مصطفى عبدالرازق.. شيخ الأزهر المستنير والأب الروحي لنجيب محفوظ

مصطفى عبدالرازق.. شيخ الأزهر المستنير والأب الروحي لنجيب محفوظ

يمثل الشيخ مصطفى عبدالرازق، شيخ الجامع الأزهر الشريف في عشرينيات القرن الماضي، نموذجاً حضارياً لرجل الدين كما ينبغي أن يكون، فالشيخ كان من مجدِّدي الفلسفة الإسلامية في العصر الحديث، وهو صاحب أول تأريخ لها باللغة العربية.

أنطوان جالان.. فرنسي سحرته "ألف ليلة وليلة" فأهداها إلى العالمويُنظر إلى الشيخ مصطفى عبدالرازق من قبل المتخصصين، كمؤسس للمدرسة الفلسفية العربية التي أقامها على أسس إسلامية خالصة.

كما أن "عبدالرازق" هو الأب الروحي والراعي لمواهب فارقة في تاريخ الثقافة العربية، مثل أم كلثوم، التي كان أول من ساندها، أو نجيب محفوظ، الذي اختاره ليعمل سكرتيراً له بعد أن كان أستاذاً له في الجامعة، أو محمود مختار، صاحب تمثال نهضة مصر، الذي كان رفيقاً له وأول من ساند مشروعه الفني وتابعه بالكتابة والدعم.

ومؤخراً، نشرت الهيئة العامة لقصور الثقافة في مصر لأول مرة، الأعمال الكاملة للشيخ مصطفى عبدالرازق في 4 مجلدات، قدمها الدكتور عصمت نصار، أستاذ الفلسفة الإسلامية الذي سبق وأعد رسالة ماجستير عن الإمام الراحل.

ولا تختلف سيرة "عبدالرازق" عن أبناء جيله من مثقفي مصر عند نهاية القرن الـ19، إلا في تميز الأصول الطبقية، فقد ولد في المنيا بصعيد مصر، ابنا لأسرة من كبار أعيان الريف المصري هي عائلة عبدالرازق.


ووُلِدَ الشيخ مصطفى عبدالرازق سنة ١٨٨٥م في قرية "أبوجرج" التابعة لمركز "بني مزار" غير بعيد عن عزبة "الكيلو"، التي ولد فيها قبله بـ6 سنوات تنويري آخر هو طه حسين.

وبينما كان طه حسين ابناً لموظف صغير، كان الشيخ مصطفى ابنا لأحد كبار الملاك، فقد كان والده حسن عبدالرازق ضمن أعضاء أول مجلس نواب عرفته مصر، ومن مؤسسي جريدة "الجريدة"، و"حزب الأمة"، الذي أسسه المفكر الليبرالي أحمد لطفي السيد.

ويزعم بعض المؤرخين أن والده حسن عبدالرازق تلقى عرضاً بحكم مصر عقب خلع الخديو عباس حلمي الثاني، إلا أنه رفض أن يحكم تحت سلطة الاحتلال البريطاني لمصر. 

ووسط المناخ الذي أوجده الأب المشبع بالقيم المستنيرة، قضى مصطفى طفولته في القرية، وتعلم مبادئ القراءة والكتابة وحفظ القرآن الكريم.

ثم انتقل وهو في الـ10 من عمره إلى القاهرة، والتحق بالأزهر، ونال إجازة في العلوم الشرعية واللغوية، فدرس الفقه الشافعي، وعلوم البلاغة والمنطق والأدب والعَروض والنحو وغيرها.

وبدأ يتردد منذ سنة ١٩٠٣م على دروس الإمام محمد عبده، وظل يقدم نفسه كأحد تلاميذه، متأثراً به وبمنهجه وأفكاره الإصلاحية.

وسافر الشيخ مصطفى عبدالرازق في سنة ١٩١١ إلى باريس لاستكمال دراسته العليا، وبدأ نشر مقالاته من هناك في مجلة "السفور"، التي تبنت الخط الليبرالي وتدعو إلى تحديث الفكر العربي والوقوف على الثقافة الغربية ومعرفة ينابيعها.

وعبر مقالاته قاوم التعصب الفكري، ونبه إلى ضرورة الإصلاح الديني، وتحديث مناهج الأزهر الشريف، وكانت فكرة الجمع بين حركة المجتمع والدين هي جوهر مشروعه بعد ذلك.

ولا تكاد انحيازاته تغاير النهج الذي اختاره مع مجموعة من مفكري هذا الزمان، أمثال: أحمد أمين، وطه حسين، وعباس العقاد، ومحمد حسين هيكل، الذين أبدوا حرصاً على معرفة التراث العربي والإسلامي، إلى جانب السعي لتطوير هذا التراث، وتبني نهج عقلاني في عرضه ونقده لمواجهة تيار آخر تحصن تحت راية الأصالة الإسلامية.

وبفضل الصالون الذي كانت ترعاه عائلة "عبدالرازق" في بيت مجاور لقصر عابدين بالقاهرة، تشكلت نواة هذا التيار الإصلاحي على النهج الغربي في الثقافة العربية، وكان طه حسين ومحمد حسين هيكل من أبرز ممثليه.

