نصف حياة

 


السوريون اليوم يعيشون بنصف قلب بعدما دفنوا نصفه الآخر مع أحبائهم الذين افترستهم الحرب، ويعيشون بنصف كرامة بعدما أخذت الحرب السورية نصف الإحترام الذي كانوا يتمتعون به وكل المال الذي كانوا يملكونه، وبنصف عقل نعيش أيضا بعدما فقدنا نصف قوة التعليم ورجال العلم، ونعيش بنصف عدالة بسبب حاجة الشرطة والقضاة وعوزهم، وكل ماكان يجعل من الكائن إنسانا فقدنا نصفه بين طموحات المتحاربين وطوابير المتسولين للمعونات والخبز والغاز والمازوت..نعم لقد فقدنا نصف حياتنا فغدونا أنصاف أحياء، فما العمل لكي نستعيد حياتنا ؟
اليوم وبعد شهر من ذكرى حرب تشرين بات العديد من السوريين المنهزمين يريدون مصالحة العدو وبعضهم تحالف معه ضد أهله ففقد النصر القديم وهجه وصرنا إلى ماصارت عليه بني تغلب الذين قال فيهم الشاعر : (ألهى بني تغلب عن كل مكرمة قصيدة قالها عمرو بن كلثوم) ويقصد القصيدة التي مطلعها: "ألا هبي بصحنك فاصبحينا ولاتبقي خمور الأندرينا"، وينهيها بالقول: "إذا بلغ الفطام لنا صبي تخر له الجبابر ساجدينا".. فنحن منذ 47 عاما لم نحقق أي نصر آخر نعتد به، بما يعني أن الدولة الآن باتت بحاجة إلى نصر جديد، فإما نصرا عسكريا باهرا يسمح للسلطة بشرعنة استبدادها وبقائها على ماهي عليه لعقد آخر، وإما أن ننتصر على ذاتنا وننهي فسادنا وفقرنا وصراعنا على كرتونة المعونة، بعدما نتخلص من عصبياتنا السياسية والطائفية ممهدين لحياة ديمقراطية، على غرار ماحصل للأمم الأوروبية بعد الحرب العالمية، وسنتخلص بالتالي من عنجهية البلاغة العربية وقصيدة عمر بن كلثوم وديباجات الإنشاء والتعبير التي كتبناها عن نصر آبائنا المقدس على العدو الإسرائيلي الذي استكمل اليوم هيمنته على جامعة الدول العربية وأخذ فعليا مكان سورية فيها بعد سبعين عاما من صراخنا المبحوح: أمة عربية واحدة..

 

نبيل صالح