رهانات تركيا الكبيرة في شمال غرب سورية

الكاتب: تشارلز لستر (Charles Lister)- ترجمة: لينا جبور


بدأ أخيراً وقفُ إطلاق النار، بعد أسابيع من الصِّراعِ العنيفِ في محافظة إدلب شمال غرب سورية. يبدو أن الضَّامنَين –تركيا وروسيا– مازالا مصممين على التمسّك به في الوقت الحالي على الأقل، رغم استمرار الانتهاكات. وهذا يوفر للمجتمع الدوليّ فرصة نادرة للتدخل بطريقة مجدية، لتعزيز موقف تركيا دبلوماسياً، والمساعدة في الحفاظ على ما يشبه الاستقرار في إدلب. إذا ظلّ الوضع الراهن على حاله، فإن استئناف الأعمال العدائية أمر لا مفرّ منه، وكما هو الحال مع جميع الأشياء في سورية، لن تقتصر التكاليف على الجوار المباشر فقط.

من منظور تركيا

تنظر تركيا بعين الأهمية لقضية إدلب، نظراً لقربها منها. لكن يُعَدُّ مصيرُ إدلب ذا قيمة وجودية بالنسبة إلى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وحزب العدالة والتنمية. شرّدت الأعمالُ القتالية في المنطقة بين 1 كانون الأول/ديسمبر 2019 وأوائل آذار/مارس 2020 نحو مليون مدني، اضطروا إلى الفرار نحو الحدود التركية، حيث تقيم أعداد كبيرة بالفعل هناك في مخيمات مكتظة بالسكان أصلاً.تقلص حجم الأراضي التي تسيطر عليها المجموعات المسلحة بنسبة 35 % على مدار 10 أشهر من القتال الذي بدأ في نيسان/أبريل 2019، ورغم تسريع وتعزيز إمدادات الأسلحة من تركيا، كانت دفاعات هذه المجموعات والقوى العاملة تنهار. أنشأ الجيش التركي مواقع متعددة ضمن إدلب "لضمان" الاستقرار هناك بموجب شروط اتفاقية استمرت 18 شهراً بين تركيا وروسيا. ولكن تم تجاوزها مع تقدم الجيش السوريّ واحدةً تلو الأخرى.

قد يؤدي احتمال هجوم الجيش السوريّ على إدلب إلى تحفيز سلسلة من التطورات التي يمكن أن تقتل آمال أردوغان في إعادة انتخابه عندما تذهب تركيا إلى صناديق الاقتراع. يأتيه التهديد الأكبر والأهم من إمكانية عبور أعداد كبيرة من السوريين إلى تركيا، إضافةً إلى الأعداد الكبيرة الموجودة بالفعل على الأراضي التركية. أصبحت السياسة الداخلية التركية معادية تماماً بسبب الضغوط الاقتصادية الناتجة عن مجتمعات اللاجئين الكبيرة، لذا فإن التضخم الكبير لهذه الأرقام سيشلّ موقف أردوغان. قامت تركيا في عام 2019 على نطاق واسع بترحيل اللاجئين السوريين غير المسجلين قسراً، وبعد أشهر قامت قواتها العسكريّة بتوغّلٍ كبيرٍ في شمال شرق سورية لإضعاف ميليشيات "قوات سوريا الديمقراطية" بقيادة الأكراد وتوسيع السيطرة التركية على المناطق الشمالية من سورية، لترحيل اللاجئين في داخل تركيا إليها ذات يوم.

ويُبرز هذا تهديداً آخرَ: يشكل انتصار الجيش السوريّ في إدلب ضربة كارثية لصدقيّة الجيش التركي يمكن أن تؤدي إلى تراجع سيطرة تركيا على مساحات واسعة من شمال سورية أو جعل هذه السيطرة غير مستدامة. وقد تدخّلت تركيا عسكريّاً ثلاث مرّات في شمال سورية بين آب/أغسطس 2016 وتشرين الأول/أكتوبر 2019 (عمليات درع الفرات، غصن الزيتون وربيع السلام)، وتعزى أسبابها إلى التهديد المتصور الذي يشكله حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي وقيادته للحزب المدعوم من أمريكا "قوات سوريا الديمقراطية". إذا أُجبرت تركيا على الانسحاب من المناطق الحدودية في شمال سورية، فإن حزب الاتحاد الديمقراطي سيستفيد، سواء بشكلٍ مباشر أو غير مباشر، وبالتالي، ستضيع ثلاث سنوات ونصف من الجهود العسكرية لإبعاد هذا التهديد من وجهة نظر تركيا.

