هذا ما تنتظره إيران

الخطاب الرسمي الإيراني اعتاد على عدم التعليق حول الانتخابات الرئاسية الأمريكية طوال عقود من العداء المتبادل بين البلدين ، وإذا ما تم سؤال أي مسؤول إيراني عن رأي بلاده في الانتخابات فإن الجواب التلقيدي يكون” لا فرق “المرشحان وجهان لعملة واحدة” و”إيران لا ترى تغييرا كبيرا أيا كان الرئيس” . وهذا التقليد الدبلوماسي الإيراني ينسحب اليوم على الانتخابات الرئاسية الأمريكية التي ستجرى بعد أيام وتحدد من سيكون في البيت الأبيض لأربع سنوات مقبلة .

 إلا أن الرئيس دونالد ترامب ليس كأي رئيس أمريكي سابق بالنسبة لإيران فهو أعلن الحرب الخشنة على إيران منذ اليوم الأول لوصوله الى البيت الأبيض ، وقرر الانسحاب من اتفاقية العمل الشاملة والمشتركة ناسفا انجازا سياسيا دوليا في أزمة البرنامج النووي الإيراني . ولعل قراره اغتيال قائد قوة القدس في حرس الثورة الإيراني الجنرال قاسم سليماني في الثالث من يناير هذا العام كان عملا أمريكيا عدوانيا غير سبوق ضد إيران وبتوقيع الرئيس دونالد ترامب شخصيا . وهو بذات الوقت الرئيس الأمريكي الأكثر الحاحا لعقد قمة مع المسؤولين الإيرانيين رفضها الرئيس روحاني أكثر مرة ، بل تجاوز ترامب الرئيس الإيراني لطلب اللقاء بالمرشد علي خامنئي وهو ما لم تعلق عليه إيران أصلا . وكرر دونالد ترامب أكثر مرة رغبته بعقد صفقة مع إيران وهو الرئيس القائل ما ساعطيه لإيران لن يعطيه أي رئيس أمريكي .


دأب ترامب على القول إن سياسية بلاده لا تقوم على إسقاط النظام في إيران إنما تغيير سلوكه وبناء عليه مارس اشكال غير مسبوقه من الضغوط الاقتصادية والسياسية وحتى الأمنية ، فيما عرف باستراتيجية الضغوط القصوى، استطاعت إيران تجاوزها دون ادنى شك لديها بأن نجاح سياسية ترامب حيالها لن يقف عند حدود تغيير السلوك إنما الهدف هو تغيير النظام بالكامل ، وان اهتمام ترامب بملف البرنامج الصاروخي الإيراني وإصراره على ضمه الى اتفاقية العمل الشاملة المشتركة الدولية كشرط للتفاوض ليس سوى استجابة منه لطلب إسرائيلي من أجل  نسف الاتفاق الدولي .


الأمر الآخر الفريد في سياسية دونالد ترامب المختلفة تجاه إيران هو تخليه عن القفازات التي لبسها من سبقوه من خلال تركيزهم على قضايا حيال إيران تتمثل في مطالبات حول الحريات وحقوق الانسان وحقوق المراة وقضايا اجتماعية وثقافية تمثل تدخلا ناعما وخطرا في عمق المجتمع الإيراني في سعي لقلب نظام الحكم عبر دينامية اجتماعية مترافقه مع تشجيع سياسي دولي يراهن على تطورات واضطرابات داخلية ، في حين ان ترامب لم يبد اهتماما لهذا السياسات الامريكية السابقة التي تصفها اإران عادة بالنفاق الامريكي على اعتبار ان الولايات المتحدة ترعى وتحمي اعتى الانظمة الديكتاتورية القمعية في المنطقة ، وبدلا من ذلك حصر ترامب تحركة ضد إيران بملفات سياسية وعسكرية تمثلت في” البرنامج النووي والصواريخ الاستراتيجية والدور الاقليمي لإيران في المنطقة” .

