آخر المواضيع المتعلقة

أرشيف البلدان
أرشيف الأيام
الأجندة

اللوبي "الإسرائيلي" والسياسة الخارجية الأمريكية

واضعا هذا التقرير  الوثيقة هما أكاديميان امريكيان الأول هو ستيفن وولت استاذ العلوم السياسية في جامعة هارفارد، والثاني هو جون مير شايمر استاذ العلوم السياسية في جامعة شيكاغو، وفيه يكشفان عن سر العلاقة الاستثنائية بين الولايات المتحدة و”إسرائيل”، ودور اللوبي “الإسرائيلي” في السياسات الأمريكية.
الكيان يمثل عبئاً استراتيجياً ومع ذلك فإنه يحظى بأكبر دعم في التاريخ

سياسة الولايات المتحدة الخارجية تصوغ الأحداث وتضعها في كل بقعة من بقاع الدنيا. ولا يصدق هذا القول على جزء من اجزاء العالم صدقه على الشرق الأوسط، هذه المنطقة التي تزهو بأهمية استراتيجية مهولة، في حين تعج باضطرابات لا تهدأ اليوم حتى تتأجج غداً، وفي احدث فوعات حراكها ساعدت محاولة إدارة بوش وسعيها في الآونة الأخيرة الى تحويل المنطقة الى مجتمع من الديمقراطيات على انبثاق تمرد عتي عصي على السحق، ما إن يقصف ويحترق حتى ينتفض وينبعث مجددا من بين سحب الدخان وثنايا الرماد، كما اسهمت في احداث ارتفاع حاد في اسعار النفط العالمية، وكانت حافزا للتفجيرات الارهابية في كل من مدريد ولندن وعمان، فإذا كانت كل هذه المخاطر تحدق بجماعات ضخمة من الناس، فإن على كل بلدان العالم ان تعي ضرورة فهم تلك القوى التي تقف وراء سياسة الولايات المتحدة الشرق أوسطية وتحركها.
ينبغي ان تحظى المصلحة القومية الأمريكية بالصدارة المطلقة في أولويات السياسة الخارجية الأمريكية. إلا انه وعلى امتداد الفترة الزمنية الماضية، ولا سيما منذ حرب يونيو/ حزيران من عام ،1967 ظلت علاقة الولايات المتحدة ب “إسرائيل” هي حجر الزاوية في سياسة الولايات المتحدة الشرق أوسطية. وأدت المزاوجة بين سياسة الدعم المتواصل وغير المحدود من امريكا ل “اسرائيل”، وبين السعي لنشر الديمقراطية في ارجاء المنطقة، الى إلهاب مشاعر السخط في اوساط الرأي العام العربي والإسلامي، وهددت أمن الولايات المتحدة.
وليس لهذه الحالة نظير في التاريخ السياسي الامريكي، فما الذي جعل الولايات المتحدة ترضى بأن تنحي جانباً أمنها الخاص بصفتها بلدا كبيرا ودولة عظمى خدمة لمصالح دولة اخرى، ولربما جنح الخيال بذهن المرء بعيدا فخال ان أواصر التلاحم بين البلدين تقوم على مصالح استراتيجية مشتركة، أو على قيم ومبادئ أخلاقية التزامها والتشبث بها بحذافيرها فرض واجب.
غير انه وكما سوف نبين فيما يلي انه لا يمكن تبني أي من هذين التفسيرين لشرح وتعليل المستوى الاستثنائي والمميز جدا من الدعم المادي والدبلوماسي والعسكري الذي تمد به الولايات المتحدة “اسرائيل”.
وعوضا عن ذلك كان مجمل حراك سياسة الولايات المتحدة يكاد كله يعزى الى سياسات امريكا المحلية، وبخاصة الى نشاطات جماعة الضغط “الإسرائيلية” أو “اللوبي الإسرائيلي”. نعم لقد نجحت جماعات ضغط المصالح الخاصة الأخرى في استمالة سياسة الولايات المتحدة الخارجية وحرفها الى اتجاهات تحابيها وترضيها. لكن أياً من جماعات الضغط الأخرى كلها لم يحقق نجاحاً يماثل أو يداني ما أحرزه اللوبي “الاسرائيلي” من انتصارات، ولم تفلح أي جهة اخرى في أن تنأى بالسياسة الخارجية الأمريكية وتجنح بها بعيدا عن مقتضيات المصلحة القومية الأمريكية، في حين انبرى هذا اللوبي ذاته وفي الوقت نفسه لاقناع الأمريكيين بأن مصالح امريكا ومصالح “إسرائيل” متطابقة في الجوهر.
وفيما يلي سوف نتصدى لوصف الأساليب والسبل التي اتبعتها جماعة الضغط هذه، حتى أفلحت في “اجتراح هذا الانجاز المذهل، وكيف ان نشاطاتها صاغت التوجهات والتصرفات والسياسات الأمريكية في هذه المنطقة الحساسة، فإذا ما أخذنا في الحسبان الأهمية الاستراتيجية الهائلة للشرق الأوسط وتأثيراته المحتملة وتداعيات ما يمكن ان يحدث فيه، يتبين ان على الجميع، سواء أكانوا امريكيين أو غيرهم، ان يفهموا ويتصدوا لتأثير هذا اللوبي على السياسة الأمريكية.
ونحن نقدر تماما ان هذا التحليل ربما يقض مضجع بعض القراء ويزعجهم، إلا ان ما نورده هنا من حقائق ليست مثار جدل في اوساط العلماء والباحثين المطلعين، وفي الحقيقة تستند رواياتنا، وإلى حد كبير، الى عمل العلماء والصحافيين “الاسرائيليين” الذين يستحقون منا الاشادة وعظيم الثناء لما ألقوه من أضواء على هذه القضايا. كما اننا نعتمد ايضاً على ما وافانا به ايضا الدعاة المحترمون لحقوق الانسان والمنظمات الدولية المشتغلة في هذا المجال، سواء أكانت “إسرائيلية” أم غير ذلك، من أدلة. وعلى نحو مشابه، فإن دعاوانا بشأن نفوذ وتأثير اللوبي “الاسرائيلي” تستند الى شهادات من أعضاء اللوبي ذاته، اضافة الى شهادة من سياسيين عملوا معهم. وبالطبع فإن القراء ربما يرفضون استنتاجاتنا، غير ان المستندات التي اعتمدنا عليها فيما خلصنا إليه لا جدال فيها ولا يتطرق إليها الشك.
منذ حرب اكتوبر/ تشرين الاول عام ،1973 اغدقت واشنطن على “إسرائيل” قدراً هائلاً من الدعم، يتقزم إزاءه كل ركام الدعم المقدم لأي دولة أخرى في العالم، كانت “إسرائيل” على مدار هذه الحقبة المتطاولة اكبر متلق على الاطلاق لهذا الدعم والمعونات الاجمالية والهبات السنوية منذ الحرب العالمية الثانية. فإجمالي العون الأمريكي المباشر ل “إسرائيل” يفوق 140 مليار دولار في عام ،2003 وتتلقى “إسرائيل” نحو 3 مليارات دولار من المساعدات الخارجية المباشرة  كل عام، وهو ما يمثل نحو خمس ميزانية العون الخارجي الأمريكي الذي تقدمه الولايات المتحدة. فإذا ما قسنا المسألة بالمقياس الفردي نرى ان الولايات المتحدة تقدم لكل “إسرائيلي” عوناً مباشراً يبلغ نحو 500 دولار كل سنة، ويتعاظم عجب المرء من هذا السخاء المفرط حين يدرك ان “إسرائيل” اليوم دولة صناعية ثرية يعادل الدخل الفردي فيها نظيره في كوريا الجنوبية أو اسبانيا.
دعم الصناعات الحربية
وتحظى “إسرائيل” أيضاً بصفقات اخرى خاصة من واشنطن بأشكال شتى. ويحصل متلقو العون الآخرون على مخصصاتهم المالية فصلياً أي دفعة كل ثلاثة أشهر، لكن “إسرائيل” تستلم مخصصاتهاكاملة في مستهل كل سنة مالية من دون تسويف أو تأخير، وهكذا تغنم فوائد اضافية اكبر. ويطلب من معظم متلقي المساعدات العسكرية الأمريكية ان ينفقوا هذا التمويل كله في الولايات المتحدة، إلا أن “إسرائيل” تستطيع ان تستخدم نحو 25% من أموال الدعم المخصصة لها لتدعم صناعاتها الحربية و”إسرائيل” هي المتلقي الوحيد للمساعدات الامريكية الذي لا يطلب منه قط ان يقدم كشفاً توضيحياً للكيفية التي يتم بها انفاق أموال الدعم هذه، وهو اعفاء يجعل من المستحيل في واقع الأمر الحيلولة من دون ان يستخدم هذا المال لأغراض تعارضها الولايات المتحدة، مثل بناء المستوطنات في الضفة الغربية.
وعلاوة على ذلك، زودت الولايات المتحدة “إسرائيل” بنحو 3 مليارات دولار لتطوير انظمة تسلح مثل طائرة “لافي” التي لم يردها البنتاجون ولم يكن يحتاجها في الوقت الذي كانت تتيح فيه “إسرائيل” الحصول على أحدث ما في الترسانة الأمريكية من اسلحة متطورة فتاكة مثل مروحيات “بلاك هوك” وطائرات “إف - 16”، وأخيراً فإن الولايات المتحدة تفتح ل “إسرائيل” الباب على مصراعيه للحصول على معلومات استخباراتية تضن بها حتى على أخلص حلفائها في حلف الناتو، هذا فضلاً عن غض الطرف من جانب الولايات المتحدة لحيازة “إسرائيل” للأسلحة النووية.
فضلاً عن هذا وذاك، تزود واشنطن “إسرائيل” بدعم دبلوماسي مضطرد ومتواصل. فمنذ عام 1982 اعترضت الولايات المتحدة على نحو 32 قراراً دولياً من قرارات مجلس الأمن الدولي واشهرت في وجهها سيف الفيتو لأنها اعتبرتها منتقدة ل “إسرائيل”، وهو عدد يفوق العدد الاجمالي للمرات التي استخدم فيها اعضاء مجلس الأمن الآخرون مجتمعين حق الفيتو. كما انها تعرقل مساعي الدول العربية لوضع مسألة ترسانة الأسلحة النووية “الإسرائيلية” على جدول أعمال الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
والولايات المتحدة لا تتلكأ أبداً في نصرة “إسرائيل” بل تهب فوراً لمؤازرتها ونجدتها في زمن الحرب وتقف وراءها وتدعمها دعماً كاملاً حين تتفاوض لفرض السلام. فإدارة الرئيس نيكسون اعادت إمداد وتجديد ترسانة “إسرائيل” من الأسلحة خلال حرب اكتوبر/ تشرين الاول ،1973 وحمت “إسرائيل” من التهديد الذي كان يمثله التدخل السوفييتي وانضمت واشنطن بعمق في المفاوضات التي انهت تلك الحرب، هذا اضافة الى مشاركتها المكثفة في عملية “الخطوة خطوة” المطولة التي تبعت ذلك، تماما كما لعبت دوراً محورياً في المفاوضات التي سبقت واعقبت اتفاقيات اوسلو عام 1993. وبين الفينة والفينة كانت ثمة خلافات عارضة تبرز بين المسؤولين الأمريكان و”الإسرائيليين” في الحالتين لكن الولايات المتحدة قامت بتنسيق مواقفها مع “إسرائيل” بحميمية مطلقة، وكانت دائما تدعم وتناصر الموقف “الإسرائيلي” في المفاوضات، وفي الحقيقة، قال أحد المشاركين الأمريكان في مفاوضات كامب ديفيد لعام 2000 لاحقاً: “كنا في الأعم الأغلب من الحالات، نقوم بدور المحامي عن “إسرائيل”.
وكما سوف نناقش فيما يلي، فإن واشنطن قد منحت “إسرائيل” هامشا هائلا من حرية التحرك بلا رقيب أو حسيب في تعاملها مع المناطق الفلسطينية المحتلة (الضفة الغربية وقطاع غزة) حتى عندما كانت افعالها تصادم السياسة الأمريكية المعلنة. وفوق ذلك فإن استراتيجية إدارة بوش الطموحة بتحويل الشرق الأوسط  ابتداء بغزو العراق  ترمي في جزء منها على الأقل الى تحسين وضع “إسرائيل” الاستراتيجي فبعيداً عن تحالفات زمن الحرب، من الصعب ان يفكر المرء بمثال آخر حدث فيه ان زود بلد ما بلداً آخر بنفس المستوى من الدعم المادي والدبلوماسي الذي يغدق على “إسرائيل” ولفترة طويلة جدا. وباختصار فإن دعم امريكا ل “إسرائيل” فريد من نوعه.
وهذا السخاء منقطع النظير كان يمكن فهمه لو كانت “إسرائيل” مصدر قوة استراتيجية نفسية، أو لو كانت هناك قضية اخلاقية ملحة تقتضي دعماً أمريكياً مستداماً غير ان هاتين الحجتين لا تقنعان أحداً.
عبء استراتيجي
وفقاً لما ورد في موقع ايباك (اللجنة الأمريكية  “الاسرائيلية” المشتركة للشؤون العامة) على شبكة الانترنيت فان: “الولايات المتحدة و”اسرائيل” شكلتا شراكة فريدة لمواجهة التهديدات الاستراتيجية المتعاظمة في الشرق الأوسط”.. ويمنح هذا الجهد التعاوني فوائد جمة لكل من الولايات المتحدة و”إسرائيل””. وهذا الزعم يمثل أحد أركان الايمان في اوساط مناصري “إسرائيل”، ودائما ما يستشهد به ويثار بصورة روتينية من قبل الساسة “الإسرائيليين” والأمريكيين الموالين ل “إسرائيل”.
ولربما كانت “إسرائيل” رصيداً استراتيجياً بالغ الأهمية في حقبة الحرب الباردة، فعندما خدمت “إسرائيل” بصفة وكيل مفوض ينوب عن امريكا في بعض المهام بعد حرب يونيو/ حزيران عام ،1967 ساعدت “إسرائيل” واسهمت مساهمة فاعلة في احتواء التوسع السوفييتي في المنطقة، والحقت هزائم مذلة بزبائن السوفييت في الشرق الاوسط مثل مصر وسوريا، ومن حين لآخر ساعدت “إسرائيل” على حماية حلفاء الولايات المتحدة الآخرين وحملت براعة “إسرائيل” العسكرية وتفوقها موسكو على ان تنفق المزيد من الأموال تدعم بها زبائنها الخاسرين. كما قدمت “إسرائيل” للولايات المتحدة معلومات استخباراتية مفيدة عن القدرات السوفييتية.
ولا ينبغي المغالاة في تصوير قيمة “إسرائيل” الاستراتيجية خلال تلك الفترة إذ لم يكن دعم “إسرائيل” زهيد الثمن، بل كانت كلفته باهظة، فضلاً عن انه عقد علاقات الولايات المتحدة مع العالم العربي. فعلى سبيل المثال اجج قرار الولايات المتحدة بمنح “إسرائيل” مبلغ 2،2 مليار دولار على هيئة مساعدات عسكرية طارئة خلال حرب اكتوبر/ تشرين الاول غضب العرب واثار حفيظة منظمة “أوبيك” ففرضت حظراً نفطياً ألحق بالاقتصادات الغربية ضرراً بالغاً. والأدهى من ذلك ان قوة “إسرائيل” العسكرية لم تستطع ان توفر الحماية للمصالح الأمريكية في المنطقة، وعلى سبيل المثال لم يكن في وسع الولايات المتحدة الاعتماد على “إسرائيل” عندما اثارت الثورة الايرانية في عام ،1979 المخاوف وتصاعد القلق بشأن امن الامدادات النفطية في الخليج العربي، وتعين عليها بدلاً من ذلك إنشاء “قوة الانتشار السريع” الخاصة بها.
وحتى لو كانت “إسرائيل” بالفعل رصيدا استراتيجياً له أهميته زمن الحرب الباردة، فإن حرب الخليج الاولى في عام 1990/ 1991 أماطت اللثام عن حقيقة ان “إسرائيل”، آخذة بالتحول الى عبء استراتيجي، فالولايات المتحدة لم تستطع استخدام القواعد “الاسرائيلية” خلال الحرب خشية المخاطرة بتمزيق التحالف ضد العراق، وكان عليها ان تحوّل مواردها وعتادها المتطور (على سبيل المثال منظومة بطاريات صواريخ الباتريوت) لتثني تل أبيب عن القيام بأي عمل يمكن ان يفصم أو يوهن عرى التحالف الذي تشكل ضد صدام حسين، وكرر التاريخ نفسه مرة أخرى في عام ،2003 فعلى الرغم من تلهف “إسرائيل” لقيام الولايات المتحدة بمهاجمة العراق فإن الرئيس بوش لم يكن في وسعه الطلب إليها بأن تمد يد العون من دون ان يشعل فتيل معارضة عربية، لذا بقيت “إسرائيل” عند الخط الجانبي مرة اخرى.
وبداية من حقبة التسعينات، وبخاصة بعد احداث الحادي عشر من سبتمبر/ ايلول كان من أبرز ما سيق من ذرائع لتبرير دعم الولايات المتحدة ل “إسرائيل” ان الدولتين كلتيهما مهددتان بالجماعات الارهابية المنتشرة في العالم العربي أو العالم الإسلامي، ومن قبل زمرة من “الدول المارقة” التي تدعم هذه الجماعات وتسعى لحيازة أسلحة دمار شامل. وهذا الاساس المنطقي الذي يتحججون به ينطوي على فكرة انه يتوجب على واشنطن ان تطلق يد “إسرائيل” في تعاملها مع الفلسطينيين لتصنع بهم ما تشاء، والكف عن أي محاولة للضغط على “إسرائيل” لتقديم تنازلات الى ان يتم بشكل كامل سجن جميع الارهابيين الفلسطينيين او قتلهم. كما يحمل هذا المنطق في ثناياه فكرة انه ينبغي على الولايات المتحدة ان تلاحق دولاً مثل جمهورية ايران الاسلامية، وعراق صدام حسين، وسوريا بشار الأسد، وان تضيق الخناق عليها، وهكذا صار ينظر الى “إسرائيل” على انها الحليف المصيري الأكثر أهمية في الحرب على الارهاب، لأن اعداءها هم أنفسهم أعداء امريكا.
ويبدو هذا الاساس المنطقي الجديد مقنعاً، لكن “إسرائيل” في الحقيقة عبء في الحرب على الإرهاب، كما انها عقبة في الجهد الاوسع المطلوب للتعامل مع الدول المارقة.
وبادئ ذي بدء فإن “الإرهاب” انما هو تكتيك يستخدمه حشد واسع جداً من الجماعات السياسية، إذاً فهو ليس بالعدو المفرد الموحد المواصفات. والمنظمات “الإرهابية” التي تهدد “إسرائيل” (حماس أو حزب الله مثلا) لا تهدد الولايات المتحدة، إلا عندما تتدخل ضدها (كما في لبنان عام 1982). وفوق ذلك فإن “الإرهاب” الفلسطيني ليس عنفاً عشوائياً موجهاً ضد “إسرائيل” أو ضد الغرب، بل هو رد على حملة “إسرائيل” التي تشنها منذ دهر طويل وتبتغي بها استعمار الضفة الغربية وقطاع غزة.
وثار جدل آخر في عام 2004 عندما كشف النقاب عن ان أحد كبار مسؤولي البنتاجون وهو لاري فرانكلين قد سرّب معلومات سرية للغاية الى دبلوماسي “إسرائيلي” يساعده اثنان من كبار مسؤولي “ايباك” و”إسرائيل” ليست هي الدولة الوحيدة التي تتجسس على الولايات المتحدة، غير ان استعدادها التام للتجسس على نصيرها الاكبر يلقي بالمزيد من ظلال الشك على قيمتها الاستراتيجية.
بعيداً عن قيمتها الاستراتيجية المزعومة دأب مناصرو “إسرائيل” ايضاً على المجادلة بأنها تستحق دعماً امريكياً غير مشروط لأنها: 1) ضعيفة يحيط بها الأعداء، 2) ديمقراطية، فهي مفضلة في الناحية الاخلاقية، 3) عانى الشعب اليهودي ما عاناه من جرائم الماضي لذا فإنه يستحق معاملة خاصة، 4) تصرف “إسرائيل” متفوق اخلاقيا على سلوك اعدائها.
لكننا حين نمعن النظر في هذه الحجج نراها غير مقنعة كلها، نعم ثمة قضية اخلاقية قوية لدعم وجود “إسرائيل” لكن وجودها هذا غير مهدد. وإذا ما نظرنا بموضوعية فإن مسلك “إسرائيل” في الماضي والحاضر لا يقدم لنا الأساس الأخلاقي لتفضيلها على الفلسطينيين.
نصرة الضحية المضطهدة؟
لطالما جرى تصوير “إسرائيل” على انها ضعيفة مسكينة محاصرة، فهي في الاعلام داوود اليهودي يطوقه العربي العدواني جالوت. ومنذ البدء استمات القادة “الاسرائيليون” والكتّاب المتعاطفون مع “إسرائيل” لترسيخ هذه الصورة وتغذيتها وترويجها، وحرصوا على هذه الخطة أشد الحرص، بيد ان الصورة المعاكسة تماما هي لب الحقيقة، فعلى عكس الاعتقاد الشعبي الشائع كان لدى الصهاينة قوات مسلحة اكبر عددا وأفضل عتاداً وقيادة خلال العام 1948 وحقق الجيش “الإسرائيلي” انتصارات سهلة ضد مصر خلال العدوان الثلاثي عام ،1956 وضد كل من مصر والأردن وسوريا في عام ،1967 وذلك قبل ان يبدأ الجسر الجوي الأمريكي يتدفق بالأسلحة والمساعدات الضخمة على “إسرائيل”، وتقدم هذه الانتصارات دليلا ناطقا ليس ثمة ما هو افصح منه على مدى ما تتشبع به “إسرائيل” من روح وطنية، وسعة ماتتمتع به من قدرات تنظيمية وتفوق ما تباهي به من براعة عسكرية، غير ان هذه الانتصارات تكشف النقاب ايضا عن ان “إسرائيل” كانت أبعد ما تكون عن العجز والضعف حتى في سني انشائها الاولى.
وها هي “إسرائيل” اليوم القوة العسكرية الأعظم جبروتاً في الشرق الأوسط على الاطلاق، فقواتها التقليدية تتفوق بشكل كاسح على جيرانها، كما انها الدولة الوحيدة في المنطقة التي تمتلك أسلحة نووية. وكانت مصر والأردن قد وقعتا اتفاقيات سلام مع “إسرائيل”، كما عرضت المملكة العربية السعودية ان تحذو حذوهما وخسرت سوريا نصيرها السوفييتي الراعي بانهيار الاتحاد السوفييتي، وأما العراق فكان الانهاك قد اقعده جراء الحروب الثلاث المدمرة التي خاضها أو أرغم على خوضها، كما ان ايران تبعد مئات الاميال والفلسطينيون يكاد لا يوجد بين أيديهم سوى قوة من الشرطة الهشة البنيان، المتدنية التسليح والضعيفة التي تعجز عن فرض الأمن ناهيك عن ان يكون بحوزتهم من القوة العسكرية ما يهدد “إسرائيل”.
وحسبما جاء في دراسة تقويمية أجراها مركز جافي التابع لجامعة تل أبيب والمتخصص بالدراسات الاستراتيجية فإن “التوازن الاستراتيجي هو لمصلحة “إسرائيل” على وجه اليقين، والفجوة النوعية الهائلة أصلاً بين القدرات العسكرية العربية وبين القدرات “الإسرائيلية” آخذة بالاتساع، وقوى الردع “الإسرائيلية” في تعاظم مستمر، وهناك تفوق كاسح على جيرانها”. فإذا كانت نصرة الضعيف المظلوم المهيض الجناح والمضطهد تشكل أساساً منطقياً قاهراً تقتضيه منظومة المبادئ الخلقية، فعندها يجب على الولايات المتحدة ان تدعم خصوم “إسرائيل” وتهب لنصرتهم

