أولاد الشوارع على الهامش بلا لعب وبلا دفاتر إملاء

02-05-2007

أولاد الشوارع على الهامش بلا لعب وبلا دفاتر إملاء

الجمل ـ حمص ـ يامن حسين:على هامش الحياة ,والمدينة ,والصحافة ,والشعر ,والسياسة ,والوجع على هامش الهامش وجِدوا.كتل لحم صغيرة باردة بوجوه متسخة شاحبة, وأجساد ضئيلة , تغطيها قطع القماش مهترئة  لمقاومة برد موحش بدفء قليل  ...
ليس هذا المشهد من إفريقيا ,أو الهند ,ولا من خيالات محبط عابث هذا مشهد سوري وللتحديد حمصي.
أطفالٌ رفضتهم الحياة, وأصبحت روتيناً قاسياً ,فاستلقوا على هامشها لايغير وجودهم شيئاً ,ولا مرضهم ,أو موتهم يشكل فارقاً لها.
ينهضون باكراً لايغسلون وجوههم بماء ,ولايغيرون ثياب النوم . يحتسون شايَهم ,وقطع الخبز وواللبنة يمضغون ماتبقى من عشاء البارحة ,ويمضون في سعيهم العبثي للبحث عن فسحة ضوء تعيد الأمل .
مجرد أطفال كبروا بثوانيٍ دون أن يعلموا, ودون رغبةٍ منهم , فلقد تجشئهم عالم كريه عالم لايرحم ,وألقاهم في جوف السوق, وتجارته, ودعارته. صناديق البويا تثقل عظام رقباهم النحيلة ,وتترك على الجلد الرقيق توقيعها بأن الجوع كافر, وألهة الجوع لاترحم. تغري البعض منهم أشعة الشمس المتسللة من بين أغصان الشجر العالي في ساحة الساعة الجديدة في حمص فيتمدد على المقاعد متشبثاً بصندوق البويا كأنهم لايودون خلاصهم منه.
 ينظرون إلى المارة كي يقتنصوهم ,ويلمعون أحذيتهم مقابل خمس ,وعشرين ليرة. يهرولون ورائهم مترجين إياهم أن "دعونا نلمع أحذيتكم" ,ومن لايقبل سيلقى شتائمهم البذيئة .نعم ,و لم لا؟!! , لم لايشتمون ؟!! وهم من شتمهم عهر هذه الأرض, وقوّس ظهورهم قبل أن يشيخوا .لفظتهم مدارس المدينة فاحتضنتهم مدرسة الحياة, وعلمتهم الكلام البذيء منذ نعومة الأظافر التي اتسخت, وتجمع السواد تحتها.
 من الحديقة التي تقع بجانب الساعة الجديدة بحمص أي في مركز المدينة يخرجون واحداً تلو الأخر يمرون على المقاهي الموجودة في المنطقة يطلب أحدهم مني أن يلمّع  حذائي فأرفض أحاول ككل الموجودين أن أشيح بنظري عنهم ,وأن أتناسى وجودهم لالشيء بل لكي لايخزني ذلك الضمير المنفصل, والغائب. أحدهم لم يتجاوز الثامنة من العمر حاول جاهداً أن يصل إلى قدمي فقفزت مانعاً إياه من الوصول إلى الحذاء سألته عن اسمه, وعن عمل والده فتحول كومة من عظام لملم جسده الصغير ,وأبى الكلام ,وعندما أصريت عليه قال لي ,وهو يفرك عينيه خجلاً أبي لايعمل ,ولم أفهم منه ما اسمه ,ولامكان سكنه فهو يلدغ بجميع الحروف تقريباً طلب مني سيجارة فرفضت أن أعطيه فسبني "يا ابن الشر...يا ابن المنيو..." لم استغرب ,و لم أعترض أصلاً.
