جني مصباح علاء الدين خارج السيطرة الأميركية

21-09-2012

جني مصباح علاء الدين خارج السيطرة الأميركية

الجمل- ترجمة: رندة القاسم: ألقت المأساة الأخيرة التي أثارها فيلم "براءة المسلمين" والمتمثلة بمقتل سفير الولايات المتحدة كريستوفر ستيفنز و ثلاثة أعضاء في قنصلية الولايات المتحدة في بنغازي ( المدينة التي اشتهرت بكونها مركز الثورة الليبية وانفجار غضب المسلمين في أنحاء العالم) الضوء على أهمية ما يحدث الآن في السياسات العالمية.
في هذه اللحظة الحاسمة، من المستحيل أن تخفي عن  العامة ما كان سراً للخبراء، وهو أن الجني الذي أطلقه علاء الدين أميركا الجديد في جزء من العالم حيث نشأت هذه القصة الخرافية، لن يترك أمنية أي أحد تغدو حقيقة أو تبقى ضمن القيود المطلوبة. بل إن الكائن السحري بدأ التخطيط بنفسه، و تلاشت آمال واشنطن من أن القوى التي تسلمت السلطة عبر احتجاجات شعبية في العالم العربي ستكون ممتنة لدعم الولايات المتحدة لدرجة التخلي عن ارثها و مصالحها.من الاحتجاجات على الاساءة لنبي الإسلام في الهند أمس (ديبيانغشو سركار - أ ف ب)
إن أجندة الولايات المتحدة الكامنة وراء الدعم أمر يستحيل إخفاؤه عن حلفاء واشنطن وكل الآخرين في الشرق. وعلى المستوى الخطابي ، تبدو مساهمة الولايات المتحدة أمراً يستحق التقدير، لكن أنانيتها المتنكرة ستطالب بدفع الحساب من قبل العالم العربي  ولن  تغفر أية إساءة أو عدم امتنان للمساعدات الماضية.  
غير أن سخرية القدر تكمن في حقيقية أن الدبلوماسي الأميركي المقتول كريستوفر ستيفنز كان المنسق وراء معونات الولايات المتحدة للمعارضة الليبية حين كانت تصارع نظام القذافي. ولكن كما تقول الحكمة التقليدية: "الثورة مثل ساتورن (إله الزراعة عند الرومان)، تلتهم أولادها"، و لكن يبدو هنا بأن الأب نفسه في خطر.
يمكن لمجموعة مسائل، بدءاً من تراكم طاقة الاحتجاجات الاجتماعية إلى الألعاب التي تمارسها مراكز و جماعات خفية عبر البحار، تفسير ظاهرة الربيع العربي. إذ أن هذا المزيج سيخلق النتائج المعروفة، حيث يلعب الاستياء  الجماعي دوراً هاماً، غير أن نقطة البداية التي لا يمكن التغاضي عنها هي اعتناق إدارة بوش لعقيدة معينة ذات صدى كبير ومستمر في الشرق الأوسط.
السياسات التنفيذية للولايات المتحدة مبنية بصيغة ما يسمى توجيهات السياسة الرئاسية (PPD)، ويسبقها عادة دراسات السياسة الرئاسية (PPS). والأخيرة تجمع نصائح من عدة وكالات حكومية لتقدم إلى مجلس الأمن القومي، الذي يقوم وخلال أشهر بوضع توجيهات السياسة الرئاسية، وهذا إجراء تقليدي، والتوجيهات تدور حول الأمن العالمي أو قضايا متعلقة بالسياسة الأميركية الخارجية و تبقى طي الكتمان.
أما العنأوين (و خاصة المتعلقة ب PPS و التي تنتشر على نطاق واسع إلى حد ما)، تصبح معروفة خارج المجموعة المفوضة، فعلى سبيل المثال ، قام موقع Federation of American Scientist ، و هي خلية تفكير غير حزبية، بإدراج عشر PPS  متعلقة برئاسة باراك أوباما.