كانت تركيا على دراية جيدة بأنَّ الأزمة هناك بعيدة عن أن تكون أزمة محلية نظراً لمشاركتها الحدود الشمالية لسورية وتأديتها دوراً مركزياً في تشكيل الديناميكيات داخل إدلب. يعكس النطاق غير المسبوق للأزمة الإنسانية جانباً واحداً من كيف عمقت التطورات في إدلب تداعياتها الدولية. لم تكن سورية أبداً مشكلة محلية أو إقليمية، وكصورة مصغرة للصراع الأوسع، لم تكن إدلب كذلك. لسوء الحظ، رفض بقية العالم الاعتراف بذلك.

تدخل تركي قوي

نظراً إلى المخاطر المتعلّقة بتركيا وتحديداً لأردوغان، وعدم اكتراث المجتمع الدولي، بدأ الجيش التركي تدخله الرابع في أقل من أربع سنوات. في 1آذار/مارس، بدأت عملية درع الربيع، قامت تركيا بتكثيف حملة الدرونات (الطائرات المسيرة) المكثفة ونشرتها واستهدفت القواعد الجوية السورية والمنشآت العسكرية والدبابات والأسلحة الثقيلة وقوافل التعزيزات التي أرسلتها دمشق بسرعة إلى الخطوط الأمامية الرئيسة. وساعدت أنظمة المدفعيّة التركية قصيرة وطويلة المدى داخل إدلب عمليات القصف مع توفير الدعم الناري لمناورات المجموعات المسلحة التي تدعمها. تم تنشيط أنظمة الحرب الإلكترونية التركية المتطورة، مثل KORAL، في محاولة ناجحة على ما يبدو للتشويش على أنظمة الدفاع الجوي الروسية المتطورة، مثل Pantsir-S1 وBuk، وتم ضرب العديد منها بدقة.

كانت تلك المرّة الأولى على مدار سنوات الحرب السورية التسع التي تقوم دولة فاعلة أجنبية بالتدخل عسكرياً وتوجيه ضربة خطيرة للقدرات العسكرية للجيش السوري. بدأ "النظام" في نشر رجال الشرطة والمجندين بشكل واضح في الخطوط الأمامية، ليحلّوا محلّ أولئك الذين فُقدوا في الضربات التركية، لتقوم إيران بإرسال دعمها للجيش السوري كرد بالقدْرِ نفسهِ على الهجوم التركيّ.

صياغة وقف إطلاق النار

لم يكن مفاجئاً أن يعكس الرئيس الروسيّ فلاديمير بوتين رفضه السابق لأردوغان، ووافق على الاجتماع في موسكو في 5 آذار/مارس. أعلنت "قمة موسكو" وقف إطلاق النار وتشكيل "ممر آمن" على بعد 6 كيلومترات شمالاً وإلى الجنوب من الطريق السريع M4، الذي يمتد من الغرب إلى الشرق عبر وسط إدلب. وأعلنت القمة أن القوات الروسية والتركية ستبدأ قريباً "دوريات مشتركة" على طول الطريق السريع M4 عبر الممر. كان من الممكن توقع وقف إطلاق النار نظراً لشدة الأعمال العدائية والخسائر والأهمية الجيوسياسية للعلاقات الثنائية بين تركيا وروسيا. لكن شَكّل "الممر الآمن" مفاجأة.

كانت موافقة تركيا على إنشاء الممر بالنسبة للكثيرين في ذلك الوقت، مُحيّرة، وربما تدل على استعدادها لرؤية "المعارضة" –وتبعا لذلك  تركيا– تتنازل في النهاية عن مساحة كبيرة من الأراضي ذات القيمة الاستراتيجية على طول الطريق إلىM4 .هذا، ونظراً إلى حجم التدخُّل التركي في الأسبوع السابق، والتأثير الكبير الذي أحدثته في ديناميكيات ساحة المعركة، كان من المفترض أن تلعب أنقرة دوراً أقوى على الطاولة.

