إلى أين تتجه الأمور في سورية؟

15-09-2023

إلى أين تتجه الأمور في سورية؟

جانبلات شكاي*

على وقع استمرار "غليان" بعض الساحات في الجغرافيا السورية، جنوباً وشرقاً حيث النفوذ الأميركي، وفي الشمال الغربي حيث النفوذ التركي، أجرى المبعوث الأممي إلى سورية غير بيدرسون محادثات في دمشق بهدف التوافق على تحديد موعد لإطلاق جولة جديدة من العاصمة العمانية مسقط، لاجتماعات اللجنة الدستورية المعلقة منذ أكثر من 15 شهراً حين استضافت جنيف السويسرية الجولة الثامنة في أيار العام الماضي.

واللجنة الدستورية اتخِذ قرار تشكيلها، ضمن مخرجات مؤتمر الحوار السوري الذي انعقد بمدينة سوتشي الروسية نهاية كانون الثاني 2018، وبرعاية الدول الضامنة، تركيا وروسيا وإيران، لكن تشكيل اللجنة احتاج إلى عام ونصف العام من المشاورات حيث تم الاعلان عنها في 23 أيلول 2019 ضمن جهود لإنهاء الأزمة السورية الممتدة منذ 2011.

ومنذ جولتها الأولى في الرابع من تشرين الثاني عام 2019، وحتى الجولة الثامنة في أيار 2022، لم تشهد اجتماعات هذه اللجنة خرقاً يذكر على مستوى المحادثات بين الكتل المشاركة في النقاشات، ثم أدى اندلاع المعارك في أوكرانيا واصطفاف سويسرا إلى جانب المعسكر الغربي المعادي لروسيا الاتحادية، إلى رفض الأخيرة استمرار عقد اجتماعات اللجنة الدستورية في جنيف وتعليق الجولة التاسعة التي كانت مقررة في 25 تموز 2022، بحجة أن الأخيرة "تخلت عمليا عن حيادها التقليدي واتخذت موقفا مناهضاً لروسيا في سياق الأزمة الأوكرانية، ما أدى إلى صعوبات بشأن ضمان وصول المسؤولين الروس، إلى جنيف وحضورهم اجتماعات اللجنة"، ما أدى بدوره إلى رفض الوفد الحكومي السوري السفر إلى سويسرا.

مرحلة الجمود التي ميزت مسار الحل السياسي، بدأت تنتهي مع عودة سورية إلى جامعة الدول العربية ومشاركة الرئيس بشار الأسد في القمة التي استضافتها جدة السعودية في 19 من أيار الماضي، والاجتماعات الوزارية العربية الخاصة التي سبقت تلك القمة ووضعت خارطة طريق عربية لإنهاء الأزمة السورية وفق رؤية "خطوة مقابل خطوة"، وهذه المقدمات أثمرت عن توافق الدول الراعية لـ"مسار أستانا" روسيا وإيران وتركيا، على الاتفاق في 21 من حزيران الماضي على إعادة اطلاق اجتماعات اللجنة الدستورية قبل نهاية العام الجاري، وبدت مسقط المدينة الأكثر قبولاً لاستضافة هذه الاجتماعات لدور السلطنة التوفيقي في الكثير من الملفات الحساسة في المنطقة.

وبيدرسون الذي وصل أمس السبت إلى دمشق، إلتقى عدداً من السفراء العرب أولاً، واليوم عقد اجتماعاً مع وزير الخارجية والمغتربين فيصل المقداد، وفي تصريحاته، أعرب عن أمله في التوصل إلى اتفاق لمساعدة الشعب السوري داخل وخارج سورية، وكشف أنه سيلتقي مع وزراء خارجية إيران وروسيا وتركيا لاحقاً، وأيضاً بعدد من الوزراء العرب في نيويورك، وقال: "طلبت من الحكومة السورية أن تنخرط في تطبيق مبدأ الخطوة مقابل خطوة واللجنة الدستورية"، موضحاً أنه "يتابع هذه المواضيع ويجري محادثات بشأنها مع العرب والأصدقاء".

