعبير والرافضين للجائزة وقيمتها أيا كانت مرتبتهم والمبالغ التي سيحصلون عليها وهؤلاء دافعهم سياسي وفكري غير قابل للقسمة أو التنازل.
فئة ثالثة ترجع الرفض لأسباب شخصية وقناعات خاصة تبتعد فيها عن تلك الأجواء غير المناسبة والتي لا تخدم تاريخها ولا مكانتها.

حمزة عليان

المصدر: السفير