صفحة من التاريخ: محنة الشيخ علي عبدالرازق

د. سامح عسكر: بعدما ظهر كتاب "الإسلام وأصول الحكم" للشيخ المستنير علي عبدالرازق حدثت ضجة كبيرة في الأزهر بالخصوص لكون الشيخ هو من علماء الأزهر وقاضٍ في المحكمة الشرعية، وبناء عليه تقرر الآتي:

1-  انعقدت هيئة كبار العلماء بالأزهر لمحاكمة الشيخ على نظام "محاكم التفتيش" برئاسة شيخ الأزهر وقتها "محمد الجيزاوي" وعضوية 24 عالم أزهري حكموا جميعا بإدانة الشيخ وفصله من الأزهر وتبعا لذلك عزله من القضاء ومصادرة كتابه ومنع طباعته

2- تم تكليف مفتي الجمهورية للرد عليه الشيخ "محمد بخيت المطيعي" وبالفعل خرج كتاب المطيعي "حقيقة الإسلام وأصول الحكم" إضافة لردود أخرى من الشيخين "محمد الخضر حسين " بكتابه نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم" و محمد رشيد رضا بكتابه "الخلافة أو الإمامة العظمى"سائر هذه الكُتب جعلت الخلافة ركنا من أركان الدين

3- تم رفع شكوى أزهرية لمشيخة الإسلام باسطنبول يشتكون فيها من علي عبدالرازق، فأًصدر شيخ الإسلام التركي مصطفي صبري كتابا بعنوان " النكير علي منكري النعمة من الدين والخلافة والأمة " تم فيه تكفير معارضي الخلافة أيضا..

ولو تتذكروا ففي محاضرتي عن الأزهر قلت أنه مبعوث السلطنة العثمانية في مصر، فمنصب شيخ الأزهر عثماني بالأساس وبالتالي كل ما يتعلق بالأزهر من تهديد سوف يرفع شأنه لمسئول الخلافة العثمانية باعتبار ولايته المعنوية على المصريين..

4-  دعا الأزهر لمؤتمر جماهيري حاشد لعلماء الأمة للتحذير من خطورة الشيخ وأمثاله على الإسلام كما زعموا، فعقد مؤتمرا كبيرا سنة 1927 أمر بإصدار جمعية (الشبان المسلمين) التي من بين أهدافها عودة الخلافة الإسلامية، وبالفعل ظهرت الجمعية وفيها الشيخ حسن البنا الذي استلهم التجربة لينشئ الإخوان المسلمين بعد ذلك بعام واحد سنة 1928 تحت نفس الأهداف..

نفهم من ذلك أن الإخوان المسلمين استفادوا من ردة فعل الأزهر الشعبية والعلمية العنيفة على الشيخ علي عبدالرازق، فوجدوا الطريق مفتوحا للشعب وجلسات حسن البنا على القهاوي لم تشهد أي معارضات ومشاحنات فكرية ومذهبية، فالعاطفة الدينية كانت أسبق ، ونجح البنا في التهويل من خطر إلغاء الخلافة وانتشار فكر الشيخ عبدالرازق ومفكري العلمانية بالعموم..

الآن بعد مرور 96 عاما على محاكمة الشيخ الظالمة ، وبعد عشرات الكتب في الرد عليه ومئات الجماعات التي حاولت تطبيق الخلافة وفشلت..آن لنا رد الاعتبار للشيخ كما ردت الكنيسة اعتبار جاليليو وجرودانو برونو وندمت على محاكمتهم..

الشيخ عبدالرازق كان يبصر المستقبل ويفهم جوهر الدين الإسلامي أنه لم ينزل للحكم كمعتقد، وأن الدين فصّل كل شئ في القرآن إلا مسألتي الإمامة والخلافة، وهذه الحجة بالذات كانت وتظل من أقوى حججه، أنه لو كانت الخلافة ركنا إسلاميا لذكرها القرآن وحضّ عليها كالصلاة والزكاة..إلخ، لكن غيابها من القرآن لهو دليل على أنها مجرد سلطة بشرية تاجرت بالدين لقرون وحرست نفسها بجيوش من فقهاء البلاط والمنتفعين ليس إلا..