«زولي»: رواية مفخخة بأسئلة مربكة

26-03-2007

«زولي»: رواية مفخخة بأسئلة مربكة

إذا أردتَ أن تغنم إجابة شافية عن هذين السؤالين المهمين: ما معنى أن تكون خلاّقاً، وما الثمن الذي ينبغي لك أن تدفعه، فما عليك إلا أن تقتني رواية «زولي» للكاتب الايرلندي كولوم ماكان، الصادرة أخيرا عن دار «راندوم هاوس». رواية مفخخة بشحنات من الأسئلة المربكة والمحرجة. عذراً. فقد تذكرتُ سؤالا آخر باغتني في خضمّ أحداث الرواية: كيف يستطيع الغريب، في عالم تسوقه سياسات المطابقة الفكرية، أن يبقى على قيد الحياة؟ هكذا كلما قطعتَ شوطاً في القراءة انقدحت في ذهنك أسئلة عن الهوية والانتماء والهجرة واللجوء والاغتراب والاحتلال والحرية والمنفى. وعلى الرغم من أن حوادث الرواية في القرن العشرين، إلا أنها تضعنا وجهاً لوجه مع قضية التنوع الثقافي التي لا يزال القرن الحادي والعشرون مرتبكا تجاهها.
الجواب، قطعاً، ليس سهلاً. فحياة زولي تبدأ مع ذاكرتها وهي تشاهد بقية عائلتها مسوقةً وسط قطيع من البشر ناحية بحيرة متجمدة: «قادوا القوافل خارج القرية المغطاة بالثلوج. وعلى سطح بحيرة متجمدة، أضاؤوا دائرة من نار، وخلال دقائق غاصت القوافل في قعر البحيرة». كان هذا مما علق في ذاكرة بطلة الرواية، زولي الغجرية، التي نجت بأعجوبة مع جدّها بعدما فقدت كلّ أفراد عائلتها. وبهذا المشهد الدراماتيكي، يتوغل بنا المؤلف في تاريخ مجهول وملغوم. تعود بدايات الحوادث إلى الثلاثينات من القرن المنصرم، حيث لم تكن زولي نوفاتنا، بطلة الرواية، قد تخطت سن السادسة، حينما وقعت تشيكوسلوفاكيا السابقة تحت وطأة الاحتلال النازي. دخل السوفيات بعدها البلاد باعتبارهم محررين؛ ليقيموا حكومة شيوعيّة عام 1984، كوجه لثورة البروليتاريا.
ترعرعت زولي على يدَي جدّها الماركسي، الصارم المحبوب، الذي تفرغ لتربيتها وتعليمها القراءة والكتابة في سن مبكرة، الأمر الذي يعدّ خرقا صارخا للتقاليد الغجرية المنغلقة، خصوصاً تجاه المرأة. وتتصاعد الإثارة أكثر حينما تتعرف زولي الى شاب أيرلندي ماركسي مثالي من أصل سلوفاكي، يُدعى ستيفن سوان، يفتن بها ويعمل على نشر قصائدها بحكم علاقته الجيدة مع الشيوعيين؛ لتصير من ثم شاعرة الطبقة الكادحة إلى جانب كونها أيقونة بطوليّة. استغلت الحكومة الشيوعيّة بالطبع هذه العلاقة؛ لتوظف عملها الفني لغايات دعائية تهدف في الأساس إلى دمج الغجر في سيل الثقافة العام. تتحول زولي في ما بعد إلى أداة طيعة في يد السوفيات. وإذا كان المحتل شرسا فقد يكون المجتمع أكثر شراسة. اتهمت القبيلة زولي بالخيانة، وطردت شر طرد بعدما اعتبرت مذنبة بتهمة إفشاء أسرار مجتمعها: «لن يأكل أحد معها الآن. لن يمشي أحد معها. وعندما تموت، لن يُهيل التراب عليها أحد». وفي رحلة موجعة عبر الحدود تقيم زولي في مخيم للاجئين في النمسا، وتلتقي هناك مهرّباً محترفا يُدعى انريكو، يقوم بتهريبها إلى إيطاليا، ثم يقترن بها حتى سنوات وفاته.
رواية «زولي» هي العمل الرابع لكولوم ماكان (42 عاما). غنية بالتفاصيل وتكشف بطريقة ذكية عن قسوة هذا العالم من جهة وعن معنى أن تكون فناناً في الحياة. نثر الرواية سهل رائع، يصور بطريقة جذابة الظروف الاجتماعية والسياسية المحيطة، حيث يعتمد الروائي على عاملي الزمان والمكان؛ من سلوفاكيا في الثلاثينات، إلى انكلترا، وشمال إيطاليا، وباريس، والمجر، والنمسا في الأربعينات؛ بما يعكس تنقلات الغجر أنفسهم في هذه المنطقة. وعلى الرغم من قفزاته الزمانية والمكانية، يبقى السرد محافظا على تماسكه، متماشيا مع نمط الأسلوب، الذي يستدعي تحولات سياسية ضخمة عبر تجربة امرأة واحدة، يتقمص شخصها، ويستدرج صوتها الطفولي، وهي تروي الوقائع الفظيعة بطريقة طازجة ودقيقة؛ لا بل يصنع حتى قصائدها.
إنها بلا ريب رواية مثيرة حول فتاة تتجاسر على العيش في ثقافتين، وتحت ظل نظامين صارمين، تكسر فيهما حاجز المحرّم والمحظور، بدايةً من تعلّمها القراءة والكتابة إلى كتابتها الشعر واحترافها الغناء ومصادقتها شاباً أجنبياً. مثل هذه القرارات الشجاعة كان من شأنها أن تجعلها منبوذة إلى الأبد. أما أشد اللحظات بروقاً في الرواية رغم كل هذه القتامة فهي اللحظة النهائية، التي تكتشف فيها زولي نفسها ثانية من خلال الموسيقى، لا من خلال أي شيء آخر.
كولوم ماكان روائي ايرلندي يقطن حاليا برفقة زوجته وأطفاله الثلاثة في نيويورك. صدرت له مجموعتان قصصيتان وروايتان لاقتا رواجا عالميا. ترجمت أعماله إلى ست وعشرين لغة.

صلاح الحداد

المصدر: النهار

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...