يبدو واضحاً أن إعادة إطلاق اجتماعات اللجنة الدستورية مازال يحتاج إلى مزيد من المباحثات مع دمشق والجهات الفاعلة في الملف السوري، وخصوصا أن المعلومات المسربة من زيارة بيدرسون إلى العاصمة السورية وفق ما نشرته صحيفة "الوطن" الخاصة اليوم، تتحدث عن أن لقاءات المبعوث الدولي مع عدد من السفراء العرب بدمشق ركزت على المبادرة التي أطلقتها مجموعة الاتصال العربية في ما يخص استئناف عقد اجتماعات اللجنة الدستورية في سلطنة عمان، وزيارة بيدرسون إلى دمشق هدفها "استشراف الآفاق الممكنة لانعقاد تاسع جولات الدستورية قريباً، على اعتبار أن المبادرة العربية قد تكون قادرة على تنشيط الحل السياسي"، وأن المبعوث الدولي يحمل اقتراحاً بأن "تكون هناك عدة جولات في مسقط، وأن تكون هذه الجولات مثمرة".

المساعي لوضع نهاية للأزمة السورية، أو إدارة المحادثات الخاصة بهذه الأزمة، ومنذ بداياتها، عادة ما تسير وفق منهجين، جانب منها يتعلق بمحادثات ضمن قاعات اجتماعات أو غرف مغلقة، وفي الجانب الآخر يتحول النقاش إما لمواجهات وتظاهرات وتظاهرات مضادة، أو لعمليات عسكرية ومعارك تشارك فيها جيوشاً وفصائل وميليشيات محلية وإقليمية ودولية حتى، وغالبا ما تشتعل الجبهات وترتفع حرارتها مع أو قبيل كل جلسة نقاشات أو اجتماعات تبحث مستقبل الحل السياسي للأزمة.

وما تشهده الساحة السورية هذه الأيام لا يخرج عن السياقات السابقة، فالاجتماع بين الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين والتركي رجب طيب أردوغان في سوتشي الإثنين الماضي، وكانت الأزمة السورية واحدة من أهم بنود جدول أعماله، سبقه تصعيد ميداني كبير على الجبهات الشمالية الغربية وتحديداً من تنظيم "هيئة تحرير الشام" واجهة "جبهة النصرة"، وحلفائه من الفصائل القاعدية، للحيلولة دون تحقيق أي خرق خلال الاجتماع فيما يتعلق وعملية تطبيع العلاقات التركية السورية بالوساطة الروسية، والذي تشترط دمشق لانجازه الانسحاب التركي من الأراضي السورية، وإن كان ذلك عبر جدول زمني متفق عليه ولكن لابد من إعلانه والإقرار به.

كما أن زيادة الحديث عن إعادة إطلاق العملية السياسية عبر استئناف اجتماعات اللجنة الدستورية، سبقه تصعيد عسكري في شرق سورية، حيث النفوذ الأميركي، وذلك عبر ارتفاع حدة التوتر بين فصائل كانت تنضوي أساساً تحت لواء ميليشيات "قوات سورية الديمقراطية – قسد"، لتتحول لاحقا إلى معارك طاحنة بين "قوات العشائر العربية" وميليشات "قسد" التي تُعتبر "وحدات حماية الشعب" الكردية القوة الرئيسية والمهيمنة فيها، وإن تراجعت حدّة المعارك في ريف دير الزور الشرقي بعد وساطة أميركية، إلا أن أبرز قياداتها من العشائر العربية، وهو شيخ عشيرة العكيدات إبراهيم الهفل أكد في بيان مسجل تم بثه عبر وسائل التواصل الاجتماعي "استمرار المعارك ضد "قسد" حتى تتمكن العشائر من إدارة مناطقها"، ما يمثل ذلك ضربة إلى تجربة "الإدارة الذاتية" التي كان يهمن عليها حزب "الاتحاد الديمقراطي" الكردي، بحيث يتطور الأمر لتصبح هناك ربما إدارتين ذاتيتين، الأولى تتخذ من الحسكة مركزاً رئيساً لها وتسيطر عليها عسكريا ميليشات "قسد"، بينما تتخذ الثانية من ريف دير الزور الشرقي مقراً لها وتسيطر عليها عسكريا "العشائر العربية"، وبذلك سوف تتعقد الأمور أكثر مما هي معقدة أساساً أمام واشنطن، حيث ستضطر الولايات المتحدة للتعامل مع قوتين متنافستين على الأرض، كل منهما لديها علاقات وقنوات اتصال مع دمشق التي تضغط وتطالب بالانسحاب الأميركي، بل والتعامل مع قوتين لديها أيضا قنوات اتصال مع إيران وروسيا الساعيتين أيضا لإنهاء النفوذ الأميركي في شرق سورية.