"إسرائيل" أول من مارس الإرهاب منذ قيامها العام 1948

كثيراً ما يتم تبرير الدعم بالادعاد بأن “اسرائيل” ديمقراطية زميلة محاطة بدكتاتوريات معادية. ويبدو هذا المنطق مقنعاً، ولكنه لا يستطيع تفسير المستوى الحالي من الدعم الامريكي، لأن هناك العديد من الديمقراطيات في العالم، ولكن أيا منها لا يتلقى الدعم السخي الذي تتلقاه “اسرائيل”. وقد أطاحت الولايات المتحدة بحكومات ديمقراطية في الماضي ودعمت طغاة مستبدين عندما اعتقدت بأن ذلك يدعم المصالح الامريكية، كما أن لها علاقات طيبة مع عدد من الدكتاتوريات اليوم. وعلى ذلك، فإن كون الدولة ديمقراطية لا يبرر ولا يفسر دعم أمريكا ل “اسرائيل”.
كما ان حجة “الديمقراطية المشتركة” تضعفها جوانب في الديمقراطية “الاسرائيلية” لا تتفق مع جوهر القيم الامريكية. فالولايات المتحدة ديمقراطية ليبرالية، يفترض ان يتمتع فيها أفراد كل ديانة أو جماعة سكانية او عرقية بحقوق متساوية. وفي المقابل، قامت “اسرائيل” بوضوح باعتبارها دولة يهودية، كما ان حق المواطنة فيها مبني على قرابة الدم. ومع أخذ هذا المفهوم لحق المواطنة بعين الاعتبار، لا يبدو مدهشا ان تجري معاملة عرب “اسرائيل” البالغ عددهم 1،3 مليون نسمة باعتبارهم مواطنين من الدرجة الثانية، أو ان تجد لجنة حكومية “اسرائيلية” شكلت أخيرا ان “اسرائيل” تتصرف نحوهم بطريقة قائمة على “الإهمال والتمييز”.
وبالمثل، لا تسمح “اسرائيل” للفلسطينيين الذين يتزوجون مواطنات “اسرائيليات” بأن يصبحوا مواطنين هم أنفسهم، ولا تمنح هؤلاء الأزواج حق العيش في “اسرائيل”، وقد وصفت منظمة حقوق الإنسان “الاسرائيلية” بتسليم هذا التقييد بأنه “قانون عنصري يقرر من يستطيع العيش هنا بناء على معايير عنصرية”، ومثل هذه القوانين قد تكون قابلة للتفهم، بأخذ المبادئ المؤسسة ل “اسرائيل” بعين الاعتبار، ولكنها لا تنسجم مع تصور أمريكا للديمقراطية.
كما يتقوض وضع “اسرائيل” الديمقراطي بفعل رفضها منح الفلسطينيين دولة قابلة للحياة خاصة بهم، ف “اسرائيل” تتحكم بحياة نحو 3،8 مليون فلسطيني في غزة والصفة الغربية، بينما تستعمر أراضي كان الفلسطينيون يقيمون فيها منذ عهد بعيد. و”اسرائيل” ديمقراطية رسميا، ولكن ملايين الفلسطينيين الذين تتحكم بهم محرومون من الحقوق السياسية الكاملة، وبذلك يصبح منطق “الديمقراطية  المشتركة” واهناً تبعاً لذلك.

التعويض عن جرائم سابقة
ثمة تبرير أخلاقي ثالث هو تاريخ المعاناة اليهودية في الغرب المسيحي، وبخاصة الأحداث المأساوية للمحرقة اليهودية، ولأن اليهود تم اضطهادهم على مدى قرون، ولا يمكن ان يكونوا في مأمن إلا في وطن يهودي، فإن البعض يعقتد بأن “اسرائيل” تستحق معاملة خاصة من قبل الولايات المتحدة.
وما من شك في أن اليهود قد عانوا كثيرا جراء ارث اللاسامية الخسيس، وان خلق “اسرائيل” كان رداً ملائماً على سجل طويل من الجرائم، وكما قلنا، يوفر هذا التاريخ قضية أخلاقية قوية لدعم وجود “اسرائيل”، ولكن خلق “اسرائيل” تضمن جرائم اضافية ارتكبت ضد طرف ثالث بريء في أغلب الأحيان، وهو الفلسطينيون.
وتاريخ هذه الأحداث مفهوم تماما، فعندما بدأت الصهيونية السياسية جديا في اواخر القرن التاسع عشر، كان هنالك نحو 15 الف يهودي فقط في فلسطين. وفي سنة ،1893 على سبيل المثال، كان العرب يشكلون نحو 95% من السكان، وعلى الرغم من انهم كانوا تحت السيطرة العثمانية، إلا أنهم كانوا يملكون هذه المنطقة بصورة متصلة على مدى 1300 سنة، وحتى عند تأسيس “اسرائيل”، لم يكن اليهود سوى نحو 35% من سكان فلسطين، ولم يكونوا يملكون إلا 7% من الأراضي.
ولم تكن القيادة الصهيونية السائدة معنية بإقامة دولة ثنائية القومية أو قبول تقسيم دائم لفلسطين. وكانت القيادة الصهيونية راغبة في بعض الاحيان بقبول التقسيم كخطوة اولى، ولكن هذه كانت مناورة تكتيكية، ولم تكن هدفها الحقيقي، وقد عبر عن ذلك ديفيد بن جوريون في اواخر ثلاثينات القرن الماضي، حين قال: “بعد تكوين جيش ضخم في اعقاب تأسيس الدولة، سوف نلغي التقسيم ونمتد الى فلسطين كلها”.
ولتحقيق هذا الهدف، اضطر الصهاينة الى طرد اعداد ضخمة من العرب من المنطقة التي ستصبح “اسرائيل” في نهاية المطاف. وببساطة لم يكن ثمة سبيل آخر لتحقيق غرضهم، وكان بن جوريون يرى المشكلة بوضوح عندما كتب سنة 1941: “ان من المستحيل تخيل تفريغ عام (للسكان العرب) من دون إجبار، وإجبار وحشي”. أو كما عبّر عن ذلك المؤرخ “الاسرائيلي” بيني موريس: “ان فكرة الترانسفير (الترحيل) قديمة قدم الصهيونية الحديثة، وقد رافقت تطورها وتطبيقها العملي خلال القرن الماضي”.
وقد حانت هذه الفرصة سنة 1947 - ،1948 عندما دفعت القوات اليهودية، ما يبلغ 700 الف فلسطيني نحو المنفى، وكان المسؤولون “الاسرائيليون” يدّعون منذ فترة طويلة ان العرب قد هربوا لأن زعماءهم طلبوا منهم ذلك، ولكن البحث المتأني (الذي اجرى معظمه المؤرخون “الاسرائيليون”) قضى على هذه الاسطورة. وفي حقيقة الأمر، فإن معظم الزعماء العرب حثوا السكان الفلسطينيين على البقاء في وطنهم، ولكن الخوف من الموت العنيف على ايدي القوات الصهيونية قاد معظمهم الى الفرار، وبعد الحرب، حظرت “اسرائيل” عودة المنفيين الفلسطينيين.
وكون خلق “اسرائيل” قد استتبع جريمة أخلاقية ضد الشعب الفلسطيني كان مفهوما تماما من قبل قادة “اسرائيل” حيث قال بن جوريون لناحوم جولدمان، رئيس المؤتمر اليهودي العالمي: “لو كنت زعيما عربيا لما كنت أتوصل الى اتفاق مع “اسرائيل” أبدا، وذلك طبيعي: فقد أخذنا بلدهم.. ونحن ننتمي الى “اسرائيل”، ولكن قبل ألفي سنة، وماذا يعني ذلك لهم؟ لقد كانت هنالك لاسامية، ونازيون، وهتلر، وأوشفتز، ولكن، هل كانت تلك غلطتهم؟ انهم لا يرون إلا شيئا واحدا، هو اننا جئنا الى هنا وسرقنا بلدهم، فلماذا ينبغي عليهم أن يقبلوا ذلك؟”.
ومنذئذ، سعى الزعماء “الاسرائيليون” بصورة متكررة الى حرمان الفلسطينيين من طموحاتهم الوطنية. وقد قالت رئيسة وزراء “اسرائيل” السابقة جولدا مائير قولتها الشهيرة: “انه لا يوجد شيء اسمه الفلسطينيون”، وحتى رئيس الوزراء اسحق رابين، الذي وقع اتفاقات اوسلو سنة ،1983 عارض رغم ذلك إقامة دولة فلسطينية مكتملة، وقد أجبر الضغط الناجم عن العنف المتطرف وتزايد عدد السكان الفلسطينيين الزعماء “الاسرائيليين” المتعاقبين على فك الارتباط مع بعض المناطق المحتلة واستكشاف تسوية محلية، ولكن اي حكومة “اسرائيلية” لم تكن راغبة في أن تقدم للفلسطينيين دولة قابلة للحياة خاصة بهم. وحتى عرض رئيس الوزراء ايهود باراك الذي يُزْعم انه سخي في كامب ديفيد في يوليو/ تموز سنة ،2000 لم يكن ليمنح الفلسطينيين سوى مجموعة من “البانتوستانات” الممزقة والمجردة من السلاح، خاضعة للسيطرة الفعلية “الاسرائيلية”.
وتوفر جرائم أوروبا ضد اليهود مبررا أخلاقيا واضحا لحق وجود “اسرائيل”، ولكن بقاء “اسرائيل” ليس موضع شك - حتى ولو أطلق بعض المتطرفين الاسلاميين تصريحات مثيرة للغضب وغير واقعية تنادي ب  “مسحها عن الخريطة”، والتاريخ المأساوي للشعب اليهودي، لا يجبر الولايات المتحدة على مساعدة “اسرائيل” بصرف النظر عما تفعل اليوم.

