مدخل إلى الثقافة الإيرانية المعاصرة

تُعَدّ العقود الثّلاثة الماضية الّتي تلت الثّورة الإسلاميّة في إيران، جيلاً كاملاً نادراً ما يطوي إنسان ثلاثةً منها. ثلاثون سنة بعد انقلاب مصيري في تاريخ ايران، غيّر الكثير فيه، لا بدّ من أن تكون قد حملت في طيّاتها واقعاً ثقافيّاً وفكريّاً جديداً يتمايز عمّا كان قائماً قبلها. لكن لا يعني هذا أنّ العقود الثّلاثة هذه قد أتت من فراغ. الحقيقة هي أنّها تقوم على تراث وثقافة ونظام سياسيّ واجتماعيّ يتوغّل في التّاريخ آلاف السّنين كان فيها للحضارة الإيرانيّة دورٌ رائدٌ في المسيرة الحضاريّة والثّقافيّة والدّينيّة للدول والمجتمعات المنتشرة في البلاد الممتدّة من السّواحل الشّرقيّة للبحر الأبيض المتوسّط غرباً حتّى الجبال والأنهار الّتي تفصل بين الحضارتين الفارسيّة والهنديّة شرقاً.

لذلك لا يمكن الفصل بين الواقع الثّقافي في ايران الجمهوريّة الإسلاميّة، وايران التّراث والثقافة الفارسيّة الّتي نَمَت واتّسعت وترسّخت على مدى آلاف السّنين، بل إنّ ايران المعاصرة امتداد، ضمن مسيرة التّاريخ، لإيران ما قبل الثّورة، شأنها شأن جميع الشّعوب والحضارات الّتي شهدت ثورات وانقلابات غيّرت صورة الشّعوب أو طوّرتها بينما هيولى حضارات تلك الشّعوب وتراثها بقـيت ثابتة على مدى عقود عدة بعد إنجاز تلك الثّورات.

لا ينبغي إغفال مسألة مهمّة هنا، وهي أنّ ايران، على ما هي عليه اليوم من هويّة قوميّة، تمثّل أقدم دولة مستقلّة أو كيان سياسي في الشّرق الأوسط. فالإيرانيّون هم الأمّة الوحيدة في المشرق الّتي استطاعت أن تحافظ على هويّتها الذّاتيّة الفارسيّة، لغةً وثقافةً، بعد عصر الفتوحات الأولى، فاستمرّ هذا الاستقلال القوميّ حتّى يومنا هذا من دون أن تنكفئ ايران في يوم من الأيام عن دورها الأساسي في المساهمة في بناء الحضارة والثقافة المشرقيّة. وربّما لهذا السّبب يقرّ كثيرٌ من الباحثين المعاصرين الّذين يتواصلون مع الشّعب الإيراني أنّ الحسّ القومي في ايران هو العامل الأقوى في توجيه الفكر الجماعي والثّقافة العامّة لدى الإيرانيين.

تُكوّنُ العوامل المذكورة مجتمعةً الإطار العام للمشهد الثقافيّ الإيرانيّ المعاصر وواقعه. وقد نضيف إلى ما تمّت الإشارة إليه أنّ بُعيد انتصار الثّورة في ايران في القرن الماضي دخل العالمُ بأكمله مرحلةً جديدة من التّطوّر يسمّيها كثر عصر العولمة وثورة المعلوماتية؛ فتقلّص العالم إلى ما يُسمّى القرية الكونيّة، وصارت شعوبه المتحضّرة تعيش حياةً ثقافيّةً مشتركة حتّى أنّه لم يعد ممكناً عزل ثقافة أمّة ما عن ثقافات سائر الأمم، أو إيقاف التّفاعل بين الثقافات في العالم المعاصر. ويشهد التّاريخ على أنّ الإيرانيين كانوا، منذ أقدم العصور، ميّالين إلى التّفاعل مع الحضارات والشّعوب الأخرى، وخير مثال على ذلك أنّ أحد أقطاب الثّقافة الفارسيّة في القرن السابع للهجرة، سعدي الشّيرازي، شبّهَ البشريّة جمعاء بأعضاء الجسم الواحد الّذي لا يمكن لعضوٍ فيه أن يستقرّ ويسلم لو كان عضوٌ آخر في جسم البشريّة متألّماً. قد تكون عبارة سعدي هذه من أكثر العبارات شيوعاً في المجتمع الإيراني حتّى يومنا هذا، ويردّدها الكبير والصّغير. هذا القبول الفطريّ للتّفاعل الثّقافي مع الآخرين كان على الدّوام عاملاً أساسيّاً في قوّة إيران الاجتماعيّة، إذ استطاعت أن تحتوي جميعَ الفاتحين والغزاة الّذين مرّوا على أرضها.