ومع ذلك، ما يزال الشكل والتنفيذ والجدول الزمني وظروف التشغيل داخل الممر غامضاً، لقد نص الاتفاق على إنشائه بالفعل في موسكو فقط دون ورود تفاصيل. من الممكن أن يظل الممر اتفاقاً نظرياً في تخفيف التصعيد التركي الروسي، وسيتآكل تدريجياً عند انتهاء وقف إطلاق النار.

فاجأ وزير الخارجية التركي مولود تشاووش أوغلو في تعليقات متلفزة في 10 آذار/مارس، الكثيرين عندما اقترح أن تكون جميع الأراضي التي تسيطر عليها الفصائل المعارضة جنوب M4 من الآن فصاعداً تحت السيطرة الروسية. وهذا من شأنه أن يمثل تنازلاً استثنائياً من قِبَلِ تركيا، ما يجبر وكلاءها على التخلي عن سيطرتهم على مناطق مهمة مثل جبل الزاوية، سهل الغاب، جبل الأربعين، وربما جبل الأكراد. ومع ذلك، قد تُقدم دراسة الإجراءات التي اتخذتها تركيا في إدلب في الأسابيع الأخيرة تفسيراً لقرارها.. كانت تقع غالبية عمليات النشر العسكرية الأخيرة لتركيا في مواقع تم إنشاؤها حديثاً على طول M4 حتى قبل بدء عملية درع الربيع، الذي تعده تركيا بوضوح خطّاً أحمرَ تركيّاً لن تسمح للجيش السوري بتجاوزه: «لا تذهب أبعد من M4 ».

وهذا من شأنه أن يفتح ما قد يكون، في النهاية، الخيار الأقل سوءاً المتاح لأزمة إدلب: "سيناريو غزة" حيث تظل المنطقة الممتدة من M4 إلى الحدود التركية (نحو 35 كيلومتراً في أطولها) تحت حكم الفصائل المسلحة المدعومة من تركيا. وسيُسند الدور الذي تلعبه حماس في هذه الحالة إلى أحد أعضاء القاعدة السابقين في "هيئة تحرير الشام". ومع ذلك، لجعل مثل هذا الوضع أكثر قابلية للتطبيق، من المرجح أن تقوم تركيا بتخفيض هيمنة "هيئة تحرير الشام" قسرياً إلى شكل من أشكال ترتيب تقاسم السلطة مع المزيد من الجهات "المعارضة" الرئيسة. لكن في الواقع، لا يبدو هذا السيناريو مشوقاً بشكل خاص أو، في الديناميكيات الحالية واقعياً، نظراً لاحتمال تجدد الأعمال العدائية.

منطق تركيا الأساس

يبدو أنَّ تركيا كانت تعمل فقط لإبطاء أو إيقاف تقدّم الجيش السوريّ عندما تدخلت بقوة في 1 آذار/مارس، وإجبار الروس على الجلوس والتفاوض على ترتيب يمكن أن يحافظ على كل مصالح الأمن القومي لتركيا إلى حدٍّ كبير، مع تجنب انهيار العلاقات مع موسكو. وبذلك، ستكون تركيا أبعد ما تكون عن الأولى [روسيا] في معالجة الأزمات في سورية ذات التداعيات العالمية، انطلاقاً من منظور المصلحة الذاتية البحتة قصيرة المدى. أما من منطلق القوة والمصلحة، أبدت تركيا استعداداً للتخلي عن أراضٍ مهمة تسيطر عليها فصائل المعارضة. ونظراً لانحيازها لدمشق والعداء الإيديولوجي لمفهوم إدلب الذي تسيطر عليه المجموعات المسلحة، فإنَّ هذا الوضع يمنح روسيا ذريعة لإعادة التصعيد في نهاية المطاف.

هذا هو المكان الذي يمكن أن يبدأ فيه المجتمع الدولي في إحداث تأثير –لتجنب العواقب الوخيمة فعلياً التي تنتظرنا في المستقبل. بالنسبة للمبتدئين، يمكن للولايات المتحدة وأوروبا أن توضحا بشكل جماعي أنه ستكون هناك عواقب إذا سُمح لوقف إطلاق النار الحالي بالانهيار؛ هذا، إلى أنَّ العقوبات القاسية ستستهدف (للمرة الأولى) روسيا، إذا سمحت بذلك، كما أنَّ الخيارات العسكرية تبقى على الطاولة للمساعدة في فرض الوضع الراهن.

 

 


الجمل بالتعاون مع مركز دمشق للدراسات