"الإسرائيليون الفاضلون" مقابل "العرب الأشرار"
الحجة الأخلاقية الأخيرة تصور “اسرائيل” على انها دولة ظلت تنشد السلام في كل مرحلة، وانها ابدت قدرا كبيرا من ضبط النفس، حتى حين تُستفز، ويقال ان العرب في المقابل، ظلوا يتصرفون بقدر عظيم من الخبث والشر. وهذه الحكاية - التي يكررها من دون انقطاع زعماء “اسرائيل” ومن يختلقون لها الأعذار من الامريكيين مثل آلان ديرشوفيتز- اسطورة أخرى.
ومن ناحية السلوك الفعلي، لا يختلف اداء “اسرائيل” على الصعيد الاخلاقي عن افعال خصومها.
ويُبين البحث الصادر حتى عن الجهات “الاسرائيلية” ان الصهاينة الأوائل كانوا بعيدين عن السخاء، وقد قاوم السكان العرب فعلا تعديات الصهاينة، الأمر الذي يصعب استغرابه لأن الصهاينة كانوا يحاولون خلق دولتهم الخاصة بهم على الأراضي العربية. وكان الصهاينة يردون بعنف. ولم يكن اي من الطرفين متفوقا أخلاقيا خلال هذه المرحلة، كما يكشف هذا البحث ذاته ان خلق “اسرائيل” سنة 1947 - 1948 انطوى على أعمال تطهير عرقي ضمنية، من بينها الاعدامات، والمذابح، وعمليات الاغتصاب من قبل اليهود.
وإضافة الى ذلك، فإن سلوك “اسرائيل” اللاحق نحو خصومها العرب ورعاياها الفلسطينيين، كثيرا ما كان وحشياً، ويكذّب ادعاءها التفوق الأخلاقي، وعلى سبيل المثال، قتلت قوات الأمن “الاسرائيلية” بين سنة 1949 و،1959 ما يتراوح بين 2700 و5000 متسلل عربي، غالبيتهم العظمى غير مسلحة. وشن الجيش “الاسرائيلي” غارات عديدة عبر الحدود ضد جيران “اسرائيل” في اوائل خمسينات القرن الماضي، وعلى الرغم من انه تم تصوير هذه الافعال باعتبارها ردودا دفاعية، إلا انها كانت في واقع الأمر جزءا من جهد أشمل لتوسيع حدود “اسرائيل”، كما أدت طموحات “اسرائيل” التوسعية الى انضمامها الى بريطانيا وفرنسا في مهاجمة مصر سنة ،1956 وانسحبت “اسرائيل” من الأراضي التي استولت عليها، بعد الضغط الشديد من قبل الولايات المتحدة.
كما قتل الجيش “الاسرائيلي” المئات من اسرى الحرب المصريين في كل من حربي 1956 و1967. وفي سنة 1967 طرد بين 100 الف و260 الف فلسطيني من الضفة الغربية التي استولى عليها وقتئذ، وطرد 80 ألف سوري من مرتفعات الجولان. كما كان متواطئا في ذبح أكثر من 1000 فلسطيني بريء في مخيمي صبرا وشاتيلا للاجئين بعد غزوة لبنان سنة ،1982 ووجدت لجنة تحقيق “اسرائيلية” ارييل شارون الذي كان وزير الدفاع يومئذ “مسؤولا شخصيا” عن هذه الفظائع.
وظل “الاسرائيليون” يعذبون العديد من السجناء الفلسطينيين، ويذلون المدنيين الفلسطينيين ويضيقون عليهم بصورة منتظمة، ويستخدمون القوة ضدهم من دون تمييز في العديد من المناسبات. وخلال الانتفاضة الاولى (1987 - 1991) على سبيل المثال وزع الجيش “الاسرائيلي” الهراوات على قواته وشجعها على تهشيم عظام المحتجين الفلسطينيين. وقد قدرت منظمة “أنقذوا الاطفال” السويدية ان ما بين 236000 طفل و29900 طفل كانوا في حاجة الى العلاج الطبي بسبب إصاباتهم الناجمة عن الضرب اثناء السنتين الاوليين من الانتفاضة”، وكان نحو ثلثهم يعانون من كسور في العظام. وكانت اعمار ثلث الاطفال المضروبين تقريبا عشر سنوات او دونها”.
وكان رد “اسرائيل” على الانتفاضة الثانية (2000 - 2005) اشد عنفاً، مما جعل صحيفة “هآرتس” “الاسرائيلية” الرائدة تعلن ان “الجيش “الاسرائيلي” أخد في التحول الى آلة للقتل، فاعليتها تثير الرعب والصدمة”. وقد اطلق هذا الجيش مليون عيار ناري في الايام الاولى من الانتفاضة، وذلك رد بعيد عن أن يكون موزوناً. ومنذئذ ظلت “اسرائيل” تقتل 3،4 فلسطيني مقابل كل “اسرائيلي” تفقده، وكان معظم الفلسطينيين هؤلاء من عابري السبيل الابرياء، كما ان نسبة القتلى من الأطفال الفلسطينيين الى الاطفال “الاسرائيليين” أعلى من ذلك (فهي 5،7 الى 1). كما قتلت القوات “الاسرائيلية” العديد من نشطاء السلام الأجانب، ومن بينهم فتاة أمريكية عمرها 23 سنة، سحقتها جرافة “اسرائيلية” في مارس/ آذار 2003.
وقد تم توثيق هذه الحقائق عن السلوك  “الاسرائيلي” بإسهاب من قبل العديد من منظمات حقوق الإنسان - ومن بينها جماعات “اسرائيلية” بارزة - ولا يختلف عليها المراقبون ذوو التفكير المعتدل. وهذا هو ما حدا بأربعة من ضباط الشين بيت السابقين (منظمة الامن المحلي “الاسرائيلية”) الى ان يدينوا سلوك “اسرائيل” خلال الانتفاضة الثانية في نوفمبر/ تشرين الثاني 2003. وقد أعلن أحدهم قائلا: “اننا نتصرف على نحو فاضح”، كما وصف آخر سلوك “اسرائيل” بأنه “لا أخلاقي بصورة سافرة”.
ولكن أليست “إسرائيل” مخولة أن تفعل ما بوسعها لحماية مواطنيها؟ وألا يبرر الشر الفريد للإرهاب استمرار الدعم الأمريكي لها، حتى ولو كانت ترد بقسوة في كثير من الأحيان؟
في حقيقة الأمر، لا تشكل هذه الحجة أيضاً مبرراً أخلاقياً مقنعاً، فالفلسطينيون يستخدمون “الإرهاب” ضد محتليهم “الإسرائيليين”، ورغبتهم في مهاجمة مدنيين أبرياء خاطئة. ولكن هذا السلوك ليس مدهشاً، لأن الفلسطينيين يعتقدون أنه ليس لديهم سبيل آخر لإجبار “إسرائيل” على التنازل. وكما اعترف رئيس الوزراء “الإسرائيلي” ايهود باراك ذات مرة، بأنه لو كان قد ولد فلسطينياً “لانضم إلى إحدى المنظمات الإرهابية”.
وفي النهاية، ينبغي علينا ألا ننسى أن الصهاينة قد استخدموا الإرهاب عندما كانوا في وضع ضعيف مماثل، وكانوا يحاولون الحصول على دولتهم الخاصة بهم. وفي ما بين سنتي 1944 و1947 استخدم العديد من المنظمات الصهيونية التفجيرات الإرهابية لطرد البريطانيين من فلسطين، وأزهقوا أرواح العديد من المدنيين الأبرياء خلال ذلك. كما قتل الإرهابيون “الاسرائيليون” وسيط الأمم المتحدة الكونت فولك برنادوت سنة ،1948 لأنهم كانوا يعارضون اقتراحه تدويل مدينة القدس. ولم يكن منفذو هذه الأعمال متطرفين معزولين: إذ تم منح قادة خطة القتل في نهاية المطاف عقوداً من قبل الحكومة “الاسرائيلية”، كما جرى انتخاب أحدهم لعضوية البرلمان “الاسرائيلي” الكنيست، كما أن أحد القادة الإرهابيين الذين وافقوا على عملية القتل من دون أن يقدم الى المحاكمة كان رئيس وزراء “إسرائيل” المستقيل اسحاق شامير. وفي حقيقة الأمر، قال شامير علناً، إنه “لا الأخلاق اليهودية ولا التقاليد اليهودية تستبعد الإرهاب كوسيلة للقتال”، بل إن الإرهاب “له دور كبير يلعبه.. في حربنا ضد المحتلين (البريطانيين)”. فإذا كان استخدام الفلسطينيين للإرهاب اليوم شيئاً يجب التوبة عنه أخلاقياً، فإنه كان كذلك اعتماد “إسرائيل” عليه في الماضي، وهكذا فإنه ليس بوسع المرء أن يبرر دعم الولايات المتحدة ل”إسرائيل” على أساس أن أداءها في الماضي كان متفوقاً أخلاقياً.
وقد لا تكون “إسرائيل” قد تصرفت على نحو أسوأ مما تصرفت به العديد من الدول، لكن من الواضح أنها لم تتصرف على نحو أفضل، ولكن إذا لم تكن الحجج الاستراتيجية أو الأخلاقية قادرة على تفسير دعم أمريكا ل”إسرائيل” فكيف نفسره نحن؟

اللوبي "الإسرائيلي"
يكمن التفسير في قوة لوبي “إسرائيل” التي ليس لها مثيل، فلولا مقدرة هذا اللوبي على معالجة النظام السياسي الأمريكي، لكانت العلاقة بين “إسرائيل” والولايات المتحدة أقل حميمية مما هي عليه اليوم.
ما هو اللوبي؟
إننا نستعمل تعبير “اللوبي” كاختصار مريح للتعبير عن التحالف الفضفاض بين الأفراد والمنظمات التي تعمل بنشاط لتشكيل السياسة الخارجية الأمريكية في اتجاه موال ل”اسرائيل” وليس المقصود من استعمالنا لهذا التعبير الإيحاء بأن “اللوبي” هو حركة موحدة ذات قيادة مركزية، أو أن الافراد ضمنه لا يختلفون على قضايا معينة.
يتكون جوهر اللوبي من يهود امريكيين يبذلون جهداً كبيراً في حياتهم اليومية من أجل ثني السياسة الخارجية الامريكية بحيث تدعم مصالح “اسرائيل” وتتجاوز نشاطاتهم مجرد التصويت لمرشحين موالين ل”اسرائيل”، الى كتابة الرسائل والإسهامات المالية، ودعم المنظمات الموالية ل”اسرائيل” ولكن ليس كل الأمريكيين اليهود جزءاً من اللوبي، لأن “إسرائيل” ليست قضية بارزة للعديد منهم. ففي مسح أجري سنة ،2004 على سبيل المثال، قال نحو 36% من الامريكيين اليهود إنهم إما غير مرتبطين جداً ب”اسرائيل” عاطفياً، أو “غير مرتبطين بها عاطفياً بالمرة”.
كما يختلف اليهود الامريكيون على سياسات “اسرائيلية” معينة. ويدار العديد من المنظمات الرئيسية في اللوبي، مثل منظمة “ايباك”، ومؤتمر رؤساء المنظمات اليهودية الرئيسية، من قبل متشددين يدعمون في العادة السياسات التوسعية لحزب الليكود “الاسرائيلي”، بما في ذلك عداؤه لعملية سلام أوسلو، ومن جهة اخرى فإن غالبية اليهود الامريكيين، يميلون الى تقديم تنازلات للفلسطينيين، وان جماعات قليلة  مثل جماعة الصوت اليهودي من اجل السلام  تدعم بقوة مثل هذه الخطوات. وعلى الرغم من هذه الخلافات، يؤيد المعتدلون والمتشددون جميعاً، الدعم الامريكي الثابت ل “اسرائيل”.
وليس غريباً، ان الزعماء اليهود الامريكيين، كثيراً ما يتشاورون مع المسؤولين “الاسرائيليين”، بحيث يستطيع هؤلاء الزعماء ان يمارسوا أقصى نفوذ لهم في الولايات المتحدة. وكما كتب احد الناشطين مع منظمة يهودية كبرى: من المعتاد لنا القول: “هذه هي سياستنا بشأن قضية معينة، ولكن يجب علينا ان نرى ما يعتقده “الاسرائيليون” بشأنها”.
ونحن كمجتمع نفعل ذلك طوال الوقت. كما توجد هنالك معايير صارمة ضد انتقاد السياسة “الاسرائيلية”، ونادراً ما يؤيد الزعماء الامريكيون اليهود ممارسة ضغط على “اسرائيل”، وعلى ذلك، اتهم ادجار برونفمان الأصغر، رئيس المؤتمر اليهودي العالمي ب “الغدر” عندما كتب رسالة الى الرئيس بوش في منتصف سنة 2003 يحثه فيها على الضغط على “اسرائيل” من أجل وقف بناء “السياج الأمني” المثير للجدل. وأعلن المنتقدون “ان من الفحش في أي وقت ان يحث رئيس المؤتمر اليهودي العالمي رئيس الولايات المتحدة على مقاومة السياسات التي تدعمها حكومة “اسرائيل””.
وبالمثل، عندما نصح رئيس منتدى السياسة “الاسرائيليةج” سيمور رايش وزيرة الخارجية الامريكية كوندوليزا رايس بالضغط على “اسرائيل” لإعادة فتح معبر حدودي مهم في قطاع غزة في نوفمبر/تشرين الثاني ،2005 أدان المنتقدون تصرفه باعتباره “سلوكاً غير مسؤول” وأعلنوا انه لا مجال أبداً في الأوساط اليهودية السائدة للحشد ضد سياسات “اسرائيل” المتعلقة بالأمن”. وبعد ذلك تراجع رايش عن هذه الهجمات وادعى ان “كلمة ضغط ليست في قاموسي حين يتعلق الأمر ب “اسرائيل””.
وقد شكل الامريكيون اليهود سلسلة مهمة من المنظمات للتأثير في السياسة الخارجية الامريكية، ومن اقوى هذه المنظمات وأشهرها منظمة “ايباك”. وفي سنة 1997 طلبت مجلة فورتشن من أعضاء منظمة المؤتمر اليهودي والعاملين فيها ان يذكروا أقوى جماعات الضغط في واشنطن، فجاءت منظمة ايباك الثانية بعد الجمعية الامريكية للناس المتقاعدين، ولكنها جاءت قبل جماعات ضغط من الوزن الثقيل مثل اتحاد العمل الامريكي، مؤتمر المنظمات الصناعية، والجمعية الوطنية للبنادق. وتوصلت مجلة (ناشيونال جورنال) في دراسة أجرتها في مارس/ آذار 2005 الى نتيجة مماثلة، حيث وضعت منظمة ايباك في مرتبة ثانية (مرتبطة مع الجمعية الامريكية للناس المتقاعدين) في “عمليات فرز القوة” في واشنطن.
ويضم اللوبي كذلك بروتستانتيين مسيحيين بارزين مثل جاري بوير، وجيري فالويل، ورالف ريد، وبات روبرتسون، كما يضم ديك آرمي وتوم ديلاي، الزعيمين السابقين للأغلبية في مجلس النواب، وهم يعتقدون ان مولد “اسرائيل” من جديد جزء من نبوءة توراتية، ويساندون اجندتها التوسعية، ويظنون ان الضغط على “اسرائيل” مخالف لإرادة الله. وبالإضافة الى ذلك، تضم عضوية اللوبي اغياراً من المحافظين الجدد مثل جون بولتون، ومدير تحرير مجلة وول ستريت جورنال السابق روبرت بارتلي، ووزير التعليم السابق وليام بينيت، والسفيرة السابقة لدى الامم المتحدة جين كريكباتريك، والكاتب الصحافي جورج ويل.

 

فاعلية خارقة للمألوف في العمل من أجل “إسرائيل”
 
الولايات المتحدة حكومة منقسمة مما يوفر العديد من الطرق للتأثير في العملية السياسية. ونتيجة لذلك تستطيع جماعات المصالح ان تشكل السياسة بطرق مختلفة كثيرة  بحشد التأييد للممثلين المنتخبين وأعضاء الفرع التنفيذي، والتبرع للحملات الانتخابية، والتصويت في الانتخابات، وصياغة الرأي العام.. إلخ.
وإضافة إلى ذلك، تتمتع جماعات مصالح معينة، بسلطة لا تتناسب مع حجمها عندما تلتزم بقضية معينة ولا تبالي أغلبية السكان بذلك. ويميل صناع السياسة إلى تسهيل أمور الذين يعتنون بالقضية موضع البحث، حتى ولو كانت أعدادهم صغيرة، وهم على ثقة من أن بقية السكان لن تعاقبهم.
وتنبع قوة اللوبي “الإسرائيلي” من مقدرته التي ليس لها مثيل على لعب لعبة سياسات جماعة المصالح هذه. وفي عملياتها الأساسية، لا تختلف عن جماعات المصالح مثل (لوبي المزرعة)، ولوبي عمال صناعة الفولاذ والنسيج، وغيرها من جماعات الضغط العرقية. والذي يميز اللوبي “الإسرائيلي” عن كل ذلك هو “فاعليته الخارقة للمألوف”. ولكنه لا يوجد شيء غير ملائم بشأن اليهود الأمريكيين وحلفائهم المسيحيين في محاولتهم إمالة السياسة الأمريكية نحو “إسرائيل”، فأنشطة اللوبي ليست من نوع المؤامرة التي تصورها الكتب الدعائية المناوئة للسامية مثل كتاب (بروتوكولات حكماء صهيون). وفي أغلب الحالات، يفعل الأفراد والجماعات الذين يشكلون اللوبي ما تفعله جماعات المصالح الخاصة الأخرى، ولكن بطريقة أفضل بكثير. وزيادة على ذلك، فإن جماعات المصالح الموالية للعرب ضعيفة إلى غير موجودة، مما يجعل مهمة اللوبي أسهل.

استراتيجيات للنجاح
يمارس اللوبي استراتيجيتين واسعتين لتعزيز الدعم الأمريكي ل”إسرائيل”. الأولى، انه يمارس نفوذاً عظيماً في واشنطن، بالضغط على كل من الكونجرس والفرع التنفيذي لدعم “إسرائيل” دائماً. ومهما تكن الآراء الخاصة لأحد صناع القانون أو صناع السياسة، يحاول اللوبي أن يجعل دعم “إسرائيل” هو الخيار السياسي “الذكي”.
والاستراتيجية الثانية، هي ان اللوبي يكافح من أجل ان يضمن ان الخطاب العام بشأن “إسرائيل” يصورها على نحو إيجابي، بترديد الأساطير عن “إسرائيل” وتأسيسها، وتعميم الوجهة “الإسرائيلية” في النقاشات السياسية التي تجري كل يوم. والهدف هو منع التعليقات الانتقادية بشأن “إسرائيل” من الحصول على إصغاء معقول على الساحة السياسية. فالسيطرة على النقاش والتحكم فيه أمر ضروري لضمان الدعم الأمريكي، لأن المناقشة النزيهة للعلاقات الأمريكية  “الإسرائيلية” قد تؤدي بالأمريكيين إلى تفضيل سياسة مختلفة.