لكن السؤوال الأهم الآن هل ترغب إيران فعلا بالتخلص من دونالد ترامب في الانتخابات الأمريكية المقبلة وتفضل المرشح الديمقراطي جو بايدن ؟؟

قد يبدو الجواب على هذا السؤال بدهيا وان كررت إيران رسميا انها لا تفرق بين المرشحين ولا تهتم من سيكون ساكن البيت الابيض في الاربع سنوات المقبلة ، ومما لا شك فيه ان وفقا لكل ما ذكرناه سابقا من سياسات للرئيس الامريكي حيال إيران، فان طهران ترغب في ان ترى دونالد ترامب مهزوما في الانتخابات . وانها تفضل المرشح الديمقراطي جو بايدن على اعتبار ان هذا الاخير قد يواصل نهج الرئيس باراك اوباما في استراتجية احتواء إيران بدلا من الصدام معها . الا ان المعادلة ليست بهذه البساطة بالنسبة لصانع القرار في طهران . والمشهد بالنسبة لهم اعقد مما يبدو ظاهريا ويدفع للاستناج السابق بأن إيران ترى في رحيل دونالد ترامب رحيلا للاعباء واجواء التوتر والمصاعب .

وقد اتهمت الاستخبارات الامريكية في وقت سابق إيران بمحاولة التدخل في الانتخابات الامريكية وهو اتهام سخيف ومعيب بحق القطب العالمي الاقوى، واوحى ان ايران لا تنتظر هزيمة ترامب فقط بل تبذل جهدا لتحقيق ذلك . اما في الواقع فان ايران كانت تملك قدرة على التاثير في الانتخابات بشكل مختلف دون التدخل من خلال الحصول على قاعدة بيانات الناخبين او العمل السيبراني حسب الاتهمامات الموجهة لها ، وكان من الممكن لايران احراج الرئيس ترامب عبر تفعيل النشاط العسكري ضد القوات الامريكية في المنطقة وتنفيذ عمليات امنية وعسكرية قبيل الانتخابات ولكنها لم تفعل .

تعتمد رغبة ايران في رؤية من يكون الرئيس المقبل في البيت الابيض على عدة معطيات تملكها ، وان كانت هذه المعطيات كافية لتوضح لها طبيعة سياسية دونالد ترامب في السنوات الاربع المقبلة ، فان حساباتها قد تكون اعمق من معادلة بدهيه مباشرة تقول ان ايران تتمنى رؤية هزيمة ترامب .

وعلى اعتبار ان الاخير بنى سياسياته خلال الاربع سنوات الماضية على قاعدة الحصول على ولاية ثانية ومن اجل هذه الغاية رسم سياسية خارجية وداخلية محكومة بفرص النجاح في الانتخابات المقبلة ، ومن خلالها قدم هدايا ثمينة لاسرائيل وحاول الظهور بمظهر الرئيس القوي امام الخصوم والاصدقاء ، فان هذا بالتاكيد سوف ينتفي في الولاية الثانية ولن يكون هناك انتخابات يسعى ترامب للنجاح فيها .

يقول المبعوث الأمريكي الخاص لإيران إليوت أبرامز للجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ إن بلاده ترجح جلوس إلى طاولة التفاوض مع ايران بعد انتهاء الانتخابات الرئاسية المزمعة في الولايات المتحدة . من الممكن ان يسعى ترامب المهووس بالامجاد الشخصية الى محاولة دخول التاريخ في الولاية الثانية اذا ما نجح في الانتخابات واللجوء الى عقد صفقات كبرى مع الحلفاء والخصوم على حد سواء او الحروب الكبرى التي لن يدفع ثمنها في اي صندوق انتخاب .

ما لدى إيران من تقديرات حول المسار الذي سوف ينحو اليه الرئيس ترامب هو المعيار الإيراني في الرغبة او عدم الرغبة ببقائه في البيت الابيض فإيران لا تنظر الى وجوههم بل الى السياسيات التي يتبنونها .

 

 


كمال خلف