الوضع غير المستقر في شمال غرب سورية، وكذلك في شرق وشمال شرق البلاد، يترافق أيضاً مع عدم استقرار فجّره الحراك والتظاهرات التي تشهدها مدينة السويداء لليوم الثاني والعشرين على التوالي وترفع شعارات التغيير السياسي استنادا إلى القرار 2254.

وإن تعاملت السلطات السورية بكثير من ضبط النفس ومحاولة عدم التصعيد والتدخل، رغم كم الشعارات الاستفزازية التي رفعها وطالب بها المتظاهرون، إلا أن الأمور لا يبدو أنها تسير نحو التهدئة، على الرغم من تراجع زخم المشاركين وعدم زيادة اعدادهم بعد كل هذه الفترة، ما يؤشر إلا عدم وجود حاضنة اجتماعية واسعة تقف خلف المتظاهرين، لكن الخطر ربما يأتي من المحافظة المجاورة درعا، حيث يتم هناك التعبير عن رفض سياسات الحكومة بالعمل العسكري والمواجهات المسلحة.

لا شيء هذه الأيام يدعو للتفاؤل في سورية، فالتطبيع العربي لم يؤتِ أكُله بعد، ومن غير المتوقع أن ينعكس خيراً على الاقتصاد المتهالك والمأزوم خلال فترة قريبة.

والتطبيع مع تركيا دخل بدوره إلى ثلاجة البراغماتية الأردوغانية، ومساعي الحلفاء الإيرانيين والروس يبدو أنها لم تستطع تحقيق أي اختراق على هذا المستوى حتى الآن.

وجهود إعادة اطلاق المسار السياسي، مازالت بدورها مرتهنة بمصالح كل الدول المتدخلة بالشأن السوري أكثر منه بمصالح السوريين ذاتهم، من أميركا ومن خلفها الغرب عموماً، وروسيا وإيران والصين وتركيا وإسرائيل دون أن ننسى الدول العربية الفاعلة.

ربما هناك بعض من الأمل يظهر في خطوات إصلاحية غير مكتملة وتهدف أساساً لمحاربة الفساد المستشري في كل مفاصل الدولة، ومنها المباشرة بحلحلة أزمة جوازات السفر ولكن ليس بالمستوى المرجو، وأيضا المباشرة بإزالة الحواجز العسكرية وتحديداً منها الخاصة بالفرقة الرابعة، من الطرق الرئيسية الرابطة بين المدن السورية، مع مطالب بأن ينسحب الأمر لتقليل الحواجز ذات الصفة الأمنية التي استثنيت من القرار، لأنها هي أيضاً تتحمل جانباً من مسؤولية إعاقة انسياب البضائع والمنتجات على مختلف أنواعها.

ولا يمكن عند الحديث عن الخطوات الإصلاحية التي ظهرت خلال ثلاثة أسابيع، إلا الإشادة بمرسوم إنهاء العمل بالمحاكم الميدانية العسكرية وإحالة القضايا التي كانت تنظر فيها إلى القضاء العسكري، وهو إجراء وإن حمل خلفيات سياسية وإصلاحية، إلا أنه أيضاً وضع نهاية لعمليات فساد وابتزاز كانت تمارس باسم هذه المحاكم.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* صحفي ومحلل سياسي سوري

 موقع رصد للدراسات / لندن

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...