التأثير في الكونجرس
إن أحد أعمدة فاعلية اللوبي هو نفوذه في الكونجرس، حيث تهيمن “إسرائيل” في واقع الأمر، وهذا بحد ذاته وضع فريد، لأن الكونجرس لا يتجنب أبداً القضايا الشائكة. وسواء كانت القضية هي الاجهاض، أو العمل الايجابي (زيادة نسبة تمثيل المرأة والأقليات في الوظائف الرسمية أو الجامعات.. إلخ)، أو الرعاية الصحية، أو الرفاه، فلا بد أن يكون هنالك نقاش حي لها في الكونجرس. ولكن، حيثما يكون الأمر متعلقاً بـ”إسرائيل”، يخيم الصمت على الجميع، ولا يكاد يكون هنالك نقاش أبداً.
ويكمن أحد أسباب نجاح اللوبي مع الكونجرس في ان بعض أهم الأعضاء صهاينة مسيحيون مثل ديك آرمي، الذي قال في سبتمبر/ ايلول 2002 ان “أولويتي رقم واحد في السياسة الخارجية هي حماية “إسرائيل”، وقد يظن المرء ان الأولوية رقم واحد لأي عضو في الكونجرس ستكون “حماية أمريكا”، ولكن ذلك لم يكن ما قاله آرمي. وهنالك ايضاً سيناتورات، وأعضاء كونجرس يهود يعملون على جعل السياسة الخارجية الأمريكية تدعم مصالح “إسرائيل”.
وأعضاء الكونجرس الموالون ل”إسرائيل” مصدر آخر لقوة اللوبي. وكما اعترف موريس أميتاي، أحد رؤساء منظمة “ايباك” السابقين، ذات مرة، حين قال: “هنالك عدد كبير من الاشخاص الذين يمارسون العمل هنا (في مقر الكونجرس).. والذين هم من اليهود، ويرغبون ... في النظر إلى قضايا معينة من زاوية كونهم يهوداً.. وهؤلاء جميعاً أشخاص في وضع اتخاذ القرار في هذه المجالات لأولئك السيناتورات، ويستطيع المرء ان يلمس كمية هائلة من العمل الذي ينجز على مستوى هيئة العاملين في الكونجرس”.
ولكن “ايباك” نفسها هي التي تشكل جوهر نفوذ اللوبي في الكونجرس. ويرجع نجاح “ايباك” إلى مقدرتها على مكافأة اعضاء الهيئة التشريعية ومرشحي الكونجرس الذين يساندون اجندتها، ومعاقبة من يتحدونها. والمال مهم جداً للانتخابات الأمريكية (كما تذكرنا بذلك فضيحة عضو جماعة الضغط جاك ابراموف وصفقاته المشبوهة، التي فاحت رائحتها أخيراً)، وتتحقق منظمة ايباك من ان أصدقاءها يحصلون على دعم مالي قوي من عدد هائل من لجان العمل السياسي الموالية ل”إسرائيل”. أما الذين يعتبرون معادين ل”إسرائيل”، من جهة أخرى، فينبغي ان يكونوا على ثقة من ان منظمة “ايباك” سوف توجه تبرعاتها للحملة الانتخابية إلى خصومهم السياسيين، كما تنظم ايباك حملات كتابة رسائل، وتحث محرري الصحف على الموافقة على المرشحين الموالين لـ”إسرائيل”.
وليس هنالك شك في كفاءة هذه التكتيكات. ونسوق على ذلك مثالاً واحداً، ففي سنة 1984 ساعدت منظمة “ايباك” على هزيمة السيناتور تشارلس بيرسي من الينوي، الذي “أبدى عدم حساسية، بل عداء تجاه مصالحنا”، حسبما ذكر أحد أعضاء اللوبي البارزين. وشرح توماس داين، رئيس منظمة “ايباك” يومئذ ما حدث، فقال: “ان جميع اليهود في أمريكا، من الساحل إلى الساحل، اجتمعوا من أجل طرد بيرسي. وقد التقط الساسة الأمريكيون الرسالة  وهم الذين يشغلون اليوم المناصب العامة أو يطمحون إلى شغلها”. وتعتز “ايباك” بسمعتها كخصم جبار، بطبيعة الحال، لأنها تثبط عزيمة أياً كان عن مساءلة أجندتها.
ولكن تأثير “ايباك” في الكونجرس يتعدى ذلك أكثر. وحسبما قال دوجلاس بلومفيلد، احد الأعضاء السابقين في هيئة العاملين في “ايباك”، فإن “من المألوف ان يرجع اعضاء الكونجرس ومساعدوهم إلى منظمة “ايباك” أولاً عندما يحتاجون إلى المعلومات، قبل الاتصال بمكتبة الكونجرس، أو خدمة الابحاث التابعة للكونجرس، أو أعضاء احدى اللجان أو خبراء الإدارة”. وأهم من ذلك، يذكر ان ايباك “كثيراً ما يجري الاتصال بها لصياغة الخطب، والعمل على التشريعات، وإبداء المشورة بشأن التكتيكات، وتنظيم الأبحاث، وجمع المشاركين في الرعاية، وتنظيم الاصوات الانتخابية”.
وجوهر الأمر هو ان منظمة “ايباك”، التي هي في واقع الحال عميل لدولة أجنبية، تمسك بخناق الكونجرس الأمريكي. فالنقاش العلني بشأن السياسة الأمريكية إزاء “إسرائيل” لا يجري هناك، على الرغم من ان لتلك السياسة عواقب مهمة على العالم بأسره. وهكذا فإن أحد الفروع الثلاثة الرئيسية للحكومة الأمريكية ملتزم بثبات بدعم “إسرائيل”. وكما قال السيناتور السابق ايرنست هولينج (ديمقراطي من جنوب كارولينا)، عندما كان على وشك التخلي عن منصبه “انك لا تستطيع ان يكون لك سياسة إزاء “إسرائيل” غير تلك التي تعطيك إياها منظمة إيباك هنا”. وما من عجب في ان رئيس الوزراء “الإسرائيلي” ارييل شارون قال أمام جمهور أمريكي ذات مرة “عندما يسألني الناس كيف يستطيعون ان يساعدوا “إسرائيل”، أقول لهم: ساعدوا ايباك”.

التأثير في الفرع التنفيذي
يملك اللوبي كذلك نفوذاً واسعاً على الفرع التنفيذي. وتنبع تلك السلطة جزئياً من تأثير الناخبين اليهود على الانتخابات الرئاسية. وعلى الرغم من قلة عددهم بالنسبة إلى عدد السكان (فهم أقل من 3% من مجموع السكان)، إلا أنهم يدفعون أموالاً طائلة للحملات الانتخابية للمرشحين من كلا الحزبين. وقدرت صحيفة “الواشنطن بوست” ذات مرة ان مرشحي الرئاسة الديمقراطيين “يعتمدون على الأنصار اليهود لتزويدهم بما يبلغ 60% من الأموال”. وعلاوة على ذلك، يتمتع اليهود بمعدلات تجمع عالية ويتركزون في الولايات الرئيسية مثل كاليفورنيا، فلوريدا، الينوي، نيويورك، وبنسلفانيا. ولأن للناخبين اليهود أهمية كبيرة في الانتخابات الختامية، يقطع المرشحون للرئاسة شوطاً بعيداً في عدم إثارة عدائهم.
كما تستهدف المنظمات الرئيسية في اللوبي الإدارة التي تمسك بزمام السلطة، على نحو مباشر. وعلى سبيل المثال، تضمن القوى الموالية ل”إسرائيل” ألا يحصل منتقدو الدولة اليهودية على تعيينات مهمة في السياسة الخارجية. فقد أراد جيمي كارتر ان يتخذ جورج بول أول وزير خارجية لديه، ولكنه كان يعلم ان بول يعتبر منتقداً ل”إسرائيل” وأن اللوبي سوف يعارض تعيينه. ويجبر اختبار عباد الشمس هذا اي صانع سياسة طموح، على ان يصبح مؤيداً سافراً ل”إسرائيل”، وهذا هو السبب في ان المنتقدين العلنيين للسياسة “الإسرائيلية” أصبحوا صنفاً معرضاً للانقراض في مؤسسة السياسة الخارجية الأمريكية.
ولا تزال هذه القيود فاعلة حالياً. فعندما دعا مرشح الرئاسة لسنة ،2004 هوارد دين، الولايات المتحدة إلى “لعب دور أكثر انصافاً” في الصراع العربي  “الإسرائيلي”، اتهمه السيناتور جوزيف ليبرمان بخداع “إسرائيل” وقال انه تصريحه “غير مسؤول”. وفي واقع الأمر وقع جميع كبار الديمقراطيين في مجلس النواب رسالة شديدة اللهجة موجهة إلى دين، ينتقدون فيها تعليقاته، وذكرت صحيفة “شيكاجو جويش ستار” ان “مهاجمين مجهولين.. يزحمون صناديق البريد الالكتروني لزعماء اليهود في البلاد، محذرين  من دون دليل يذكر من أن دين سيكون سيئاً بالنسبة إلى “إسرائيل”.
ولكن هذا القلق كان منافياً للعقل، لأن دين كان في حقيقة الأمر صقوريا بشأن “إسرائيل”، فقد كان المشارك في رئاسة حملته الانتخابية رئيساً سابقاً لمنظمة ايباك، وقال دين إن آراءه الخاصة بالنزاع في الشرق الأوسط تعكس على نحو أوثق آراء “ايباك” أكثر مما تعكس آراء الأمريكيين الأكثر اعتدالاً في منظمة السلام الآن. وكان كل ما فعله دين انه اقترح ان على واشنطن من أجل “التقريب بين الطرفين” ان تتصرف كوسيط نزيه. ويصعب اعتبار هذه الفكرة راديكالية، ولكنها تعتبر لعنة لدى اللوبي، الذي لا يطيق حتى فكرة النزاهة عندما يتعلق الأمر بالصراع العربي  “الإسرائيلي”.
وتخدم أغراض اللوبي كذلك عندما يحتل الأفراد الموالون ل”إسرائيل” مناصب مهمة في الفرع التنفيذي. وعلى سبيل المثال، كانت السياسة الأمريكية إزاء الشرق الأوسط في عهد إدارة ريجان، تتشكل إلى حد بعيد على أيدي مسؤولين لهم علاقات وثيقة مع “إسرائيل” أو مع منظمات بارزة موالية لـ”إسرائيل”  ومن بينهم مارتن انديك النائب السابق لمدير الأبحاث في منظمة “ايباك”، والمؤسس المشارك لمعهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى الموالي ل”إسرائيل”، ودينيس روس، الذي التحق بهذا المعهد بعد ترك الحكومة سنة ،2001 وأوهارون ميللر، الذي عاش في “إسرائيل” وكثيراً ما يزورها.
وكان هؤلاء الرجال من أقرب المستشارين لدى الرئيس كلينتون في مؤتمر كامب ديفيد في يوليو/ تموز سنة 2002. وعلى الرغم من ان ثلاثتهم كانوا يؤيدون عملية سلام أوسلو ويفضلون إيجاد دولة فلسطينية، فإنهم لم يفعلوا ذلك إلا في نطاق ما سيكون مقبولاً لدى “إسرائيل”. وبوجه خاص، كان الوفد الأمريكي يأخذ التلقين من رئيس الوزراء “الإسرائيلي” ايهود باراك، وينسق المواقف التفاوضية سلفاً، ولم يعرض مقترحاته الخاصة لتسوية الصراع. ولا عجب والحالة هذه، ان المفاوضين الفلسطينيين اشتكوا من انهم “يفاوضون فريقين “إسرائيليين”  أحدهما يرفع العلم “الإسرائيلي”، والثاني يرفع العلم الأمريكي”.
بل إن الوضع أكثر صراحة ووضوحاً في إدارة بوش، التي تضم بين صفوفها أفراداً شديدي الولاء ل”إسرائيل”، مثل اليوت أبرامز، جون بولتون، دوجلاس فيث، لويس (“سكوتر”) ليبي، ريتشارد بيرل، بول وولفوتز، وديفيد وورمسر. وكما سنرى، فإن هؤلاء المسؤولين ظلوا يضغطون باستمرار من أجل السياسات التي تحبذها “إسرائيل” وتدعمها المنظمات في اللوبي.

السيطرة على الإعلام
بالإضافة إلى التأثير المباشر في سياسة الحكومة، يناضل اللوبي لتشكيل مفاهيم وآراء العامة بشأن “إسرائيل” والشرق الأوسط. وهو لا يريد وجود نقاش علني للقضايا التي تتضمن “إسرائيل”، لأن النقاش العلني قد يجعل الأمريكيين يتساءلون عن مستوى الدعم الذي يوفرونه حالياً. وتبعاً لذلك، تعمل المنظمات الموالية ل”إسرائيل” جاهدة للتأثير في الاعلام، وبيوت الخبرة، والأوساط الاكاديمية، لأن هذه المؤسسات بالغة الأهمية في صياغة الرأي العام.
وينعكس رأي اللوبي في “إسرائيل” على نطاق واسع في وسائل الإعلام السائدة لأسباب من أهمها ان معظم المعلقين الأمريكيين موالون ل”إسرائيل” ويخضع النقاش بين الخبراء في شؤون الشرق الأوسط، كما يقول الصحافي اريك الترمان “للأناس الذين لا يستطيعون ان يتخيلوا انتقاد “إسرائيل”. ويسرد قائمة تضم أسماء 61 “كاتب عمود صحافي، ومعلق يمكن الاعتماد عليهم لمساندة “إسرائيل” دون وعي أو إرادة وبصورة مطلقة”. وبالعكس، لم يجد الترمان سوى خمسة خبراء ينتقدون بصورة ثابتة سلوك “إسرائيل” أو يؤيدون المواقف الموالية للعرب. وتنشر الصحف بين حين وآخر بعض الآراء أو الافتتاحيات المستضافة التي تتحدى السياسة “الإسرائيلية”، ولكن كفة ميزان الرأي مائلة على نحو واضح إلى الطرف الآخر.
وينعكس هذا التميز الموالي ل”إسرائيل” في افتتاحيات الصحف الرئيسية. وقد لاحظ روبرت بارتلي، المدير السابق لتحرير مجلة “وول ستريت جورنال”، ان “شامير، وشارون، وبيبي (أي نتنياهو  مهما يطلب هؤلاء الأشخاص، فإن طلباتهم مقبولة لديّ”. وليس ان هذه المجلة، بالإضافة إلى ان الصحف المبارزة الأخرى مثل، “ذي شيكاغو صن تايمز”، و”واشنطن تايمز”، تنشر باستمرار افتتاحيات موالية لـ”إسرائيل”. كما تدافع المجلات مثل مجلة “كومنتري”، و”نيو رييليك”، و”ويكلي ستاندارد” عن “إسرائيل” بحماس وفي كل مناسبة.
كما نجد تحيز الآراء والافتتاحيات كذلك في صحف مثل “نيويورك تايمز”. ويندر ان تنتقد هذه الصحيفة سياسات “إسرائيل”، وتسلم في بعض الأحيان بأن للفلسطينيين ظلامات مشروعة، ولكنها غير منصفة. وعلى سبيل المثال، اعترف مدير التحرير التنفيذي السابق لهذه الصحيفة، ماكس فرانكل، بتأثير موقفه الموالي لـ”إسرائيل” على اختياره للموضوعات التي يحررها. وقد قال حرفياً “لقد كنت مخلصاً ل”إسرائيل” على نحو اعمق بكثير مما أجرؤ على توكيده”. ويتابع قائلاً: “متحصناً وراء معرفتي ب”إسرائيل”، وصداقاتي فيها، كنت اكتب بنفسي معظم تعليقاتنا الخاصة بالشرق الأوسط. وكما يعرف القراء العرب أكثر من القراء اليهود، كنت اكتب هذه التعليقات من منظور موال لـ”إسرائيل”.
وتغطية وسائل الإعلام لأخبار الأحداث التي لـ”إسرائيل” دخل بها، أكثر انصافاً إلى حد ما من التعليقات والافتتاحيات التي تنشر، ويعود ذلك جزئياً إلى رغبة المراسلين في ان يكونوا موضوعيين، ولكنه يرجع كذلك إلى ان يصعب تغطية الأحداث في المناطق المحتلة من دون الاعتراف بسلوك “إسرائيل” الحقيقي. ولكي يحبط اللوبي الأخبار غير المفضلة عن “إسرائيل” ينظم حملات كتابة الرسائل، والتظاهرات، وعمليات المقاطعة ضد وسائل الإعلام التي يعتبر مضمونها مناوئاً لـ”إسرائيل”. وقد قال أحد المسؤولين في شبكة “سي ان ان”، انه يتلقى في بعض الأحيان 6 آلاف رسالة الكترونية ورسالة نصية قصيرة في يوم واحد تشكو من ان خبرا ما، كان معادياً لـ”إسرائيل”. وبالمثل، نظمت لجنة (تحري الدقة في أخبار الشرق الأوسط في أمريكا) الموالية لـ”إسرائيل”، مظاهرات خارج محطات الاذاعة الوطنية العامة في 33 مدينة في مايو/ ايار ،2003 كما حاولت ان تقنع المتبرعين بأن يحجبوا الدعم عن هذه الاذاعة، إلى ان أصبحت التغطية الاخبارية اكثر تعاطفاً مع “إسرائيل”. وذكر ان محطة هذه الإذاعة في بوسطن خسرت أكثر من مليون دولار من التبرعات نتيجة لهذه الجهود. كما جاء الضغط على محطة الإذاعة الوطنية كذلك من قبل أصدقاء “إسرائيل” في الكونجرس، الذين طلبوا منها إجراء تدقيق داخلي، وممارسة مزيد من الإشراف على أخبار الشرق الأوسط.
وتساعد هذه العوامل في تفسير احتواء وسائل الإعلام الأمريكية على النزر اليسير فقط من الانتقاد لسياسة “إسرائيل”، والنادر جداً من مساءلة واشنطن عن علاقتها بـ”إسرائيل”، ومناقشات لنفوذ اللوبي الهائل على سياسة الولايات المتحدة، لا تأتي إلا لماماً.

