اللغة والأمة

26-03-2007

اللغة والأمة

اللغة تقلق الفرنسيين. بالنسبة لكثيرين تتماهى اللغة الفرنسية والأمة الفرنسية والتاريخ الفرنسي وهذه جميعها مهددة إذا انحطت الفرنسية أو فقدت كيانها. هناك غضب من اللعب بنحو هذه اللغة وبقاموسها، بيان الـ40 مثقفاً يقول إن الفرنسية ليست الأمة الفرنسية وآن أن نتعامل معها كلغة في العالم. ولن تكون عندئذ رسالة الفرنسيين الى العالم بل ستكون ملك كل من يتكلمونها ويعبرون بها. هذا نقاش ضارب الآن والفرنكفونيون يطلون برؤوسهم ليقولوا هذه المرة وداعاً للفرنكفونية. آن لنا ان نفرق بين الفرنسية وفرنسا وان لا نجعل لها مركزاً واطرافاً. فرنسية العالم ليست التحاق العالم المتفرنس بالمركز الفرنسي، لكنه اتساع هذا العالم بقدر امتداد الفرنسية وانتشارها. نقاش كهذا لا نستطيع نحن العرب ان لا نلحظه وان لا نجد فيه اسئلة لنا. ليست مسألة المركز والأطراف هي التي تهمنا هنا، فالواضح ان العربية تصنفت من الماضي الاول ولم يعد فيها اصيل ودخيل وصريح وهجين، العربية على قدر العالم العربي وكله بالسوية فيها فلا نعاني من عرابوفونية من اي نوع. أهذه نعمة أم نقمة؟ ليس هذا سؤالنا الآن. سؤالنا وسؤال لغتنا ليس التطابق بين اللغة والأمة والتاريخ فحسب، بل هو ايضا تطابقها مع المقدس نفسه. عاشت العربية في خوف من ان يأتي يوم تتغير فيه اللغة فلا نعود نفهم التنزيل وقد تغيرت اللغة ولا زلنا نفهم التنزيل. لكن المقدس لا زال يحيق بها اعترض على الشعر الحديث وقصيدة النثر والعامية وأدبها ومسرحها بالحجة نفسها، رغم ان الزمن يجري وتنفصل اللغة عن المقدس وتبقى اللغة لغة والمقدس مقدساً. أما التماهي بين اللغة والأمة فهي مسألة لم تتعرض للامتحان ذاته ولا زال الخوف على اللغة من زوال الأمة وعلى الأمة من زوال اللغة قائماً. لا نحتاج الى أربعين مثقفاً ليوقعوا على بيان يعلنون فيه أن العربية لغة في العالم. إذ يبدو ان لذلك شروطاً لا نملكها. بعضنا يرى ان حصتنا من هذه الدنيا لا تعدو اللغة وأننا بدونها لا نجد اسما لنا فيها، بعضنا يحسب اننا موجودون بفضلها. لكن الخطر هو ذلك التواطؤ بين بؤس الأمة وتهافت اللغة بحيث تبدو الرابطة مرضية والدائرة جهنمية ولا نعرف أولها من آخرها. وبدون ان نلاحظ ننتبه متأخرين الى ان ما بين يدينا فتافيت نسمّيها آناً لغة وآناً الأمة.

عباس بيضون

المصدر: السفير

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...