كتاب التساؤلات لبابلو نيرودا

13-11-2006

كتاب التساؤلات لبابلو نيرودا

ليس صدفة، ربما، أن يكون الديوان الشعري الاخير لشاعر مثل بابلو نيرودا ( 1904 - 1973) هو "كتاب التساؤلات"، بعد نحو خمسين عاما من كتابة الشعر وممارسة العمل الثقافي والسياسي. فرغم أن نيرودا عاش حياة مندفعة في "يقينيتها" النضالية وصلادة خياراتها الفكرية والسياسية، الا انه ظل وفيا لدهشة الشعر الأولى، وظل "تشكك" الشاعر مفتوحا على احتمالات الجمال ومقترحات التساؤل حول الوجود الانساني.
"كتاب التساؤلات"، الصادر حديثاً لدى "دار أزمنة" الاردنية، ترجمة سحر أحمد، هو آخر ما خطه الشاعر التشيلياني الأشهر، حيث أنهى كتابة هذا الديوان قبل اشهر قليلة من رحيله في 23/9/1973، وتبرز فيه الروح الانسانية العميقة في تأمل الظاهرات البشرية، والاصغاء الى ما تقوله الاشياء عنا لنا، وما نقوله نحن عن انفسنا، بكامل تاريخنا الصراعي والفلسفي، وليس بعيدا ايضا عن رؤية نيرودا الايديولوجية المضمرة في ثنايا جماليته الشعرية.

الديوان، كما يتضح من عنوانه، مصوغ على شكل اسئلة وتأملات، وهو اقرب الى قصيدة طويلة دون تقسيم او عناوين فرعية، بل هو متوالية طويلة من الأسئلة تبدأ برصد الطائرات العملاقة التي "لا تحلق مع اطفالها" وتنتهي بتساؤل فلسفي رمزي حول "ارتعاش ورقة في الكون" و"متى صدر تحت التراب مرسوم يسمي الوردة".
وبين ذلك كله يكتب نيرودا حالات تأملية يمر فيها على هواجس الانسان بوجوده اليومي والميتافيزيقي، اضافة الى استدعاء ثقافة الشاعر نفسه ورؤاه الفكرية في صياغات شعرية بارقة على شكل توقيعات سريعة. منها: "لماذا لا يدربون المروحيات/ على جني العسل من اشعة الشمس؟/ هل من امر اشدّ حزنا/ من قطار يقف تحت المطر؟/ ربما ماتت خجلا/ تلك القطارات التي اضاعت طريقها./ كم كنيسة في الجنة؟".
تأمل الفصول والطبيعة حاضر بقوة في هذه الاشعار، لكنه التأمل المبني على اسقاط الحالات الانسانية على مفردات الطبيعة الام، وكذا محاولة استنطاق الظواهر الطبيعية والمخلوقات والفصول لتقول معانيها بما ينسجم مع تيار الشعر العام الذي هو هنا الروح الكلية التي تنظم جميع الظواهر والكائنات وتفاصيل التاريخ البشري والشخصي: "من اسأل عما جئت/ اصنعه في هذه الدنيا؟/ لماذا امضي دون ارادتي،/ لماذا لا اجلس ساكنا؟/ لماذا اسير بلا عجل،/ وأطير من دون جناح أو ريش؟/ ولماذا اخترت الهجرة/ اذا كانت عظامي تسكن تشيلي؟".
الصداقات الشعرية والفكرية حاضرة أيضا في تأملات نيرودا، فهو يتساءل عن شعراء وكتاب من مثل بودلير ورامبو وفيكتور هوغو، كما يأتي أصدقاؤه ورفاقه فيسأل عن الشاعر الفرنسي ايلوار في مقطع بارق يقول فيه: "اين زرعوا عيون الرفيق بول ايلوار؟". السؤال هنا عن الموت، وعن حياة تستمر رغم الموت، كما في تأمله بحياة الثائر الارجنتيني تشي غيفارا الذي اغتالته وكالة الاستخبارات الاميركية في جبال بوليفيا: "لماذا لا يطلع الفجر في بوليفيا/ بعد ليلة غيفارا؟/ وهل يبحث قلبه المقتول/ عن قاتليه هناك؟".
اتسمت تجربة نيرودا منذ البداية بانحيازها الى العالمية، في وجهها الانساني المنفتح، ليس لجهة الانتشار او الرواج، بل لجهة آلية تلقيه ثقافات مختلفة تضاف الى ينابيع تجربته الاولى، حيث أشار في خطاب له ألقاه في نيويورك قبيل عام من رحيله: "تعلمت، انا الشاعر الذي يكتب بالاسبانية، من والت ويتمان اكثر بكثير مما تعلمته من ثرفانتس".

عالمية نيرودا هذه تجيء من انفتاحه الشعري والرؤيوي، فيأخذ عن شاعر اميركي يكتب بلغة اخرى، أكثر مما يستقي من روائي يعدّ حجة ومعلما كلاسيكيا في لغته الاسبانية الام. ذلك أن نيرودا تنبه منذ البدايات الى مأزق الانغلاق والاكتفاء بخصوصية موهومة، وأدرك أن التمكن من روح الشعر يتطلب إضافات في اللغة ذاتها بوصفها وعاء ينقل الشعر، علاوة على كونها غاية جمالية ينبغي امتلاك تلابيبها اذا كان لا بد من الاتيان بمعان جديدة تعبر عن روح عصرية. واللغة الشعرية في هذا المعنى همّ جمالي شغله مبكرا، وجزء من سيرة تحولاته الفكرية والشعرية، حيث يذكر الكاتب رينه دي كوستا في كتابه "شعر بابلو نيرودا" الصادر عام 1979: "تم اعتباره مرة بأنه بيكاسو الشعر، بتلميح الى قدرته السريعة في أن يكون على الدوام في طليعة التغيير، وكان هو نفسه قد ألمح مرارا الى نضاله الشخصي ضد نمطه، والى حاجته المستمرة للبحث عن نظام جديد في كل كتاب يكتبه".
وبحسب ما يأتي في مقدمة المترجم، جعل نيرودا من اقتراح بناء شعري جديد غايته منذ البدايات، فينقل قول خورخي لويس بورخيس في كتاب حواري صدر عام 1988 حول مناقشاته الاولى مع نيرودا: "التقينا (بورخيس ونيرودا) قبل اربعين سنة. كنا نحن الاثنين، في ذلك الوقت، متأثرين بوالت ويتمان، وقلت نصف مازح: "لا اعتقد ان هنالك ما يمكن صنعه باللغة الاسبانية، هل تعتقد بذلك انت ايضا؟". وافقني نيرودا، لكنه قرر أنه فات أوان أن نكتب نصوصا باللغة الانكليزية. وأنه علينا بذل الجهد لإخراج الافضل من ادب هو من الدرجة الثانية".
نيرودا، الذي بدأ الكتابة منذ سن الثامنة والنشر منذ الثالثة عشرة، حفر مجرى عميقا في الشعرية العالمية، ولعل التزامه السياسي بصفته شيوعيا وديبلوماسيا لم يحل دون التزامه من جهة أخرى خيارات الشاعر المجدد، والباحث أبدا عن اشكاله ومعانيه الشعرية الجديدة، وهو أمر برز في إعادة قراءاته لاشعاره، وتبنّي ما كان قد أسقطه في حماسته السياسية.
ختاماً، يمكن ان نقول انه بالقدر الذي نظر فيه نيرودا بعين نقدية الى تاريخ افكاره الايديولوجية، فقد عبر النهر ايضا بالحساسية نفسها الى تجديد معماره الشعري.

المصدر: النهار

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...