 

 

 


 “إسرائيل” متغلغلة في كل معاهد الدراسات والبحوث

تتغلغل القوى الموالية ل “إسرائيل” في كافة مناحي مؤسسات ومعاهد الدراسات والبحوث والتخطيط الاستراتيجي والفكري في الولايات المتحدة وتهيمن عليها. ولا يخفى أن هذه المراكز والمعاقل الفكرية تلعب دوراً مهماً في صياغة الجدل العام ومساراته في المحافل والمنابر، اضافة الى ما تقوم به من دور خطير في صياغة السياسة الحقيقية. وبادر اللوبي الى إنشاء ترسانته الفكرية في عام ،1985 عندما ساعد مارتن انديك في تأسيس “معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى” ورغم أن المعهد يقلل من أهمية الصلات التي تربطه ب “إسرائيل”، ويزعم بدلاً من ذلك أنه يقدم رؤية “متوازنة وواقعية” حول قضايا الشرق الأوسط، إلا أن واقع الحال يناقض هذه الدعوى. وفي الحقيقة فإن المعهد المذكور يديره ويموله أناس منغمسون من مفرق رأسهم وحتى أخمص أقدامهم في نصرة جدول العمل “الاسرائيلي” وخدمة أهداف أجندة “إسرائيل” هذه.
ويتجاوز نفوذ وتأثير هذا اللوبي في عالم بؤر الدراسات الاستراتيجية هذه نطاق معهد واشنطن ويتعداه بكثير. وعلى امتداد ربع القرن الذي انصرم أسست القوى الموالية والمناصرة ل “إسرائيل” لحضور طاغ في معهد المشروع الأمريكي، وفي معهد بروكينغز، ومركز السياسة الأمنية، ومعهد بحوث السياسة الخارجية ومؤسسة التراث، ومعهد هدسون، ومعهد تحليل السياسة الخارجية، والمعهد اليهودي لشؤون الأمن القومي (جيشا). ومراكز الدراسات وصياغة الفكر والرأي العام هذه مناصرة ل “إسرائيل” يقيناً، وهي إن ضمت فلا تضم سوى حفنة ضئيلة ممن ينتقدون سياسة الولايات المتحدة الداعمة للدولة اليهودية.
ومن بين المؤشرات ذات الشأن التي تنبئ عن مدى نفوذ اللوبي وتأثيره في عالم بؤر الفكر الموجه هذه الأطوار المتدرجة التي مر بها معهد بروكينغز عبر مسيرة تطوره. فعلى مدى سنوات طويلة ظل وليم. ب. كونديت، وهو أكاديمي بارز ومسؤول سابق في مجلس الأمن القومي، يشغل منصب كبير الخبراء في المعهد لشؤون وقضايا الشرق الأوسط. وكان الرجل قد حاز صيتاً يستحقه لنزاهته المشهود بها في قضايا الصراع العربي  “الاسرائيلي”. وأما اليوم، فما يقوم به بروكينغز على أي حال، وما يجريه ويشتغل به من دراسات حول هذه المسائل انما يقوم به من خلال “مركز سابان” التابع له لدراسات الشرق الأوسط، الذي يموله حاييم سابان، وهو رجل أعمال “اسرائيلي”  أمريكي واسع الثراء وصهيوني متعصب ينضح بالتطرف. ويدير “مركز سابان” العفريت المذهل إياه الذي يحشر أنفه في كل ركن وثقب مارتن انديك. وهكذا نرى أن ما كان يوماً ما معهداً يعكف على دراسة القضايا الشرق أوسطية لم تنخره بعد الروح التحزبية المتحيزة، قد صار اليوم جزءاً من جوقة المناصرة ل “إسرائيل” لينضم بذلك الى حشد ضخم من بؤر الفكر الموجه والدراسات الاستراتيجية المؤدلجة الموالية في معظمها ل “إسرائيل”.
السيطرة على العالم الأكاديمي
واجه اللوبي صعوبات جمة في مساعيه وحملاته لخنق الجدل بشأن “اسرائيل” وشل نشاطات النقاش حولها في أروقة الكليات والمحافل الأكاديمية، وذلك لأن الحرية الأكاديمية، انما هي قيمة جوهرية في الصميم من منظومة القيم، هذا من جهة، ومن جهة أخرى من الصعب تكميم أفواه الأساتذة الكبار الراسخي القدم في مناصبهم الأكاديمية او تهديدهم او اسكاتهم. ورغم هذه المصاعب والتعثر لم يوجه الى “إسرائيل” سوى الخفيف اللطيف من الانتقاد في حقبة التسعينات عندما كانت عملية التسوية السلمية تشق طريقها وتمضي في سبيلها في أوسلو. وثارت الانتقادات بعد أن انهارت العملية وجاء ارييل شارون الى السلطة في أوائل عام ،2001 واتسمت بالحدة بوجه خاص عندما أعاد عسكر وزارة الحرب “الاسرائيلية” احتلال الضفة الغربية في ربيع ،2002 واستخدمت قوة عاتية غاشمة ضد الانتفاضة الثانية.
وتحرك اللوبي بجبروت عدائي لا هوادة فيه ليتدارك الموقف ويعيد عالم الأكاديميا الى الحظيرة، و”يسترد حرم الجامعات” وانبثقت جماعات جديدة مثل “قافلة الديمقراطية” التي جاءت بمتحدثين “اسرائيليين” ليحاضروا ويتكلموا في الكليات والجامعات الأمريكية. وسرعان ما قفزت لتنضم للموكب جماعات متجذرة راسخة القدم مثل “المجلس اليهودي للشؤون العامة” و”جماعة هيليل” وتم تشكيل جماعة جديدة هي “تحالف “اسرائيل” بشأن الجامعات”، وذلك للتنسيق بين جمهرة الجماعات الكثيرة التي تضافرت مساعيها الآن لنصرة قضية “إسرائيل” في الأوساط الأكاديمية. وفي نهاية المطاف ضاعفت “ايباك” نفقاتها وصرفها على البرامج الرامية الى إحكام الرقابة على نشاطات الجامعات ولتدريب الشبان الدعاة المروجين ل “إسرائيل” وذلك من أجل “إحداث زيادة ضخمة في عدد الطلاب المستغرقين في الهموم والجهد القومي المناصر ل”إسرائيل””.
ويقوم اللوبي أيضاً بتشديد الرقابة على ما يكتبه أساتذة الجامعات وما يعلمونه، والمواد التي يحاضرون حولها. فعلى سبيل المثال أسس اثنان من أشد المتعصبين ل “إسرائيل” في أوساط المحافظين الجدد الموالين للدولة اليهودية وهما مارتن كرامر ودانييل بايبس موقعاً على الشبكة هو “كامبوس ووتش” الذي نشر قوائم أضابير تكشف عن أسماء وسير أكاديميين مشتبه بهم وراح يشجع الطلاب على أن يدلوا بإفاداتهم حول تعليقات او سلوكيات يمكن ان تعتبر بأي صورة من الصور معادية ل “إسرائيل”. وهذه المحاولة المفضوحة لابتزاز وارهاب العلماء والخبراء حرضت على ردة فعل عنيفة مما حمل كرامر وبايبس لاحقاً على سحب هذه الملفات، لكن الموقع على الشبكة العنكبوتية مازال يستميل الطلبة ويدعوهم الى تدبيج التقارير عن أي مسلك مزعوم يشتم منه رائحة معاداة “إسرائيل” في الجامعات والكليات الأمريكية.
ولا تنفك جماعات منضوية تحت لواء هذا اللوبي عن توجيه نيرانها الى أساتذة جامعيين معينين وتسلط فوهات مدافعها على الجامعات التي تشغل أي بروفيسور من هؤلاء ممن لا يرضى عنه اللوبي. فجامعة كولومبيا التي كان العالم الفلسطيني الراحل البروفيسور ادوارد سعيد يحاضر في كلياتها لطالما ظلت فريسة هجمات شرسة تشنها القوى الناصرة ل “إسرائيل”. فقد أورد جوناثان كول العميد السابق لجامعة كولومبيا أن “المرء منا كان على يقين من أن أي تصريح او عبارة علنية عامة يتفوه بها الناقد الأدبي الجليل إدوارد سعيد ويساند فيها الشعب الفلسطيني سوف تستمطر سيلاً عرماً من الرسائل وتستثير مئات الرسائل الالكترونية، والمواضيع الصحافية التي تدعونا لإدانة البروفيسور سعيد وتطالبنا اما بفرض حظر عليه او طرده من الجامعة. وكانت مثل هذه الحملات لا تكاد تخفي ما يعتمل في صدورها من ضغائن”. وعندما استقدمت جامعة كولومبيا المؤرخ رشيد الخالدي من جامعة شيكاجو قال كول إن “الشكاوى بدأت تتدفق كالطوفان من أناس يخالفونه الرأي فيما اشتملت عليه وجهات نظره السياسية”. وواجهت جامعة برينستون المشكلة ذاتها بعدها ببضع سنين عندما فكرت هي الأخرى بخطب ود الخالدي واستقدامه من كولومبيا.
وثمة تبيان كلاسيكي يفصح عن ذلك الجهد المسعور للقيام بدور الشرطي في الحياة الجامعية والأوساط الأكاديمية، حيث تبدى هذا في أواخر عام ،2004 عندما أنتج “ديفيد بروجيكت” فيلماً دعائياً يزعم أن الكلية في برنامج الدراسات الشرق أوسطية التابع لجامعة كولومبيا كانت مناهضة للسامية، وأنها كانت تهدد الطلبة اليهود المدافعين عن “إسرائيل” وتخوفهم. وما لبثت جامعة كولومبيا أن اكتوت بنيران حملات التشهير والتجريم في الأوساط الموالية ل “إسرائيل”، غير أن لجنة جامعية شكلت للتحقيق في تلك الاتهامات توصلت الى أنه لا دليل البتة يثبت دعوى العداء لليهود، او ما يسمى بمعاداة السامية وأن الواقعة اليتيمة التي تستحق الذكر كانت احتمال أن يكون أحد الأساتذة الجامعيين قد “رد بحدة” على سؤال لأحد الطلبة. واكتشفت اللجنة أيضاً أن الاساتذة المتهمين كانوا في الحقيقة هدفاً وضحية لحملة تهديد وتخويف صريحة.
ولربما كان أشد سمات هذه الحملة المستعرة لاستئصال شأفة أي انتقاد ل “إسرائيل” في أروقة الجامعات، وأدعاها للقلق، هو ذاك الجهد المحموم الذي قامت به جماعات يهودية لدفع الكونجرس للتأسيس لآليات وسبل منهجية تتجسس على الأساتذة وتراقب ما يقولونه عن “إسرائيل” وتحرم الجامعات التي يرى اللوبي ويحكم بأنها متحيزة ضد “إسرائيل” من التمويل الفيدرالي. وهذا الجهد الحثيث لحمل حكومة الولايات المتحدة على لعب دور شرطي الرقابة على الجامعات والمؤسسات الأكاديمية لم ينجح بعد، لكن المحاولة تظهر بجلاء الأهمية القصوى التي توليها الجماعات الموالية ل “إسرائيل” للهيمنة على الجدل الذي يدور في أوساط هذه الصروح الجامعية حول هذه القضايا.
وأخيراً، قام عدد من كبار الأثرياء “المحسنين” اليهود بتأسيس برامج دراسات “اسرائيلية” (اضافة الى نحو 130 برنامج دراسات يهودية قائمة وتعمل حالياً)، وذلك بهدف زيادة عدد العلماء المتعاطفين مع “اسرائيل” في الجامعات. وأعلنت جامعة نيويورك عن إنشاء “مركز تاوب” للدراسات “الاسرائيلية” في الأول من مايو/أيار من عام ،2003 كما أقيمت برامج مشابهة في مدارس وجامعات أخرى مثل بيركلي وبرانديز وايموري. ولطالما تشدق الإداريون الأكاديميون وأكدوا على القيمة التعليمية والتربوية لهذه البرامج لكن الحقيقة هي أنها يقصد منها في جوهرها وفي غالبيتها العظمى أن تلمع صورة “إسرائيل” وتروج لها في الأوساط الجامعية. ويوضح فريد لافيه، رئيس مؤسسة تاوب بجلاء أن مؤسسته مولت مركز جامعة نيويورك للدراسات لمقارعة “وجهة النظر العربية” التي يعتقد هو أنها سائدة في برامج جامعة نيويورك الشرق أوسطية، والوقوف لها بالمرصاد.
وخلاصة القول إن اللوبي قد قطع شوطاً بعيداً في الوقوف سداً منيعاً يحول دون انتقاد “إسرائيل” في المحافل الجامعية والأروقة الأكاديمية. ولم يحقق اللوبي النجاح ذاته الذي أحرزه في الكابيتول هيل (الكونجرس الأمريكي) إلا أنه اشتغل على هذه القضايا وعمل بجد شديد لوأد انتقاد “اسرائيل” من قبل أساتذة الجامعات والطلاب واجتثاث مثل هذه الاتجاهات من جذورها، لذا خفت الى حد كبير جداً الانتقادات الموجهة الى “إسرائيل” اليوم.
مكمم الأصوات العظيم
لا يكتمل أي نقاش يتناول كيفية عمل اللوبي والآليات التي يؤدي من خلالها أدواره دون تفحص أحد أقوى أسلحته، ألا وهو تهمة معاداة السامية. فأي شخص ينتقد أفعال “إسرائيل” او يقول إن الجماعات المناصرة ل “إسرائيل” لها نفوذ وتأثير كبير في سياسة الولايات المتحدة الشرق أوسطية  وهو التأثير الذي تهلل له “ايباك” وتباهي به، يجابه في الحقيقة احتمالاً راجحاً بأن يوصم بمعاداة السامية. وفي الحقيقة فإن أي شخص يقول إن هناك جماعة ضغط مصلحية “اسرائيلية” او لوبياً “إسرائيلياً” يخاطر بأن يرمى بفرية معاداة السامية، هذا على الرغم من أن الإعلام “الاسرائيلي” ذاته يشير الى “لوبي امريكا اليهودي”. وفي الحقيقة فإن هذا اللوبي يباهي بجبروته وقدراته ثم ينثني ليهاجم كل من يحاول لفت الأنظار إليه. وهذا التكتيك غاية في الفعالية، لأن معاداة السامية بغيضة ممقوتة، وليس ثمة شخص مسؤول يود أن يتهم بها.
وفي السنوات الأخيرة كان الأوروبيون أكثر استعداداً من الأمريكيين لانتقاد سياسة “اسرائيل”، ويحلو لبعض الناس عزو هذا التميز الطفيف الى انبعاث روح معاداة السامية في أوروبا. وكان سفير الولايات المتحدة في الاتحاد الأوروبي قد قال في أوائل عام 2004: “نحن ماضون على هذا الدرب، ونوشك أن نبلغ تلك النقطة حيث تتردى الأمور لنصل الى نفس سوء الأحوال الذي شهدناه في حقبة الثلاثينات”. وقياس معاداة السامية والتحري عن درجة حدتها مسألة معقدة، لكن ثقل الأدلة المتضافرة يشير الى الاتجاه المعاكس. فعلى سبيل المثال حدث في ربيع عام 2004 عندما زكمت الأنوف وملأت أجواء الولايات المتحدة الاتهامات بتنامي تيارات معاداة السامية في أوروبا، أن أظهرت استطلاعات مستقلة للرأي العام الأوروبي أجرتها عصبة مكافحة التشهير ومركز بيو للأبحاث واستمزجت فيها آراء الناس والصحافة أن معاداة السامية آخذة بالاضمحلال.
لنتأمل فرنسا، التي كثيراً ما تصورها القوى الموالية ل “إسرائيل” وكأنها أشد دول أوروبا معاداة للسامية. فقد وجد استطلاع لرأي المواطنين الفرنسيين سنة 2002 أن: 89% لا يستطيعون تخيل العيش مع يهودي، و97% يعتقدون أن كتابة خربشات معادية للسامية جريمة خطيرة، ويعتقد 87% أن الهجمات على معابد يهودية فرنسية تشكل فضيحة وعاراً، كما يرفض 85% من الكاثوليك الفرنسيين الملتزمين التهمة التي تقول إن اليهود يملكون نفوذاً واسعاً في عالم المال والأعمال.
وليس غريباً أن زعيم المجتمع اليهودي الفرنسي أعلن في صيف سنة 2003 أن “فرنسا ليست أشد معاداة للسامية من أمريكا”. وحسبما جاء في مقالة نشرت مؤخراً في صحيفة “هآرتس” “الاسرائيلية”، تذكر الشرطة الفرنسية أن الحوادث المعادية للسامية في فرنسا قد انخفضت بنسبة 50% تقريباً سنة ،2005 وهذا على الرغم من أن فرنسا لديها من السكان المسلمين أكثر مما لدى أي من دول أوروبا.
الذيل يهز الكلب
لو كان تأثير اللوبي مختصراً على المساعدات الاقتصادية الأمريكية ل “إسرائيل”، لما كان نفوذه مثيراً للقلق الى ذلك الحد. فالمساعدة الخارجية قيمة، ولكنها ليست مفيدة بقدر جعل القوة العظمى الوحيدة في العالم، تسخر امكاناتها الهائلة لخدمة “اسرائيل”. وتبعاً لذلك يسعى اللوبي الى صياغة العناصر الجوهرية لسياسة الولايات المتحدة الخاصة بالشرق الأوسط. وبوجه خاص، عمل بنجاح لاقناع الزعماء الأمريكيين بدعم قهر “اسرائيل” المتواصل للفلسطينيين، والتصويب على خصوم “إسرائيل” الأساسيين في المنطقة وهم: ايران والعراق وسوريا.
وصم الفلسطينيين بالشر
من الأمور التي طواها النسيان، أن إدارة بوش، حاولت في خريف سنة ،2001 وفي ربيع سنة 2002 بوجه خاص، أن تخفف حدة المشاعر المعادية لأمريكا في العالم العربي، وتقوض دعم الجماعات الارهابية مثل حركة القاعدة، بوقف سياسات “إسرائيل” التوسعية في المناطق المحتلة وتأييد ايجاد دولة فلسطينية.
وكان بوش يملك نفوذاً كامناً هائلاً تحت تصرفه. وكان بوسعه أن يهدد بخفض الدعم الاقتصادي والدبلوماسي الأمريكي ل “اسرائيل”، ومن المؤكد تقريباً أن الشعب الأمريكي كان سيسانده في ذلك. وقد ذكر استطلاع أجري في مايو/ أيار 2003 أن أكثر من 60% من الأمريكيين كانوا يرغبون في حجب الدعم عن “إسرائيل” لو قاومت ضغط أمريكا عليها لكي تسوي النزاع، كما ارتفعت تلك النسبة الى 70% بين الأمريكيين “الناشطين سياسياً”. وبالفعل، فإن 73% قالوا إنه ينبغي على الولايات المتحدة ألا تحابي أياً من الطرفين.
ومع ذلك فشلت إدارة بوش في تغيير سياسات “إسرائيل”، وانتهى الأمر بواشنطن الى أن تساند نهج “إسرائيل” المتشدد بدلاً من ذلك. ومع الزمن تبنت الإدارة مبررات “إسرائيل” لهذا النهج، بحيث غدا الخطابان الأمريكي و”الاسرائيلي” متماثلين. وفي فبراير/ شباط 2003 لخص عنوان رئيسي لصحيفة “واشنطن بوست” الوضع، إذ جاء فيه “تطابق موقفي بوش وشارون شبه التام من السياسة نحو الشرق الأوسط”. والسبب الرئيسي لهذا التحول هو اللوبي.
وتبدأ القصة في أواخر سبتمبر/ أيلول 2001 عندما شرع الرئيس بوش في الضغط على رئيس الوزراء “الاسرائيلي” شارون لإبداء ضبط النفس في المناطق المحتلة، كما ضغط على شارون لكي يسمح لوزير الخارجية “الاسرائيلي” شمعون بيريز بمقابلة الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات، على الرغم من أن بوش كان شديد الانتقاد لزعامة عرفات. كما قال بوش علناً إنه يؤيد قيام دولة فلسطينية. أحس شارون من هذه التطورات بالخطر، فاتهم بوش بمحاولة “استرضاء العرب على حسابنا”، وحذر من أن “إسرائيل” “لن تكون تشيكوسلوفاكيا”.
وذكر أن بوش غضب من تشبيه شارون له بنفيل تشامبرلين (رئيس وزراء بريطانيا الذي اتبع سياسة الاسترضاء نحو ألمانيا الفاشية (1869  1940))، كما وصف السكرتير الصحافي للبيت الأبيض، آري فليشر، ملاحظات شارون بأنها “غير مقبولة”. وقدم رئيس الوزراء “الاسرائيلي” اعتذاراً صورياً، ولكنه سرعان ما ضم قواه الى اللوبي لاقناع إدارة بوش والشعب الأمريكي بأن الولايات المتحدة و”إسرائيل” تواجهان تهديداً مشتركاً من قبل الارهاب. وظل المسؤولون “الاسرائيليون” وممثلو اللوبي يؤكدون باستمرار وبصورة متكررة أنه لا يوجد فرق حقيقي بين عرفات وأسامة بن لادن، وأصروا على أنه ينبغي على الولايات المتحدة و”إسرائيل” أن تعزلا الزعيم الفلسطيني المنتخب وألا تتعاملا معه.
وذهب اللوبي كذلك للعمل في الكونجرس. ففي 16 نوفمبر/ تشرين الثاني، بعث 89 سيناتوراً برسالة الى بوش يمتدحونه فيها لرفضه مقابلة عرفات، ولكنهم يطالبون أيضاً بألا تكبح الولايات المتحدة “إسرائيل” عن الانتقام من الفلسطينيين، ويصرون على أن تذكر الإدارة علناً أنها تقف بثبات وراء “إسرائيل”. وحسبما ذكرت صحيفة “نيويورك تايمز”، فإن الرسالة “انبثقت عن اجتماع عقد قبل اسبوعين بين زعماء للمجتمع اليهودي الأمريكي وأعضاء بارزين في مجلس الشيوخ”، وأضافت الصحيفة أن منظمة “ايباك” “كانت ناشطة بوجه خاص في توفير النصح بشأن الرسالة”.
وفي أواخر نوفمبر/ تشرين الثاني، كانت العلاقات بين تل أبيب وواشنطن قد تحسنت كثيراً. ويرجع ذلك في جزء منه الى جهود اللوبي التي يبذلها لعطف السياسة الأمريكية باتجاه “اسرائيل”، ولكنه يرجع كذلك الى انتصار امريكا الأولي في أفغانستان، الذي قلل الحاجة الى دعم العرب في التعامل مع حركة القاعدة. وقد زار شارون واشنطن في أوائل شهر ديسمبر/ كانون الأول، وعقد لقاء ودياً مع بوش.
ولكن المتاعب انبثقت من جديد في ابريل/ نيسان ،2002 بعد ان أطلق الجيش “الاسرائيلي” عملية الدرع الدفاعية، واستأنف السيطرة الفعلية على جميع المناطق الفلسطينية الرئيسية في الضفة الغربية. وكان بوش يعلم أن عمل “إسرائيل” سوف يدمر صورة أمريكا في العالمين العربي والاسلامي، ويلحق الضرر بالحرب على الارهاب، ولذلك طالب في 4 ابريل/ نيسان شارون بأن “يوقف الغارات ويبدأ الانسحاب”. وأكد هذه الرسالة بعد يومين قائلاً إن ذلك يعني “الانسحاب من دون تأخير”. وفي 7 ابريل/ نيسان، قالت مستشارة الأمن القومي لدى بوش، كوندوليزا رايس، للصحافيين: “إن عبارة “من دون تأخير” تعني من دون تأخير. انها تعني الآن”. وفي ذلك اليوم نفسه توجه وزير الخارجية كولن باول الى الشرق الأوسط لكي يضغط على جميع الأطراف لتوقف القتال وتبدأ التفاوض. وشمرت “إسرائيل” واللوبي للعمل. وكان أحد الأهداف الرئيسية كولن باول، الذي بدأ يحس لفح الحر من المسؤولين الموالين ل “إسرائيل” في مكتب ديك تشيني، نائب الرئيس، وفي البنتاجون، وكذلك من خبراء المحافظين الجدد مثل روبرت كاجان ووليام كريستول، الذي اتهمه بأنه “في واقع الأمر قد طمس التمييز بين الارهابيين ومن يقاتلون الارهابيين”. وكان الهدف الثاني هو بوش ذاته، الذي كان يمارس عليه الضغط من قبل زعماء اليهود، والانجيليين المسيحيين الذين يشكلون أحد المكونات المهمة لقاعدته السياسية. وكان توم ديلاي، وديك آرمي صريحين بوجه خاص بشأن الحاجة الى دعم “إسرائيل”، كما قام ديلاي وزعيم الأقلية في مجلس الشيوخ، ترينت لوت بزيارة البيت الأبيض، ونبها بصورة شخصية الرئيس بوش الى ضرورة التراجع عن موقفه.
وجاء أول الدلائل التي تشير الى تراجع بوش في 11 ابريل/ نيسان بعد اسبوع واحد فقط من طلبه الى شارون سحب قواته  عندما قال آري فليشر إن الرئيس يعتقد بأن شارون “رجل سلام”. وقد أعاد بوش هذه العبارة علناً لدى عودة باول من مهمته الفاشلة، وقال للصحافيين إن شارون قد استجاب بطريقة مرضية لمناشدته إياه الانسحاب التام والفوري. ولم يفعل شارون مثل ذلك الأمر، ولكن رئيس الولايات المتحدة لم يعد راغباً في أن يجعل من ذلك قضية.
الحرب على العراق كانت من أجل “إسرائيل”