في مقهى الفرح المواجه لساعة حمص جلس أبٌ مع ابنه الصغير الذي يلبس ثياب القبضايات كما في مسلسلات (بسام الملا) حاول الأب أن يسد أذني ابنه عن سماع شتائم الطفل الذي سبني,بعد قليل مر رجال دين من أمام أطفال البويا دونما اكتراث ,ولم يهتز وجدان أحدٍ منهم ,ودخلوا إلى المسجد المبني حديثاً ,والذي كلف الملايين رغم ملاصقته لمسجد أخر كان هؤلاء الرجال ذوو الذقون الطويلة التي تكاد تلامس الأرض ,والجلابيات , يناشدون الناس السنة الماضية للتبرع لبناء المسجد  ,لم يشدّهم منظر البؤس هذا, وربما تقززوا ,أو حاولوا رد هذا الحيف إلى الغيب ,ومشيئة الإله؟ ربما ليست مسؤولية رجل الدين أن يسد جوع الأطفال ,وبالأحرى مهمته توظيف هذا الجوع في خطبه ,وبكائياته ,ودعواته.!! .
في المقلب الأخر يختلط مشهد اللافتات ,والصور الانتخابية بمشهد أطفال البويا فيتولد في المخيلة تناقضان عجيبان يخطّان دورة هذه الحياة .لن تشبع البطون بالخطب ,ولا بالصلوات ,ولا بالوعود.
يجلس طفلٌ مقطوع اليدين يضع ميزاناً بجنبه وعلبة فيها بعض البسكويت يفترش الأرض بجانب سينما الكندي ,أخر يبيع علب العلكة والبطاريات في ساحات جامعة البعث ,وعلى بعد خمسين متر من كلية التربية يتناقش طفلان أمام الحاوية عن مكنوناتها فيقول احدهما للأخر في ذلك الكيس يوجد بلاستيك فيرد الأخر بل بها علب بيبسي فارغة وينتهي الجدل بنزولهما إلى تلك الحاوية ونبش أكياسها.
صغار جردتهم الحياة من أدوات اللعب ,ودفاتر الرسم ,والإملاء ,وأعطتهم في المقابل تشوهها وهشاشتها.
يتراءى لي أحد الأطفال من بعيد, وهو يتلوى من الجوع ,وكأنه يحمل بتثاقلٍ جسده  فتدور الأسئلة في رأسي .
كم قصيدة كتبت عن الجوع, وعن قَسمات هؤلاء الأطفال ,وعن وسخ الأرض يغطي وجوههم؟
كم مقالاً, وكم تحقيقاً ,وكم أغنية ,وكم مسلسل ,وكم رواية ,وكم أية ,وكم عِظة ,وكم حزب ,وكم ثورة قامت لأجلهم؟
سيكون رقماً ضخماً سيكون بعدد هؤلاء الأطفال, بعدد غمازات خدودهم ,ونعسهم عند الفجر, سيكون بعدد أحلامهم التي قًتلت وسفكت, بعدد الحروف التي لم يقرأوها , بعدد الأموال التي دخلت جيوب الممثلين ,والمخرجين ,والشعراء ,والكتاب الذين كتبوا الفقر ,ومثلوه, بعدد المليارات المسروقة ,والتي تسرق,وستسرق ,وبعدد خطب المتسلقين ,والمتملقين باسم الفقراء.
نعم أعترف أنا أيضاً كتبت عنهم, وسأقبض ثمن كتابتي هذه, وسأشتري بها بطاقة للموبايل, وربما سأشتري بها فسحة شبع, أو شريط كاسيت أغاني عن الفقراء, ولن تجدي كثيراً لا كتاباتنا, ولاصلواتنا, ولا أغانينا, ولا أحزابنا التقدمية ,ولا الحفلات الخيرية في الجوامع والكنائس ,ولا منظمة اليونسيف التي وزعت إعلاناتها في شوارع المدينة قبل مدة لوقف العنف ضد الأطفال . إنه لزمنٌ مرٌّ ورديء زمنٌ لايمكن أن يَغفر ولا أن يُغفَر لهُ.
آه ياعلي لو أن الفقر رجلاً


الجمل

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...