"العالم كما يراه بوش" تسجيلي وثائقي طويل منسوج بحبكة صارمة

05-04-2007

"العالم كما يراه بوش" تسجيلي وثائقي طويل منسوج بحبكة صارمة

الجمل ـ بشار إبراهيم :وليم كاريل، الفرنسي القادم من عالم صناعة الأفلام التسجيلية السينمائية والتلفزيونية، يصنع هذا الفيلم، ولكن هذه المرة بالاشتراك مع الكاتب الفرنسي المعروف إريك لوران، الذي عرف عنه متابعاته وكتاباته بما يتعلق بالسياسة الخارجية الأمريكية وحروبها، بدءاً من حرب الخليج المسمّاة (عاصفة الصحراء) عند مطلع تسعينيات القرن العشرين، وصولاً إلى (حرب بوش) الأخيرة، و(عالم بوش السري)..
(العالم كما يراه بوش).. فيلم تسجيلي وثائقي طويل (يقارب الساعتين) منسوج بحبكة صارمة من الشهادات والآراء والاستخلاصات التي يقدمها عدد من السياسيين والأكاديميين، الأمريكيين والفرنسيين، في مرافعات عقلانية، تتميز بالشمولية والدقّة، والتحليل المنطقي، لكيفية جورج بوش الابن إلى سدة الحكم في الإدارة الأمريكية، وما رافق ذلك من سيطرة المحافظين الجدد بشكل مطلق على الإدارة الأمريكية، والسياسة الخارجية الأمريكية.. ويضعها في مواجهة الآراء والتصريحات التي يقدمها عدد من رجال السياسة والدين، أمثال ريتشارد بيرل وجيري فالويل، وغيرهما.. ممن يمارسون أدواراً خفية (في الظل) بشكل مؤثّر على بوش وطاقمه الإداري الحاكم..
ما بين القول والرأي ونقيضه، يقوم وليم كاريل بالمعاينة طيلة الفيلم في مسعى يهدف إلى كشف الحقائق، وتبيان الغوامض، وفك أسرارها ورموزها، دون الميل إلى السخرية أو التهكم أو العبث!.. كما فعل مايكل مور في فيلمه (فهرنهايت 11/9).. وإذ يحضر فيلم مور في الحديث هنا فمن الطبيعي أن تحضر المقارنة في ذهن كل من شاهد هذين الفيلمين، وربما سيكتب الكثيرون في إطار هذه المقارنة، التي لن نغوص فيها كثيراً، بل سنكتفي بالقول السريع إنها تأتي لصالح فيلم كاريل على المستوى المضموني الجاد والمتوازن والعقلاني الموضوعي الشامل، بينما تذهب لمصلحة فيلم مور على مستوى النقد السياسي واللعبة المونتاجية..
يبدأ وليم كاريل فيلمه، بالتأكيد على الخلفية الدينية لجورج بوش الابن، أو بتعبير أدق عن المؤثرات الدينية الحادثة في حياته، بعد سنوات أمضاها في السهر والمجون، من حيث ملاحقة الفتيات ومعاقرة الخمر، وذلك قبل أن تأتيه الهداية الربانية، ليترك كل هذا ويعتقد أنه موكل بمهمة إلهية لا بد له من القيام بها. ويؤكد كاريل في فيلمه على (بوش التوراتي) الذي نتج عن تأثيرات المسيحية الصهيونية، وجماعة المحافظين الجدد، الطاقم المستمر في العمل مع بعضه البعض طيلة ثلاثين سنة، قبل أن يتكثف على هيئة إدارة تتحكم بالسياسة والاقتصاد والفكر الأمريكي، مع مطلع القرن الحادي والعشرين..
(بوش التوراتي) و(المسيحية الصهيونية) و(المحافظون الجدد)، هم الأساس الفكري العقائدي، والبنية البشرية، والأدوات العملية، التي تحدد خيارات السياسة الخارجية الأمريكية، وتغلبها على التوجه نحو السياسة الداخلية، التي هي أكثر ما يهم المواطن الأمريكي باعتباره (دافعاً للضرائب).. وفي الوقت الذي يقف (جون بيرد) الذي طوى 85 سنة من عمره، أمام مجلس الشيوخ الأمريكي ليفضح الممارسات اللاأخلاقية التي تذهب إليها السياسة الخارجية الأمريكية، ويشجب بقوة صمت المجلس حيال ذلك، فإن المحافظين الجدد يبدون كأنهم يقودون الولايات المتحدة الأمريكية، بل والعالم كله، من أذنيه ليخوض غمار حروب، وحدهم المستفيدون منها، ومعهم إسرائيل..