في هذه الأثناء كان الكونجرس يتحرك أيضاً لدعم شارون. وفي الثاني من مايو/ أيار تجاهل الكونجرس اعتراضات الإدارة وتجاوزها ومرر قرارين يشددان على دعم “إسرائيل” (صوت مجلس الشيوخ بنسبة 94 الى ،2 في حين كانت نسبة مجلس النواب 352 الى 21). وأكد القراران كلاهما على أن الولايات المتحدة “تقف متضامنة مع “إسرائيل””، وأن البلدين، ونحن نقتبس هنا من قرار مجلس النواب “منهمكان اليوم في صراع مشترك ضد الارهاب”. كما شجب قرار مجلس النواب أيضاً “دعم ياسر عرفات للإرهاب الذي يجري حالياً”. ولطالما صور اللوبي والإعلام الذي يلوذ بكنفه عرفات على أنه قطب الرحى في مشكلة الارهاب. وبعدها ببضعة أيام أعلن وفد من الكونجرس، تشكل من أعضاء من الحزبين، وكان يقوم بمهمة تقصي حقائق في “إسرائيل”، أن على شارون أن يقاوم ضغط الولايات المتحدة الذي يسعى لحشره في زاوية التفاوض مع عرفات. وفي التاسع من مايو اجتمعت لجنة المخصصات المالية المتفرعة عن مجلس النواب لبحث منح “إسرائيل” مبلغاً اضافياً يقدر بأكثر من 200 مليون دولار لمحاربة الارهاب. وعارض وزير الخارجية كولن باول الصفقة، لكن اللوبي دعمها، تماماً كما كان الحال في تمرير قراري الكونجرس وخسر باول المعركة.
وباختصار، تحدى شارون واللوبي رئيس الولايات المتحدة، وتشامخا وانتصرا عليه. وأورد الصحافي جيمي شاليف الذي يكتب لجريدة “معاريف” في تقرير له أن مساعدي شارون “لم يسعهم إخفاء ابتهاجهم للاخفاق الذي مني به باول. ورأى شارون الهزيمة تطل من أعين الرئيس بوش. لقد تفاخرا، وعض كل منهما أصابع الآخر فكان بوش هو أول من طرفت عينه وصرخ”. لكن الذي لعب الدور الرئيسي في دحر بوش لم يكن في الحقيقة شارون، ولا حتى “إسرائيل” بل القوي الموالية والمناصرة ل “إسرائيل” في الولايات المتحدة.
ومن يومها لم يتغير الحال إلا بشكل طفيف. وقد رفضت إدارة بوش استئناف أي تعامل مع عرفات الذي قضى في نهاية المطاف في نوفمبر/ تشرين الثاني من عام 2004. وتبنت إدارة بوش من بعدها الزعيم الفلسطيني الجديد محمود عباس، إلا أنها لم تفعل سوى أقل القليل لمساعدته في الفوز بدولة قابلة للحياة بمقوماتها الدنيا. وواصل شارون تطوير خططه للقيام ب “فك ارتباط” أحادي الجانب عن الفلسطينيين استناداً الى انسحاب من غزة مصحوب بتوسع متواصل في الضفة الغربية، وهي الخطة التي تمخض عنها بناء ما يدعى ب “السياج الأمني” الذي يصادر الأراضي الفلسطينية ويوسع المجمعات الاستيطانية الضخمة وما يخدمها من شبكات طرق. وأسهمت استراتيجية شارون، برفضها التفاوض مع عباس (الذي يحبذ تسوية تفاوضية) وجعلها من المستحيل بالنسبة له أن يرجع الى الفلسطينيين بمنافع ملموسة يعتد بها، بشكل مباشر، في إحراز حماس مؤخراً لنصرها الانتخابي. وبصعود حماس الى سدة السلطة، على أية حال صار لدى “إسرائيل” ذريعة أخرى للتمنع عن المفاوضات. ودعمت الإدارة تصرفات شارون (وأفعال خلفه ايهود اولمرت)، بل بارك بوش ضم “إسرائيل” الأحادي لأراض في المناطق المحتلة ووافق على ذلك مناقضاً بذلك السياسة الأمريكية المعلنة التي كان دأب على تأكيدها الرؤساء الأمريكيون كلهم منذ عهد ليندون جونسون.
وكل ما جاء به المسؤولون الأمريكيون هو انتقادات لطيفة طفيفة لبعض من أفعال “إسرائيل”، لكنهم لم يصنعوا شيئاً يذكر للمساعدة في قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة. بل أعلن مستشار الأمن القومي السابق برنت سكاو كروفت في اكتوبر/ تشرين الأول من عام 2004 أن شارون استحوذ على الرئيس بوش وطوعه حتى صار “كالخاتم في اصبعه”. فإذا ما سعى بوش لينأى بالولايات المتحدة قليلاً عن “إسرائيل” ويترك مسافة ضئيلة بينهما، أو حاول حتى انتقاد الأعمال “الاسرائيلية” في المناطق المحتلة، فمن المؤكد أن يجابه سخط اللوبي وداعميه في الكونجرس. ويدرك مرشحو الحزب الديمقراطي للرئاسة حقائق الحياة هذه أيضاً ويعونها جيداً، ولعل هذا هو السر الكامن في ايغال جون كيري في اظهار تعاطفه ودعمه غير المحدود ل “إسرائيل” في عام ،2004 وهذا هو أيضاً سبب سلوك هيلاري كلينتون الدرب ذاته والمغالاة في إبداء دعمها الكامل ل “إسرائيل” اليوم.
وفي غضون ذلك، يتصدر دعم الولايات المتحدة لسياسات “إسرائيل” ضد الفلسطينيين قائمة أهداف اللوبي، لكن مطامح اللوبي ومطامعه لا تتوقف هنا. فاللوبي يبتغي أيضاً من أمريكا أن تساعد “إسرائيل” على أن تظل هي القوة الاقليمية المهيمنة. فلا عجب إذن أن تتضافر جهود الحكومة “الاسرائيلية” مع مساعي الجماعات الموالية والمناصرة ل “إسرائيل” في الولايات المتحدة، وأن يعمل الطرفان معاً بجد ومثابرة لصياغة سياسة إدارة بوش تجاه العراق وسوريا وإيران، اضافة الى خطتها الكبرى الرامية الى إعادة صياغة نظام الشرق الأوسط.
 “إسرائيل” والحرب على العراق
لم يكن الضغط الذي مارسته “إسرائيل” واللوبي هو العامل الأوحد وراء قرار الولايات المتحدة بمهاجمة العراق في مارس/ آذار من عام ،2003 لكنه كان أحد العناصر الحاسمة في اتخاذ قرار الغزو. ويعتقد بعض الأمريكيين أن هذه كانت “حرباً من أجل النفط” لكن في الحقيقة لا يكاد يوجد أي دليل مباشر يدعم مثل هذا الزعم، والقرائن كلها توحي بعكس هذا. وعوضاً عن ذلك، فإن الحرب إنما كان الدافع الأكبر وراء شنها الرغبة الجامحة في جعل “إسرائيل” أكثر أمناً. ووفقاً لفيليب زيليكاو، وهو عضو في المجلس الاستشاري للاستخبارات الخارجية الرئاسية (2001  2003)، والمدير التنفيذي للجنة تقصي حقائق الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول، ويشغل حالياً منصب مستشار وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس، فإن “التهديد الحقيقي” الذي كان يمثله العراق لم يكن خطراً يحدق بالولايات المتحدة او يهددها بأي صورة من الصور. ف “التهديد غير المعلن” كان “خطراً يتهدد “إسرائيل”” وتحدث زيليكاو الى جمهور احتشد في جامعة فيرجينيا في سبتمبر من عام ،2002 فأكد ما سبق له ملاحظته وشدد على أن الحكومة الأمريكية لا تريد أن تتكئ على هذه النقطة من الناحية الخطابية والإعلامية، لأن هذه الحقيقة “لا تحظى برواج شعبي”.
وفي السادس عشر من أغسطس/ آب من عام ،2002 أي قبل 11 يوماً من اطلاق نائب الرئيس ديك تشيني صافرة الشروع في حملته لتسويق الحرب وذلك بإلقاء خطاب متشدد أمام رابطة قدامى المحاربين أوردت صحيفة “واشنطن بوست” في تقاريرها أن ““إسرائيل” تحث المسؤولين الأمريكيين على ألا يؤخروا الضربة العسكرية ضد عراق صدام حسين”. وبحلول هذه المرحلة، وحسب شارون، فإن التعاون والتنسيق الاستراتيجي بين “إسرائيل” والولايات المتحدة بلغا “أبعاداً غير مسبوقة”، وكان مسؤولو الاستخبارات “الاسرائيليون” قد قدموا الى واشنطن حشداً كبيراً من التقارير المفزعة بل المثيرة للهلع بشأن برامج العراق لحيازة أسلحة الدمار الشامل. وكما صاغ المسألة ووصفها جنرال “إسرائيلي” متقاعد فإن “الاستخبارات “الاسرائيلية” كانت شريكاً كاملاً في تكوين الصورة التي قدمتها الاستخبارات الأمريكية والبريطانية بشأن قدرات العراق وتسلحه بغير الأسلحة التقليدية”.
 اللوبي والحرب على العراق
كانت القوة الدافعة الكبرى داخل الولايات المتحدة وراء ايقاد الحرب على العراق زمرة ضئيلة من المحافظين الجدد، وأكثرهم تربطه صلات حميمة بحزب الليكود “الاسرائيلي”. وإضافة الى ذلك فإن كبار قادة المنظمات الرئيسية التابعة للوبي “الاسرائيلي” صوتوا لمصلحة شن الحرب. وحسب مجلة “فوروارد”: “فحين سعى الرئيس بوش لتسويق الحرب على العراق والترويج لها هبت لنصرته أهم المنظمات اليهودية الأمريكية واصطفوا جميعاً كالبنيان المرصوص للدفاع عنه. وفي بيان إثر بيان أكد زعماء اليهود في أمريكا ضرورة تخليص العالم من صدام حسين ومن أسلحته للتدمير الشامل”. وتمضي الافتتاحية لتقول إن “هاجس سلامة “إسرائيل” والحفاظ على أمنها كان بحق العامل الفاعل الأكبر الذي طغى على مداولات ومشاورات الجماعات اليهودية الرئيسية، وكان جديراً بأن يستحوذ على اهتمامها”.
كان المحافظون الجدد قد حزموا أمرهم وصمموا بصورة نهائية على الاطاحة بصدام حسين قبل أن يتولى بوش الرئاسة. وأحدث هؤلاء حراكاً تحريضياً نشطاً في بداية عام 1998 وذلك بنشر رسالتين مفتوحتين الى الرئيس كلينتون ينادون فيهما بإزاحة صدام حسين عن السلطة. والموقعون عليهما، ولكثير منهم صلات وثيقة بالجماعات الموالية ل “إسرائيل” مثل معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، والمعهد اليهودي لشؤون الأمن القومي، ومن بين كبار رجالاتها اليوت ابرامز، وجون بولتون، ودوجلاس فيث، ووليم كريستول وبيرنارد لويس، ودونالد رامسفيلد، وريتشارد بيرل، وبول وولفويتز، لم يواجهوا صعوبة كبيرة أبداً في اقناع إدارة كلينتون بتبني الغاية الكبرى العامة ألا وهي الاطاحة بصدام حسين. لكن المحافظين الجدد لم يكونوا قادرين على تسويق حرب لتحقيق هذا. فاقتضى الأمر التريث ريثما تختمر الظروف. كما أنه لم يكن في وسعهم إثارة المزيد من الحماس لغزو العراق في الشهور الأولى من إدارة بوش، وعلى عظم أهمية المحافظين الجدد وضخامة دورهم في إشعال الحرب في العراق وكبر نفوذهم لتحقيق هذه الغاية، ما كان لهذه الحرب أن تقع من دون مساعدة، إذ كانوا يرقبون ذريعة ما توصلهم الى مبتغاهم.
لذا كانت هجمات الحادي عشر من سبتمبر فرصة المحافظين الجدد الذهبية لاختراع قضية تشن على أساس ذرائعها الحرب على العراق. ففي لقاء حاسم بالغ الأهمية مع بوش في كامب ديفيد يوم الخامس عشر من سبتمبر زين وولفويتز لبوش فكرة مهاجمة العراق قبل أفغانستان، وحرضه على ذلك مع انه لم تكن هناك إشارة من دليل على ان صدام حسين كان ضالعاً في الهجمات على الولايات المتحدة، كما كان من المعروف للقاصي والداني أن ابن لادن كان في أفغانستان. ورفض بوش هذه النصيحة واختار عوضاً عن ذلك التوجه لشن الحرب على أفغانستان، لكن الحرب على العراق صار ينظر إليها الآن على أنها احتمال جدي لا يمكن استبعاده، ولم يلبث بوش أن كلف المخططين العسكريين الأمريكيين بتاريخ 21 نوفمبر/ تشرين الثاني من عام 2001 بمهمة تطوير وإعداد خطط محكمة للقيام بالغزو.
وفي غضون ذلك شمر المحافظون الجدد الآخرون عن ساعد الجد، وعملوا حثيثاً في أروقة السلطة والقوة والنفوذ. ولم تجتمع لدينا بعد عناصر القصة الكاملة لما دار وما تم تدبيره في الدهاليز والكواليس، غير أن علماء باحثين من أمثال لويس وفؤاد عجمي من جامعة جون هوبكنز أوردت التقارير أنهم لعبوا أدواراً رئيسية في اقناع نائب الرئيس ديك تشيني ليستقر رأيه على خيار الحرب على العراق. وكانت آراء تشيني أيضاً متأثرة بصورة مهولة بالمحافظين الجدد ضمن أطقم العاملين تحت إمرته، لا سيما ايرك ايدلمان، وجون حنا، ورئيس هيئة مساعديه ليبي، وهو أحد أقوى الشخصيات في الإدارة. وساعد نفوذ نائب الرئيس وتأثيره في اقناع الرئيس بوش في بداية عام 2002. وهكذا وبعد أن امتطى بوش وتشيني العربة سمع دوي طبول الحرب فقد سبق السيف العذل.
وخارج أوساط الإدارة لم يأل جهابذة المحافظين الجدد جهداً، ولم يهدروا لحظة من الوقت، بل بذلوا قصارى جهدهم لاختراع قضية تقوم ذريعتها الجوهرية على الزعم بأن غزو العراق خطوة أساسية لا يمكن كسب الحرب على الارهاب دون الإقدام عليها. واستهدفت مساعيهم في جزء منها ابقاء الضغط على الرئيس، وفي جزئها الآخر التغلب على المعارضة للحرب داخل وخارج الحكومة ويوم 20 سبتمبر نشرت جماعة من كبار شخصيات المحافظين الجدد رسالة أخرى مفتوحة تخبر الرئيس فيها بأنه “حتى لو لم يربط أي دليل بين العراق وبين أحداث 11 سبتمبر مباشرة، فإن أي استراتيجية تستهدف استئصال شأفة الارهاب واجتثاثه يجب أن تشتمل على جهد يصمم على الاطاحة بصدام حسين وإزاحته عن السلطة في العراق، كما ذكرت الرسالة أيضاً الرئيس بوش بأن ““إسرائيل” كانت وستظل أخلص وأقوى حليف لأمريكا في حربها على الارهاب الدولي”. وفي عددها بتاريخ الأول من اكتوبر/ تشرين الأول دعت “ويكلي ستاندرد” عبر مقال روبرت كاجان ووليم كريستول الى تغيير النظام في العراق مباشرة بعد هزيمة طالبان. وذلك اليوم ذاته انبرى شارلز كراوثامر للجدل على صفحة جريدة “واشنطن بوست” محاججاً بأننا وبعد أن أنجزنا المهمة في أفغانستان وتخلصنا من طالبان ينبغي أن تكون سوريا هي الهدف التالي تتبعها إيران والعراق. وجادل قائلاً: “إن الحرب على الارهاب سوف تختتم في بغداد عندما نجهز على أخطر نظام ارهابي في العالم”.
وصليات القذائف الإعلامية والصحافية هذه كانت مجرد استهلالة ممهدة لحملة علاقات عامة تمضي بلا هوادة فلا تبقي ولا تذر في سبيل حشد الدعم لغزو العراق. وكان من بين الأركان الرئيسية في هذه الحملة تسخير المعلومات الاستخباراتية وتحويرها بحيث تظهر صدام وكأنه تهديد وخطر وشيك. وعلى سبيل المثال زار ليبي “السي اي ايه” مرات عدة للضغط على المحللين كي يعثروا على دليل يؤسس لقضية توفر ذرائع للحرب، وساعد في تحضير دراسة تفصيلية حول التهديد الذي يمثله العراق في بدايات عام ،2003 وتم دفع التقرير الى كولن باول ومن ثم عكف باول على التحضير لتقريره الموجز السيىء الذكر الذي ألقاه في الأمم المتحدة أمام مجلس الأمن حول التهديد العراقي. وحسب بوب وود وورد فإن باول “كان مذعوراً مما اعتبره غلواً وتجنياً وتجاوزاً لكل الحدود. لقد كان ليبي يستخلص أسوأ الاستنتاجات من شذرة معلومات هنا، ونبذة هناك، ومن خيوط واهية يراد أن يحاك منها قميص من الزور”. ورغم أن باول نحى جانباً معظم ما حشى به ليبي التقرير من مزاعم ملفقة صارخة في زورها وبهتانها، فإن العرض الذي قدمه أمام مجلس الأمن ظل مليئاً بالأخطاء، حسب اعتراف باول نفسه فيما بعد.
انخرطت أيضاً في مساعي حملة تسخير الاستخبارات لهذه المآرب منظمتان كانتا قد انشئتا بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وكانت التقارير ترفع مباشرة الى مساعد وزير الدفاع دوجلاس فيث. وكلفت مجموعة تقييم سياسة مكافحة الارهاب بمهمة العثور على صلات تربط العراق بتنظيم القاعدة، وهي الصلات التي افترضت الأوساط الاستخباراتية أنها مفقودة. كان ويرمر، وهو من زمرة المتشددين من المحافظين الجدد، ومايكل معلوف، وهو لبناني أمريكي تربطه ببيرل صلات وثيقة، من أبرز أعضاء هذه المجموعة. وكلف مكتب الخطط الخاصة بمهمة العثور على أدلة يمكن أن تستخدم لتسويق شن الحرب على العراق. وترأس هذا المكتب ابرام شولسكي، وهو أحد المحافظين الجدد الذين تربطهم بوولفويتز صلات مودة قديمة، ومن بين أعضائه أفراد مجندون اختيروا من صفوف مراكز الأبحاث الموالية ل “إسرائيل”.
ومثلما جميع المحافظين الجدد في واقع الأمر، يكن فيث اخلاصاً عميقاً ل “إسرائيل”، كما تربطه علاقات قديمة مع حزب الليكود، وقد كتب مقالات في تسعينات القرن الماضي تؤيد المستوطنات وتحاول البرهنة على أنه ينبغي على “إسرائيل” أن تحتفظ بالمناطق المحتلة. وأهم من ذلك، أنه كتب مع بيرل ووورمسر تقرير “الانقطاع التام” في شهر يونيو/ حزيران لرئيس الوزراء “الاسرائيلي” القادم بنيامين نتنياهو. ويوصي هذا التقرير نتنياهو، ضمن أمور أخرى، بأن “يركز على ازاحة صدام حسين عن السلطة في العراق. وهو الهدف الاستراتيجي “الاسرائيلي” المهم بحد ذاته”. كما دعا “إسرائيل” الى اتخاذ خطوات من أجل إعادة ترتيب الشرق الأوسط برمته. ولم يطبق نتنياهو وصيتهم، ولكن فيث وبيرل ووورمسر، سرعان ما راحوا يحثون إدارة بوش على السعي لتحقيق تلك الأهداف ذاتها. وأثار هذا الوضع كاتب الزاوية في صحيفة “هآرتس” “الاسرائيلية” عكيفا إلدار ليحذر من أن فيث وبيرل يسيران على خط رفيع بين ولائهما للحكومات الأمريكية والمصالح “الاسرائيلية”.
وولفويتز مخلص ل “إسرائيل” بالقدر ذاته. وقد وصفته مجلة “فوروارد” ذات مرة بأنه “أشد الأصوات الموالية ل “إسرائيل” تطرفاً في الإدارة الأمريكية” واختارته سنة ،2002 الأول من بين خمسين شخصية بارزة “تمارس النشاط اليهودي بوعي”. وفي الوقت ذاته تقريباً منح (المعهد اليهودي لشؤون الأمن القومي) وولفويتز جائزة هنري جاكسون للخدمة المتميزة، عن دعمه الشراكة بين “إسرائيل” والولايات المتحدة، وأطلقت عليه صحيفة “جيروزاليم بوست” لقب “رجل العام، سنة 2003”، ووصفته بأنه “موال ل “إسرائيل” بورع”.
وأخيراً، نجد من المناسب اضافة كلمة مختصرة عن دعم المحافظين الجدد قبل الحرب لأحمد الجلبي، المنفي العراقي الذي كان يترأس المؤتمر الوطني العراقي. فقد احتضنوا الجلبي لأنه كان يعمل على إقامة علاقات متينة مع الجماعات اليهودية الأمريكية، ويتعهد برعاية علاقات طيبة مع “اسرائيل” حالما يتسلم السلطة. وهذا بالتحديد ما كان مؤيدو تغيير النظام الموالون ل “إسرائيل” يريدون سماعه، ولذلك ساندوا الجلبي في المقابل. وقد عرض الصحافي ماتيو بيرجر جوهر الصفقة في مجلة “جويش جورنال”، حيث قال: “إن المؤتمر الوطني العراقي يرى في تحسين العلاقات وسيلة للإفادة من النفوذ اليهودي في واشنطن والقدس، وحشد المزيد من الدعم لقضيته”. أما الجماعات اليهودية، فقد رأت في ذلك فرصة لتمهيد السبيل لقيام علاقات أفضل بين “إسرائيل” والعراق، إذا انخرط المؤتمر الوطني العراقي في استبدال نظام صدام حسين.
 التحول في المنطقة
لم يكن يفترض في حرب العراق أن تكون مستنقعاً باهظ التكاليف. بل كان المقصود منها أن تكون الخطوة الأولى في خطة أكبر لإعادة ترتيب الشرق الأوسط.
وكانت هذه الاستراتيجية الطموحة تخلياً صارخاً عن السياسة السابقة للولايات المتحدة، وكان اللوبي و”إسرائيل” قوتين دافعتين حاسمتين وراء هذا التحول. وقد تأكدت هذه النقطة بوضوح بعد بدء حرب العراق من خلال خبر نشر في الصفحة الأولى من صحيفة “وول ستريت جورنال”. فالعنوان الرئيسي يوضح القصة كاملة، حيث جاء فيه “حلم الرئيس: لا تغيير نظام وحسب، بل تغيير منطقة: ايجاد منطقة ديمقراطية موالية للولايات المتحدة هدف له جذور عند “إسرائيل” وعند المحافظين الجدد”.
وكانت القوى الموالية ل “إسرائيل” مهتمة منذ وقت طويل بتوريط الجيش الأمريكي بصورة أكثر مباشرة في الشرق الأوسط، بحيث يستطيع المساعدة في حماية “إسرائيل”. ولكنها لم تحرز سوى نجاح محدد على هذه الجبهة خلال الحرب الباردة، لأن أمريكا لعبت دور “البهلوان المتوازن بعيداً عن الشاطئ” في المنطقة، حيث ظلت معظم القوات الأمريكية المخصصة للشرق الأوسط، مثل قوة الانتشار السريع “عند الأفق” وبعيداً عن طريق الخطر. وحافظت واشنطن على توازن مفضل للقوة بضرب القوى المحلية بعضها ببعض، وهذا هو سبب دعم إدارة ريجان لصدام ضد ايران الثورية أثناء الحرب الايرانية  العراقية (1980  1988).
وسنة ،2002 عندما أصبح غزو العراق، قضية تحظى بأولوية عليا، كان إجراء التحول في المنطقة قد غدا عقيدة في أوساط المحافظين الجدد.
ويصف تشارلز كروثامر هذه الخطة الكبرى بأنها وليدة أفكار ناتاني شارانسكي، السياسي “الاسرائيلي” الذي راقت كتاباته الرئيس بوش. ولكن شارانسكي لم يكن صوتاً منفرداً في “إسرائيل”. بل ان “الاسرائيليين” عبر الطيف السياسي كانوا يعتقدون أن اطاحة صدام سوف تغير الشرق الأوسط لمصلحة “إسرائيل”. وقد كتب أدولف بين في صحيفة “هآرتس” (17 فبراير/ شباط 2003) “إن كبار ضباط الجيش “الاسرائيلي” والمقربين من رئيس الوزراء ارييل شارون، مثل مستشار الأمن القومي افرايم هاليفي، يرسمون صورة زاهية للمستقبل الرائع الذي ينتظر “إسرائيل” بعد الحرب. وهم يتصورون أثراً يشبه حركة أحجار الدومينو، بسقوط صدام حسين، ومن بعده أعداء “إسرائيل” الآخرون.. ومع هؤلاء الزعماء سيختفي الارهاب، وأسلحة الدمار الشامل”.
وباختصار، فإن زعماء “إسرائيل”، والمحافظين الجدد، وإدارة بوش، كانوا جميعاً يرون الحرب مع العراق الخطوة الأولى في حملة طموحة لإعادة تشكيل الشرق الأوسط. وفي أول فيض للنصر حولوا أنظارهم شطر خصوم “إسرائيل” الآخرين في المنطقة.
لم يبدأ قادة “إسرائيل” بالضغط على إدارة بوش لدفعها لتصويب فوهات مدافعها باتجاه سوريا قبل مارس/آذار من عام ،2003 وذلك لأنهم كانوا مستغرقين إلى الحد الأقصى في جهود التحريض لشن الحرب على العراق.