وفقاُ للموقع ، فإن PPS 11  وعنوانها المؤقت (إصلاحات سياسية في الشرق الأوسط  وشمال إفريقيا) قد وضعت في الثاني عشر من آب 2010، ما يفترض أن PPD  عملت على دفع الإصلاحات (التي ستتدخل فيها  الـ CIA و وزارة الخارجية  الأميركية و آلة البربوغندا الأميركية الضخمة إضافة إلى الموارد التي ستغدق) قبل نهاية العام.
أما فرص النجاح فتضمنتها PPD 13 التي بقي عنوانها سرياً.متظاهرون يضربون تمثالاً للرئيس الأميركي باراك أوباما في تظاهرة في بيشاور في باكستان أمس. (أ ف ب)
ومن الصعوبة بمكان في حالة مؤلفي الوثائق التنبؤ بالتحولات البنائية التي يمكن أن تتعرض لها مبادرتهم. و تبين أن الإيمان بقوة الولايات المتحدة اللامحدودة ، المدعوم من قبل أصحاب نظرية المؤامرة  والمغذى من داخل الإدارة الأميركية ، أمر مبالغ فيه .
مفاد الافتراضات الأساسية في التوجيهات أن الديمقراطيات، وفقاً للنموذج الغربي، ستنمو بسرعة في العالم العربي مع زوال حكومات علمانية ولكن متحدية، مثل ليبيا و سوريه، أو دكتاتوريات قديمة مثل تونس و مصر، وستعقد انتخابات حرة في دول مرشحة للحداثة.
ولم  يتم تجاهل وجود قوى راديكالية إسلامية، غير أن إعادة توجيهها أو ترويضها لم يبدو مشكلة غير قابلة للحل. وتجلت الإشارات المبكرة  إلى بداية  تبلور الفكرة في خطاب أوباما عام 2009 في القاهرة.  نبه محللون خبراء في شؤون الشرق الأوسط إلى قصر نظر واشنطن و حذروا من استحالة السيطرة على القوى التي ستطلق في الثورات القادمة .
السياسة والدين متداخلان بقوة في العالم العربي، والانتخابات الحرة فيها ستمنح النفوذ قريباً لقوى تقوم حملاتها الانتخابية على أساس القيم الإسلامية التقليدية والمتعارف عليها، وسيستبعد مؤيدو النماذج الغربية النظرية . و هذا هو بالضبط السيناريو الذي نشهد تجسده.
و ردة فعل الولايات المتحدة حيال سلسلة فوز الأخوان المسلمين وأشباههم في المنطقة وتقوية نفوذ مجموعاتها المتطرفة كانت عبارة عن ارتباك لا تفاؤل. و توجب على صناع القرار في الولايات المتحدة المعنيين بالشرق الأوسط التأقلم لما يبدو أنه إخفاق دراماتيكي رغم التخطيط الدقيق للانجازات.
و الاعتراف بالأخطاء الكبيرة أمر غير قابل للنقاش بالنسبة للإدارة الأميركية الحالية، إذا أخذنا بعين الاعتبار قرب موعد الانتخابات. وعوضاً عن ذلك وعن طيب خاطر وصفت الأخوان المسلمين بالمعتدلين و قالت بأن المجموعة لن تمس بالمعاهدات مع الولايات المتحدة و إسرائيل و ستكون متعاونة بلا ريب، وأملت بأن الاستفادة المالية ستساعد السلطة في القاهرة و آخرين.
وبالوقت نفسه، و خلافاً لمنطق سياسة الولايات المتحدة الأوسع، عبرت واشنطن عن الارتياح لفشل الإسلاميين بالحصول على حصة الأسد في أول انتخابات بعد الثورة في  ليبيا، رغم أن التراجيديا  الأخيرة في بنغازي تشير إلى أن ما من شيء يستحق الاحتفال بغض النظر عن الزاوية التي تقاس وفقها الأمور.
و ليوفر على أصدقائه الجدد موجة من الانتقادات المستحقة، تظاهر البيت الأبيض بعدم الاكتراث بمدى تجاهل دول ما بعد الربيع العربي لمعايير ديمقراطية أساسية، مثل حقوق المرأة التي كانت تعتبر أمراً مفروغا منه قبل التغييرات الحكومية، و الانزلاق سريعاً تجاه قوانين الشريعة المتممة للتقاليد المحلية ولكن غير القابلة للتوافق مع معايير الديمقراطية الغربية.