في النتيجة، يمكن القول إنّ واقع الثّقافة الإيرانيّة المعاصرة يقوم على أسس ثلاثة: التّراث القومي الفارسي التّقليدي، ثمّ واقع الثّورة الإسلاميّة في أبعادها السّياسيّة والاجتماعيّة والدينيّة، وأخيراً عوامل التّفاعل العلميّ والثّقافيّ المُعَوْلَم في عصر ثورة المعلومات الحديث. إنّ أيّ بحث علميّ يستثني أحد هذه العوامل الثّلاثة في عرض واقع المشهد الثقافي الإيراني المعاصر يكون قد ألغى أو أنكر تلقائيّاً ثلثَ هذا الواقع.

منذ بداية العقد الثّامن من القرن الماضي، وبعد انتصار الثّورة، مرّت إيران بعدّة محطّات تاريخيّة كان لكلّ منها دورٌ مؤثّر في الحركة الثّقافيّة؛ إنْ من ناحية الأدب أو الفنون السّمعيّة والبصريّة أو الفكر السّياسي والاجتماعي والدّيني في شكل عام. يمكن تلخيص هذه المحطّات التّاريخيّة حتّى الآن في خمس هي: انتصار الثّورة، ثم فترة الحرب مع العراق والأعوام القليلة الّتي تلتها، بعد ذلك توفّي الإمام الخميني وبدأت مرحلة جديدة مع الإمام الخامنئي امتدّت حتّى مجيء الرّئيس خاتمي إلى سدّة الرّئاسة والشّروع في المشروع المُسمّى الإصلاح، انتهت مع بداية مرحلة جديدة منذ انتخاب الرّئيس أحمدي نجاد.

إنّ المتتبّع لمسيرة الواقع الثّقافي في إيران خلال المراحل الخمس المتتالية يلاحظ أنّ المشهد الثّقافي في كلّ مرحلة كان بمثابة محطّة جديدة متنامية في مسيرة واحدة لا يمكن فصل الواحدة عن الأخرى، تماماً مثلما لا يمكن فصل واقع الثّقافة الإيرانيّة المعاصرة عن المحطّات التّاريخيّة السّابقة في القرون الماضية. خير دليل على ذلك الثورة الدّستورية في إيران عام 1905 الّتي قدّمت مشهداً ثقافيّاً جديداً في إيران من دون أن تترك التّراث المتراكم الّذي كان موجوداً قبلها، والّذي استمرّ في إطار جديد منذ الثّورة الدستوريّة حتّى الثّورة الإسلامية في إيران عام 1979.