وما إن سقطت بغداد في منتصف أبريل/نيسان حتى بدأ شارون وجنرالاته ورجالاته يحثون واشنطن على استهداف دمشق. وعلى سبيل المثال أجرى شارون ووزير حربه شاؤول موفاز مقابلات قصد منها تسليط وهج إعلامي مبهر في 16 أبريل في العديد من الصحف “الإسرائيلية”. ففي جريدة “يديعوت أحرنوت” طالب شارون الولايات المتحدة بأن تمارس ضغطاً “شديداً” على سوريا. وصرّح موفاز لمعاريف قائلاً: “لدينا لائحة طويلة من المسائل التي نفكر بأن نطالب السوريين بها، ومن المناسب أن نقوم بهذا من خلال الأمريكيين.

وتحدّث مستشار شارون لشؤون الأمن القومي ايفرايم هالفي إلى جمهور احتشد في قاعة المحاضرات في معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، فأخبرهم بأن من المهم الآن بالنسبة للولايات المتحدة أن تتعامل بحزم وخشونة مع سوريا، وأوردت ال “واشنطن بوست” أن “إسرائيل” كانت “تغذي الحملة” ضد سوريا بإمداد أجهزة الاستخبارات الأمريكية بتقارير عمّا يقوم به الرئيس السوري بشار الأسد من أعمال.

وكان بعض من أبرز أعضاء اللوبي قد قدّموا الحجج ذاتها وجادلوا بالطريقة نفسها بعد سقوط بغداد. وأعلن وولفويتز أنه “يجب إحداث تغيير للنظام في سوريا”. وأخبر ريتشارد بيرل أحد الصحافيين قائلاً: “يمكننا أن نبث رسالة قصيرة، رسالة تتألف من كلمتين (إلى الأنظمة المعادية الأخرى في الشرق الأوسط): “أنتم اللاحقون””. وفي أوائل ابريل نشر معهد واشنطن لسياسة الشرق الأوسط تقريراً يمثل رأي الحزبين (الجمهوري والديمقراطي) بدأ بعبارة أن سوريا “يجب ألا يفوتها مغزى الرسالة، ألا وهي أن الدول التي تنتهج سياسة صدام حسين الرعناء، وتسلك طريق التحدي، يمكن أن ينتهي بها المطاف إلى مواجهة ما واجهه من مصير”. وفي الخامس عشر من أبريل كتب كلين هالفي مقالاً في صحيفة “لوس أنجلوس تايمز” تحت عنوان: “في الخطوة التالية صعّدوا الضغوط على سوريا”. هذا في حين كتب زيف تشافيتس مقالاً في اليوم نفسه لجريدة “نيويورك ديلي نيوز” بعنوان “سوريا صديقة الإرهاب تحتاج إلى تغيير أيضاً”. ولئلا يزايد عليه أحد، سارع لورنس كابلان فكتب في صحيفة “نيو ريبيلك” بتاريخ 21 أبريل ليقول: إن الرئيس السوري بشار يمثل تهديداً خطيراً لأمريكا.

وعودة أخرى إلى الكابيتول هيل حيث نفض عضو الكونجرس، نائب نيويورك ايليوت اينجيل الغبار عن قانون محاسبة سوريا واسترداد السيادة اللبنانية وأعاد تقديمه يوم 12 أبريل، وتوعد هذا القانون سوريا بفرض عقوبات إن هي لم تنسحب من لبنان، وتتخلى عن أسلحة الدمار الشامل، وتوقف دعمها للإرهاب، كما طالب سوريا ولبنان باتخاذ خطوات عملية ملموسة لإبرام سلام مع “إسرائيل”. وأفاض اللوبي تبريكاته على هذا التشريع، وتبناه بقوة، لا سيما إيباك، و”أطرت له الأطر” حسب “جويش تلجراف” اليهودية “من قبل بعض من أخلص أصدقاء “إسرائيل” في الكونجرس”. كان هذا التشريع مهملاً إلى حد ما لبرهة من الوقت، ويعزى السبب الأكبر في هذا الغض إلى أن إدارة بوش لم تكن شديدة الحماس لطرحه وتبنيه بقوة، غير أنه جرى تمرير هذا التشريع المناهض لسوريا بأغلبية ساحقة (398 صوتاً إلى 4) في مجلس النواب وبنسبة 89 إلى 4 في مجلس الشيوخ، وصدق بوش عليه ليصبح قانوناً في 12 ديسمبر/كانون الأول من عام 2003.