ينجو وليم كاريل من مطبّ أن يجعل فيلمه بياناً انتخابياً ضد بوش والحزب الجمهوري، ولمصلحة منافسه كيري والحزب الديمقراطي، كما فعل مايكل مور!.. كما أنه يضع يديه على مرتكزين أساسيين، غفل عنها (وبالأصح تجاهلهما مايكل مور عن عمد)، وهما البعد الديني العقائدي، والمصلحة والدور الإسرائيلي، في كل ما يجري، وغاياته واستهدافاته.. ويقيناً أن وليم كاريل لم يفعل ذلك مكرمة للعرب، أو انتصاراً لهم، ولكن انتساباً للموضوعية، التي بدت غايته السامية في هذا الفيلم/المرافعة..
وعلى الرغم من حديث الفيلم عن مظاهر التشبع الديني الذي يتميز به بوش الابن، والمؤثرات القوية التي يتركها في نفسه الدعاة والمبشرون (أمثال فالويل)، إلا أن الفيلم يؤكد على أن ثمة تحالف عقده آل بوش مع الشيطان نفسه.. كلٌّ بطريقته، فتختلف التفاصيل، لكن الجوهر واحد.. في غاية شريرة لا تريد الخير للعالم، بل تريد حصد المزيد من الملايين، وامتلاك السطوة، وممارسة القوة لفرض الآراء والأفكار والسياسات بالقوة..
ولهذا سيجعل كاريل من فيلمه (العالم كما يراه بوش) محاكمة لآل بوش، ليس فقط للأب والابن، اللذين تتالا على رئاسة الولايات المتحدة الأمريكية، خلال أقل من عقد من الزمن (الفارق بين حكميهما 8 سنوات) في ظاهرة غير مسبوقة في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية، وما جرى في عهديهما من أحداث كبيرة، بل يذهب الفيلم إلى محاكمة الجد (بريسكوت بوش)، الذي جمع ثروته من إدارة شركات نازية التوجه، بعد صعود هتلر إلى السلطة.. ومن ثم تمت مصادرة ثرواته (أي الجد بوش)، في العام 1942،  بتهمة التعاون مع (العدو)!..
حقائق، وشهادات، وتواريخ، ومعلومات.. تسعى للكشف عن (مشروع ديني) أطلقه (متطرفون) ليتمكنوا من فرض مشروع يختلط فيه السياسي بالاقتصادي بالعقائدي الديني.. كما يتداخل فيه السياسي بالشخصي.. قبل أن تأتي أحداث الحادي عشر من أيلول سبتمبر، ليس ككارثة، بل كهدية لهذا المشروع، وألئك المتطرفين، للانغماس في المزيد من رسم السياسات، وعقد التحالفات، والتحضير للممارسة القوة.. تلك التي برزت تجلياتها في الحرب الاستباقية ضد العراق، بذرائع واهية، وأعذار كاذبة، فضحت لا أخلاقية سياسة لمحافظين الجدد، وتيار المسيحية الصهيونية، وبينت حقيقة بوش التوراتي، وفق تعبير الفيلم..
ربما يؤخذ على الفيلم من ناحية أولى أنه يكاد يقع الحافر فيه على الحافر، بصدد ما ذهب إليه مايكل مور في صدد المصالح الاقتصادية، والعلاقات مع آل بن لادن، والأدوار والتواريخ الشخصية لكل من بوش الأب والابن، وديك تشيني، ورامسفيلد، وولفويتز، وباول.. وغيرهم، وتشابك مصالحهم الاقتصادية، وتوجهاتهم السياسية، مع من كانوا أصدقاء حتى الأمس، ومن ثم جعلوا منهم أعداء.. وعلاقاتهم المفضوحة مع الخراف التي تولّوا (هم بأنفسهم) مهمة تسمينها، خلال الثمانينيات، ليجعلوا منها ذئاباً تأكل من حولها (صدام حسين نموذجاً)!.. حتى كاد الفيلم يستخدم الوثائق البصرية ذاتها، ويكرر الأقوال نفسها!..
ولكن ما ينبغي الحديث عنه، أولاً، أن مخرج فيلم (العالم كما يراه بوش) وليم كاريل لم يهتم كثيراً بالبناء البصري، والنسيج الفني الإبداعي للفيلم، واكتفى في أوقات من الفيلم، بنظم الشهادات والآراء والتصريحات، بتتاليها الذي يقوم عليه خطاب الفيلم، فاقترب إلى حدّ كبير من صيغة (الريبورتاج) التلفزيوني، والتحقيق الصحفي، والمراجعات لتواريخ شخصية وأحداث ووقائع وعلاقات..
كما أن الفيلم لم يهتم بسؤال: وماذا بعد؟.. أي أنه لم يحاول تلبية السؤال الذي يمكن لمشاهد أن يثيره قائلاً: حسناً هذا ماذا حصل.. ولكن ما الذي ينبغي أن يحصل؟..

 

الجمل

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...