في هذا المقال، يمكن الإشارة إلى مثالين من معالم الثقافة في إيران المعاصرة وهما الشّعر ثمّ الفنون السّمعيّة والبصريّة كالرسم والخط وإنتاج الأفلام. يعتبر بعضُ النّقّاد الإيرانييّن أنّ أدب الثّورة في إيران إنّما هو ثورة أدبيّة. قد يكون هذا صحيحاً لو نظرنا إلى مضامين الأدب المعاصر الّذي يتناول قضايا الثّورة. غير أنّ النّاقد يلاحظ أنّ معظم الشّعراء في الأعوام الثّلاثين الماضية حافظوا على القوالب الشعريّة التّقليديّة، وحتّى على المصطلحات والتّعابير الرّائجة في الشعر والأدب الفارسي القديم. فمثلاً لو دقّقنا النّظر في الشّعر الثّوري الّذي ينتمي إلى العقد الأول من تاريخ الثّورة، نراه امتداداً في العصر الحديث للرّوح الصّوفيّة الّتي تكتنف عادةً معظم الشّعر الفارسي منذ القدم، بغضّ النّظر عمّا إذا كانت القصيدة صوفيّةً في دلالالتها ومناسبتها أم لم تكن. ربّما يكون الشّعر الحرّ أو المنثور بعد الثّورة أكثر تعبيراً عن التغيير، لغةً ومضموناً، من الشّعر الموزون والمقفّى في العصر الحديث (أنظر مثلاَ كتاب: «نقد وتحليل أدبيات انقلاب إسلامي» لمنوجهر أكبري). بغضّ النّظر عمّا ذُكر، ومع التّأكيد على تأثير الثّورة في إيران على أوجُهٍ من المشهد الأدبي، يبقى ديوان حافظ الشّيرازي الكتاب الّذي قد لا يخلو منه بيتٌ إيراني في داخل إيران أو في خارجه.

من ظواهر الثّقافة الإيرانيّة الأخرى، منذ القدم، الفنون السّمعيّة والبصريّة كالموسيقى والغناء والرّسم والخطّ. فباستثناء الأخيرة، هنالك إشكاليّات فقهيّة حول الفنون الثّلاثة الأخرى لا مجال هنا للخوض فيها. من ناحية أخرى، كان الغناءُ وإنشادُ الأشعار الملحّنة، خاصّةً الغزل وقصص ملوك الفرس، ثمّ رسم مشاهد الحياة المختلفة ظواهر بارزة في حياة الإيرانيّين الفنّيّة منذ أقدم العصور. من الطّبيعي أن تتراجع هذه الفنون في زمن الثّورة، خصوصاً إبّان الحرب مع العراق. غير أنّها سرعان ما عادت الحياة إليها منذ تسعينات القرن الفائت في أطُر جديدة تعكس الأسس الثّلاثة الّتي يقوم عليها واقع الثّقافة الإيرانيّة المعاصرة، والّتي تمّت الإشارة إليها سابقاً. هذا ما يلاحظه بوضوح كلُّ من يزور معرضاً للفنون الجميلة في إيران حيث يشاهد معالم الفنّ الفارسيّ القديم متآلفاً مع ظواهر إيران الثّورة وغيرَ رافض لمؤثّرات المدارس الغربيّة الحديثة في الفنّ والموسيقى، والّتي يؤقلمها الفنّان الإيراني مع واقع فنّه القومي. يجب ألا ننسى الحركة النّشطة لإنتاج الأفلام الإيرانيّة، والّتي فازت وما زالت تفوز بجوائز عالميّة. إنّ المتتبّع للأفلام المعاصرة في إيران يلاحظُ أنّ غالبيّتها مفعمةٌ بالحزن والألم وتنتمي إلى الفنّ الواقعي. ربمّا يكون هذا هو السّبب وراء اهتمام النقّاد والمجتمع العالمي بالأفلام الإيرانيّة الحديثة.

لا بدّ من الإشارة أخيراً إلى أنّ التأليف والنّشر والصّحافة والنّدوات العلميّة والدّينيّة ووضعيّة الجامعات والمدارس، وحتّى مراكز الإرشاد الديني وغيرها، تُعتبر من مكوّنات واقع الثّقافة المعاصرة في ايران، وكلّ واحد من هذه المكوّنات يحتاج إلى دراسة منفصلة. غير أنّ الواقع الأهمّ هو التّفاعل بين التّراث والحداثة والّذي قد يكون العنوان الأبرز لحاضر ومستقبل المشهد الثّقافي والحضاري في إيران. يجب ألا نغفل عن أن الواقع الثّقافي في إيران قد يختلف بعض الشّيء عن الواقع الثّقافي الإيراني في العالم حيث هنالك ملايين الإيرانيين يعيشون في المهجر ويتفاعلون مع ثقافة المجتمع في وطنهم الأُم، إن لجهة التّأثير أو التّأثُّر، ممّا سيترك أثراً لا بدّ منه على الوجه الثّقافي والحضاري لمستقبل إيران.

وحيد بهمردي

المصدر: الحياة