ومع ذلك كانت إدارة بوش لا تزال منقسمة بشأن الحكمة من استهداف سوريا في هذا الوقت بالذات، ومع أن المحافظين الجدد كانوا يتوقون في الحقيقة إلى تأجيج صراع مع دمشق، فإن وكالة الاستخبارات المركزية ووزارة الخارجية كانتا تعارضان هذا التوجه. وحتى بعدما وقع بوش على القانون الجديد أكد أنه سيمضي ببطء وتدرّج في تطبيقه.

ويمكن فهم ازدواجية بوش وتأرجحه حيال هذه القضية، ففي المقام الأول، دأبت الحكومة السورية على إمداد الولايات المتحدة بدفق ضخم من المعلومات الاستخباراتية المهمة عن تنظيم القاعدة منذ هجمات الحادي عشر من سبتمبر/أيلول، كما أنها حذرت واشنطن أيضاً في الوقت المناسب بشأن هجوم إرهابي كانت القاعدة قد خططت لشنه في الخليج. وعلاوة على ذلك أمّنت سوريا لمحققي الاستجواب في ال “سي آي إيه” سبل الوصول إلى محمد الزمار، الذي راجت مزاعم بأنه هو من قام بتجنيد العناصر التي شنت هجمات 11/9 واختطفت الطائرات، والقبض عليه، فاستهداف نظام بشار الأسد من شأنه أن يهدد حلقات الارتباط الثمينة هذه ويقوض جهود الحرب الكبرى على الإرهاب.

وفي المقام الثاني، لم تكن علاقات دمشق سيئة مع واشنطن قبل الحرب على العراق (فعلى سبيل المثال كان قد بلغ بسوريا التعاون أن صوتت لمصلحة القرار 1441 في مجلس الأمن)، كما لم تكن سوريا تمثل تهديداً للولايات المتحدة بحال من الأحوال، فالتشدد تجاه سوريا واستخدام الخشونة في التعامل معها سوف يظهر الولايات المتحدة بمظهر “البلطجي” أو “القبضاي” المتغطرس الذي لا يروي ظمأه إلا إشباع الدول العربية ضرباً وإذلالاً. وأخيراً فإن الزج بسوريا في لائحة الدول التي تستهدفها أمريكا من شأنه أن يوفر لسوريا حافزاً قوياً وذريعة لإحداث اضطراب وقلاقل في العراق، وحتى لو ارتأى المرء الضغط على سوريا فثمة ألف سبيل بديل لذلك. كما أن من الحكمة قبل التصعيد مع دمشق إنجاز المهمة في العراق أولاً.

ومع ذلك أصر الكونجرس على تصعيد الضغوط على سوريا، وكان الدافع الأكبر وراء ذلك هو الاستجابة لضغط مارسه المسؤولون “الإسرائيليون” والجماعات الموالية ل “إسرائيل” مثل “إيباك”. ولو لم يكن هناك لوبي “إسرائيلي” ضاغط شديد الجبروت والتأثير لما كان ثمّة قانون لمحاسبة سوريا، ولكانت سياسة الولايات المتحدة تجاه دمشق أكثر استجابة على الأرجح وأعظم خدمة للمصالح القومية الأمريكية.

استهداف إيران

يميل “الإسرائيليون” إلى وصف أي تهديد بأشد العبارات وأقسى الألفاظ، لكن إيران ينظر إليها على نطاق واسع على أنها أخطر أعدائهم على الإطلاق، وما ذلك إلا لأنها أرجح الخصوم كفّة في احتمالات حيازة السلاح النووي حالياً. وفي حقيقة الأمر فإن “الإسرائيليين” كلهم يرى في أي بلد إسلامي في الشرق الأوسط يحوز أسلحة نووية تهديداً مصيرياً داهماً. وكما كان وزير الحرب “الإسرائيلي” بنيامين بن اليعازر قد علّق قبل شهر واحد من غزو العراق فإن “العراق مشكلة.. لكنكم ينبغي أن تفهموا هذه النقطة، أعني أنكم لو سألتموني اليوم فإيران أخطر من العراق”.

وكان شارون قد بدأ يدفع الولايات المتحدة ويضغط عليها علانية لتجابه إيران في نوفمبر/تشرين الثاني من عام ،2002 في مقابلة مع “التايمز” اللندنية أريد لها أن تحظى بوهج إعلامي كبير. فبعدما وصم إيران بأنها “ينبوع الإرهاب في العالم” وأنها مصممة على امتلاك السلاح النووي، أعلن أنه يجب على إدارة بوش أن تستخدم القبضة الحديدة ضد إيران “في اليوم التالي” لغزوها العراق. وفي أواخر أبريل من عام ،2003 أوردت صحيفة “هاآرتس” في تقرير لها أن السفير “الإسرائيلي” في واشنطن صار يدعو اليوم إلى تغيير النظام في إيران. وعبّر السفير عن وجهة نظره في أن الإطاحة بصدام لم تكن “كافية”. وحسب كلماته فإن أمريكا “ينبغي عليها أن تمضي قدماً وتتابع، فما زالت هناك أخطار جسام تحدق بنا من صوب سوريا، وأعظم منها، من جهة إيران”.

كما لم يهدر المحافظون الجدد لحظة واحدة في السعي لاختلاق الذرائع وتلفيق الأمور كي يبنوا عليها قضية تغيير النظام في طهران. في السادس من مايو/أيار احتضن معهد المشروع الأمريكي مؤتمراً حول إيران استغرق يوماً كاملاً وشاركته في رعاية المؤتمر المنظمة المناصرة ل “إسرائيل”، “مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات” ومعهد هدسون.

وكان المتحدثون كلهم جميعاً موالين ل “إسرائيل” يناصرونها أشدّ المناصرة، ودعا كثير منهم الولايات المتحدة إلى استبدال النظام الإيراني بديمقراطية. وكما هو معهود، كان هناك سيل عرم من المقالات التي دبجها محافظون جدد بارزون انغمسوا في مشاغل تهيئة السبل لاستهداف إيران، فعلى سبيل المثال، كتب وليم كريستول في الويكلي ستاندرد يوم 12 مايو/أيار أن “تحرير العراق كان المعركة العظمى الأولى على درب رسم ملامح مستقبل الشرق الأوسط.. إلا أن المعركة العظيمة التالية ونأمل أن لا تكون عسكرية، ستكون المعركة ضد إيران”.

واستجابت إدارة بوش لضغوط اللوبي بأن وصلت الليل بالنهار وبذلت قصارى جهدها لإجهاض البرنامج النووي الإيراني. لكن واشنطن لم تحرز نجاحاً يذكر، وتبدو إيران مصممة على الحصول على ترسانة نووية. ونتيجة لذلك صعّد اللوبي ضغوطه على حكومة الولايات المتحدة مسخراً كلّ ما في جعبته من استراتيجيات وألاعيب، وتنهال علينا اليوم الافتتاحيات والمقالات التي تحذّر حالياً من الأخطار الوشيكة التي تحدث بالعالم إذا امتلكت إيران السلاح النووي، وتنذر المجتمع الدولي وتخوّفه من خطورة أي تغاضٍ أو استرضاء أو مهادنة لنظام “إرهابي”، وتلمّح بصورة سوداوية قاتمة إلى أنه ينبغي التحرك للقيام بعمل استباقي وقائي في حال أخفقت الدبلوماسية، كما يدأب اللوبي على الضغط على الكونجرس ليصدق على تشريع دعم حرية إيران، الذي سوف يوسع نطاق الحظر الحالي المفروض على إيران. ويحذر المسؤولون “الاسرائيليون” ايضا من أنهم سيقدمون على عمل استباقي ان مضت إيران قدما في مشروعها النووي، وهي تلميحات تقصد في جزء منها الحفاظ على تركيز واشنطن على هذه القضية.

ويمكن للمرء أن يجادل في أن “اسرائيل” واللوبي لم يكن لهما  تأثير عظيم في سياسة الولايات المتحدة تجاه إيران، لأن لدى الولايات المتحدة اسبابها الخاصة للحيلولة دون حيازة ايران للأسلحة النووية، وهذا صحيح في جزء منه، لكن طموحات ايران النووية لا تمثل تهديدا مصيريا بالنسبة للولايات المتحدة، فإذا كان في مقدور واشنطن التعايش مع اتحاد سوفييتي نووي، وصين نووية، أو حتى كوريا شمالية نووية فلا شك في أن في وسعها التعايش مع ايران نووية، وهذا هو السبب في أن اللوبي يجب أن يبقي على زخم متواصل من الضغوط عى ساسة الولايات المتحدة كي تجابه ايران. صحيح انه ما كان قدّر لإيران والولايات المتحدة أن تكونا حليفتين لو لم يوجد اللوبي، لكنه لولا اللوبي لكانت سياسة الولايات المتحدة أكثر اعتدالا وما كان للحرب الاستباقية ان تكون خيارا جديا.

ملخص

لا عجب إذن في أن “اسرائيل” وداعميها ومناصريها الأمريكان يبتغون من الولايات المتحدة أن تتعامل مع اي من خيوط أمن  “اسرائيل” ومع كل هذه الخيوط مجتمعة. فإذا ما نجحت مساعيهم لصياغة سياسة الولايات المتحدة تم بالتالي إضعاف أعداء “اسرائيل” أو الإطاحة بهم، فعندها تستبيح “اسرائيل” الفلسطينيين استباحة كاملة وتطلق أيديها تفعل بهم ما تشتهي، وعندها سيناط بالولايات المتحدة معظم المجهود الحربي القتالي لتخوض المعارك وتقدم قوافل القتلى ولتنهض بعبء إعادة بناء ما دمرته ودفع الفواتير.

إلا انه حتى لو أخفقت الولايات المتحدة في إحداث تحول في الشرق الأوسط ووجدت نفسها في صراع مع عالم عربي وإسلامي يزداد جنوحا نحو الأصولية والتطرف، فسوف ينتهي المطاف ب “اسرائيل” الى الاستئثار بحماية القوة العظمى الوحيدة في العالم، ومن وجهة نظر اللوبي فإن هذه النتيجة ليست هي الكمال المنشود، لكنها من الواضح انها هي المفضلة لواشنطن لتترك مسافة بينها وبين “اسرائيل”، أو لتستخدم قوتها لحمل “اسرائيل” على إقامة سلام مع الفلسطينيين.

الاستنتاجات

هل يمكن كبح جماح اللوبي ولجمه؟ يود المرء لو ساير هذا الاعتقاد وأطلق بعض العنان للتفاؤل، أخذاً في الحسبان الانهيار الكامل في العراق والحاجة الواضحة والملحة لإعادة تلميع صورة امريكا ونفض ما علق بها من غبار كثيف في العالمين العربي والإسلامي، وما بدأ يتكشف أخيراً حول أن مسؤولي ايباك يسربون أسرار حكومة الولايات المتحدة الى “اسرائيل”. كما يمكن للمرء أن يذهب في الاعتقاد الى أن موت عرفات وانتخاب أبي مازن الأكثر اعتدالا منه سيجعل واشنطن تضغط بقوة اكبر من أجل التوصل الى اتفاقية سلام. وباختصار، فإن هناك أسساً صلبة تتيح لقادة الولايات المتحدة ألا يظلوا رهائن الالتصاق الكامل باللوبي، وأن ينأوا عنه ولو بمسافة ضئيلة وأن يتبنوا سياسة شرق أوسطية اكثر انسجاما مع المصالح الامريكية في مداها الاوسع وتجلياتها الاشمل، وبشكل خاص فإن استخدام القوة الامريكية لتحقيق سلام عادل بين الفلسطينيين و”اسرائيل” سوف يساعد على احراز تقدم في تحقيق الغايات الأشمل من محاربة للتطرف وإعلاء لشأن الديمقراطية في الشرق الأوسط.

ولكن ذلك لن يحدث في وقت قريب. فمنظمة إيباك وحلفاؤها (ومن بينهم الصهاينة المسيحيون) ليس لديهم خصوم خطيرون في عالم حشد التأييد. وهم يعلمون أن الدفاع عن “اسرائيل”، غدا أصعب من اليوم، وهم يستجيبون لذلك بتوسيع نشاطاتهم وزيادة أعداد الهيئات العاملة لديهم، وعلاوة على ذلك، يظل الساسة الأمريكيون شديدي الحساسية إزاء التبرعات للحملات الانتخابية وأشكال الضغط السياسي الاخرى، ومن المتوقع أن تظل وسائل الإعلام الرئيسية متعاطفة مع “اسرائيل” بصرف النظر عما تفعله.

ان الوضع مثير للقلق العميق، لأن نفوذ اللوبي يسبب المتاعب على جبهات عديدة. فهو يزيد الخطر الإرهابي الذي تواجهه جميع الدول، بما فيها الدول الأوروبية الحليفة لأمريكا، واللوبي بمنعه زعماء الولايات المتحدة من الضغط على “اسرائيل” لتصنع السلام، جعل من المستحيل انهاء الصراع “الاسرائيلي” - الفلسطيني.

وهذا الوضع يمنح المتطرفين أداة تجنيد قوية، ويوسع رقعة الارهابيين المحتملين والمتعاطفين معهم، ويسهم في إيجاد الراديكالية الاسلامية في العالم.

وعلاوة على ذلك، قد تؤدي حملة اللوبي لتغيير النظام في ايران وسوريا الى أن تهاجم الولايات المتحدة هاتين الدولتين، بما ينطوي عليه ذلك من الآثار المدمرة المحتملة، إننا لسنا في حاجة الى عراق آخر. وأقل ما في الأمر ان عداء اللوبي لهاتين الدولتين يجعل من الصعب على واشنطن بوجه خاص ان تجندهما ضد حركة القاعدة والتمرد العراقي، حيث ثمة حاجة ماسة الى الحصول على مساعدة هاتين الدولتين.

كما ان للأمر بعدا أخلاقيا، اذ غدت الولايات المتحدة بفضل اللوبي، الدولة التي تمكّن “اسرائيل” في واقع الأمر من التوسع في المناطق المحتلة، وأصبحت بذلك متواطئة ومشاركة في ارتكاب الجرائم ضد الفلسطينيين. ويدمر هذا الوضع جهود واشنطن لتعزيز الديمقراطية في الخارج. ويجعلها تبدو مرائية عندما تضغط على الدول الأخرى لكي تحترم حقوق الإنسان.

وتبدو جهود واشنطن للحد من الانتشار النووي مرائية بالقدر ذاته، مع الأحذ في الاعتبار رغبتها في تقبل ترسانة “اسرائيل” النووية، مما يشجع ايران والدول الأخرى على السعي لامتلاك قدرات مماثلة.

وعلاوة على ذلك، فإن حملة اللوبي لإخماء الجدل بشأن “اسرائيل” غير صحية للديمقراطية. وإسكات المتشككين بتنظيم القوائم السود وعمليات المقاطعة - أو بالقول ان المنتقِدِين معادون للسامية- يتناقض مع مبدأ النقاش الحر الذي تقوم عليه الديمقراطية. وعجز الكونجرس الامريكي عن إجراء حوار أصيل حول هذه القضايا الحيوية يشل عملية التداول الديمقراطي برمتها. وينبغي ان يكون من يساندون “اسرائيل” أحرارا في الدفاع عن قضيتهم وتحدي من يخالفونهم. ولكن جهود خنق النقاش بالتخويف تجب ادانتها بصراحة من قبل الذين يؤمنون بالتعبير الحر والنقاش المفتوح للقضايا العامة المهمة.

وفي النهاية، لقد كان أثر اللوبي في “اسرائيل” سيئا، فمقدرة “اسرائيل” على إقناع واشنطن بمساندة أجندة توسعية قَعَدَ ب “اسرائيل” عن اغتنام الفرص، التي كانت ستحفظ أرواحاً “إسرائيلية” وتقلص اعداد المتطرفين الفلسطينيين - ومن بين تلك الفرص توقيع معاهدة سلام مع سوريا والتطبيق التام والفوري لاتفاقيات اوسلو. ولكن حرمان الفلسطينيين من حقوقهم السياسية المشروعة، لم يجعل “اسرائيل” قطعا أكثر أمناً، والحملة الطويلة الواسعة لقتل او تهميش جيل من الزعماء الفلسطينيين شدت أزر الجماعات المتطرفة مثل حماس، وقللت عدد الزعماء الفلسطينيين الراغبين في قبول تسوية عادلة، والقادرين على جعلها تعمل في الوقت ذاته. ويثير هذا المسار شبح احتلال “اسرائيل” ذات يوم لوضعية الدولة المنبوذة، التي كانت ذات يوم حكرا على دول التمييز العنصري مثل جنوب افريقيا. ومن المفارقات ان  “اسرائيل” ذاتها كانت ستغدو في وضع افضل لو كان اللوبي اقل سطوة ولو كانت سياسة الولايات المتحدة اكثر انصافا.

ولكن هنالك بصيص أمل، فعلى الرغم من ان اللوبي يظل قوة شديدة، إلا أن الآثار العكسية لنفوذه يصعب اخفاؤها بصورة متزايدة، والدول القوية تستطيع الحفاظ على السياسات التي يعتريها العيب والنقص بعض الوقت، ولكنه لا يمكن تجاهل الواقع الى الأبد. ولذلك، فإن ما تمس الحاجة اليه هو إجراء حوار نزيه وصريح حول نفوذ اللوبي، وحوار أكثر صراحة وانفتاحاً بشأن مصالح الولايات المتحدة في هذه المنطقة الحيوية. وكون “اسرائيل” في صحة وعافية، احدى هذه المصالح، ولكن ليس منها استمرار “اسرائيل” في احتلال الضفة الغربية، او تطبيق اجندتها الاوسع في المنطقة. وسوف يكشف النقاش الصريح العلني حدود الدفاع الاستراتيجي والأخلاقي للدعم الامريكي المتحيز، وقد ينقل الولايات المتحدة الى موقف اكثر انسجاما مع مصلحتها القومية، ومع مصالح الدول الاخرى في المنطقة، ومصالح “اسرائيل” بعيدة المدى كذلك.

 

المصدر : ستيفن وولت وجون ميرشايمر *
ترجمة : دار الخليج