و اندمجت الدول بشكل أعمق مع ملكيات الخليج الفارسي المعروفة بازدرائها للحريات المدنية، و بينما  يزداد لين الولايات  المتحدة تجاه اختلاف العالم الإسلامي ، فإنها وبوضوح قلقة من جهة إسرائيل التي انتقدت علنا سياسات إدارة أوباما حول الشرق الأوسط.
في ظروف معينة، كما في حال سورية، قامت واشنطن ببساطة بالتخلي عن عجلة القيادة لشركائها، ارتبكت من تطرف القوى المعادية للأسد و لكن استمرت بمساعدتها. و استثمرت الولايات المتحدة الخلاف الشيعي السني و لكن الآثار الجانبية للسياسة هي زيادة الاعتماد الأميركي على المعسكر السني.
و يجب أن يأخذ بعين الاعتبار تدني مستوى الاحترام للولايات المتحدة في الشرق الأوسط نتيجة الحرب على العراق وما رافقه من سلسلة فضائح، الأمر الذي جعل الأخوان المسلمين يشعرون بالخجل من الشراكة مع الغرب و يدعمون موقف خصومهم من السلفيين المتشددين.
و يشعر المسلمون المعتدلون بعدم الارتياح للقيام باستغلال ميل واشنطن للظهور بمظهر البطل، فالهوة الحضارية سيئة الصيت لا تزال غير مردومة. و لذا يتوجب على  الرئيس أوباما، التعامل مع مشاكل حادة ، و كل اقتراح موضوع على الطاولة يشي بالمزيد من الورطات.
فمن جهة إذا اقتصر رد واشنطن على الخطب النارية والإجراءات غير ذات الجدوى مثل إرسال سفينتين حربيتين إلى ساحل ليبيا، فإن العالم، بما فيه الجزء المسلم، سيدرك سريعاً أن واشنطن لا تستطيع  التغلب على الوضع الذي خلقته، و ستغدو المنطقة منيعة تماماً ضد أي نفوذ أميركي مستقبلي.
و بلا شك لن يفوت فريق رومني الفرصة الذهبية لضرب أوباما في الانتخابات، وتظهر استطلاعات الرأي أن السياسة الخارجية التي كانت تحتل عادة المرتبة الثالثة في أولويات الناخبين الأميركيين قد تصدرت القائمة. وقال المعلقون أنه ينبغي على رومني عدم مهاجمة أوباما حول السياسية الخارجية قبل انتهاء الصدمة الوطنية من جراء مأساة بنغازي. فمن جهة أخرى ستثير أي ردة فعل أميركية حادة نوبات جديدة من الاحتجاجات و تطرفاً عميقا في العالم العربي، حيث لا ينصب الغضب بشكل ضيق على الفيلم سيء السمعة ولكن يوجه إلى كل الغرب مع فقدانه للقيود بكل أنواعها. وسيكون من الخطأ الابتهاج بالصعوبات التي تواجهها الولايات المتحدة. فالوضع يترافق مع الكثير من الشؤم، موجة من الفوضى في المنطقة وحالة عدم تنبؤ مرعبة. وبالتأكيد الولايات المتحدة هي من يستحق اللوم، ولكن ما من دولة ستستفيد من التطورات، و العثور على حل يحتاج لجهود دولية.
بغض النظر عمن سيفوز في الانتخابات الأميركية، يجب أن يتعلم البيت الأبيض أن الاستقرار والتقدم في الشرق الأوسط يعتمدان على احترام التقاليد المحلية ومصالح كل الدول والقوى السياسية المتعلقة بالأمر.
إضافة لذلك، حان الوقت لتقرر الولايات المتحدة إلى أي حد ستكون منفتحة للتعاون مع دول أخرى منافسة، بما فيها روسيا، والغرض من هذه الجهود إعادة المنطقة إلى الحالة السوية.


تُرجم عن موقع Strategy Culture Foundation

الجمل: قسم الدراسات والترجمة

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...