درس الشيخ مصطفى عبدالرازق بجامعة السوربون، وترجم إلى الفرنسية "رسالة التوحيد" للإمام محمد عبده، وكتب كتاباً في أدب الرحلات حول رحلته إلى باريس، كأنه آثر أن يكرر تجربة أزهري آخر، هو رفاعة الطهطاوي، سيرا على خطاه.

وحضر الشيخ مصطفى عبدالرازق دروس الفلسفة، ودرس الاجتماع على يد الفرنسي دوركايم، ثم انتقل إلى جامعة ليون، ليدرس أصول الشريعة الإسلامية على يد أستاذه إدوارد لامبير.

ونال الشيخ "مصطفى" درجة الدكتوراه، وبعد قيام الحرب العالمية الأولى عاد إلى مصر عام ١٩١٤، ثُم عُين موظفاً في المجلس الأعلى للأزهر، ومفتشاً بالمحاكم الشرعية، ثم مدرساً للفلسفة ﺑالجامعة المصرية، ثم وزيراً للأوقاف مرتين، ثم عين شيخاً للأزهر خلفاً للشيخ المراغي عام ١٩٤٥.

ورغم عدد المناصب التي شغلها، فإن صلته بالعلم لم تنقطع، سواء عبر اهتمامه بالتراث الأدبي والفلسفي والتعريف به، أو من خلال إصراره على الكتابة والتدريس بالجامعة.

وفي كتاب "نجيب محفوظ حياته وأدبه"، يروي نجيب محفوظ للناقد رجاء النقاش الكثير من التفاصيل التي تؤكد تعلقه بالشيخ مصطفى عبدالرازق، واعتباره المثل الأعلى له خلال فترة تكوينه، وبفضل هذا التعلق اختاره الشيخ مصطفى عبدالرازق سكرتيراً له خلال توليه وزارة الأوقاف.

وفي حواراته مع رجاء النقاش، في كتاب "صفحات من مذكرات نجيب محفوظ"، يرى "محفوظ" أن علاقته بالشيخ مصطفى عبدالرازق تحتاج إلى وقفة، فالرجل لم يكن أستاذه في الفلسفة فقط، بل كان أستاذاً له في النبل الإنساني، وبتعبيره "كان يتميز بسعة الصدر، ولم يره في مرة واحدة محتداً أو منفعلاً، وكل توتر الدنيا وضيقها إذا ما أتى إليه يسقط في لحظة، وكان محباً للخير".

ومن اللافت كذلك أن الشيخ مصطفى كان من أوائل الذين اهتموا بموهبة أم كلثوم، حين جاءت إلى القاهرة مع أسرتها، وطلب من إحدى بناته أن تتولى تعليمها مبادئ اللغة الفرنسية وبعض التقاليد الأرستقراطية التي كانت تجهلها، وساعدتها هذه العلاقة الأبوية على أن تقفز بصلاتها الاجتماعية خطوة مهمة في سبيل تأكيد حضورها في مصر.

وفي كتاب "من آثار الشيخ مصطفى عبدالرازق"، نعثر عن نص لمقال آخر أفاض فيه الشيخ مصطفى عبدالرازق في تمجيد صوت أم كلثوم، نُشر في مجلة "السياسة الأسبوعية" في 18 ديسمبر/كانون الأول 1925، ووصفها بـ"أميرة الغناء في وادي النيل". 

وقال عنها: "فتاة معتدلة القوام لا يشتكي منها قصر ولا طول، ولا يشتكي منها غلظ فيها ولا نحول، تنظر بعينين فيهما شباب وذكاء، وفيهما نزعة الدعابة ودلال الحسناء، في وجه ليست تفاصيله كلها جميلة، لكن لجملته روعة الجمال. أم كلثوم نعمة من نعم الدنيا".

وترك الشيخ مصطفى عبدالرازق عددا من المؤلفات، فكتب دراسة صغيرة أدبية عن الشاعر المعروف البهاء زهير، وأصدر كتابه "تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية"، وهو أشهر كتبه وأهمها، ومنها أيضاً: كتاب "فيلسوف العرب والمعلم الثاني"، و"الإمام الشافعي"، و"الشيخ محمد عبده".

هذا إضافة إلى مجموعة مقالات جمعها أخوه الشيخ علي عبدالرازق في كتاب بعنوان: "من آثار مصطفى عبد الرازق"، وقد وافته المنية عام ١٩٤٧م. 

وتمكن الإمام الراحل خلال مسيرته من تكوين تيار كامل من التلاميذ الذين وجههم لدراسة التراث الفلسفي العربي، ودعاهم للعمل على مخطوطات لم تكن معروفة، ومنها رسائل الكندي الفلسفية التي وجه لدراستها الدكتور محمد عبدالهادي أبوريدة.  

ويحسب له عبر مسيرته أيضاً تأكيده أن "التوحيد والتصوف" بابان من أبواب الحياة العقلية في الإسلام، كما يقول عنه الدكتور إبراهيم بيومي مدكور، في الكتاب التذكاري الذي أعده المجلس الأعلى للثقافة عام 1982.

وهو أيضاً أول من نبّه إلى قوة الصلة بين العلوم الفلسفية وعلم التصوف وعلم الكلام، وعلى هذا الأساس أنشا في الدراسات الجامعية مادة للدراسة سميت بالفلسفة الإسلامية ولا تزال تدرس إلى اليوم.