سنوات البراءة ولَّت بلا رجعة

25-01-2007

سنوات البراءة ولَّت بلا رجعة

تفصلنا اليوم بضعة عقود الى الوراء عن سنوات البراءة حين كان المغني يتكئ على صورة شفافة مثل كريستال نقي وثمين لا يخدشه إلا ألم الرحلة الطويلة مع كل أغنية يطلقها في ملكوت الفن الجميل.

لم تكن الصورة التلفزيونية بأبهى حالاتها بعد، بل ربما لم تكن هناك صورة ليستقوي بها هذا المغني الذي كان يكتفي بأن يرتفع بصوته الشجي المدرب فيرفع الناس معه الى عالم من الرقي.

الآن تختلف الصورة تماماً، اذ تبدو صناعة النجوم وكأنها أتت على كل شيء حولها كونها مربحة، وهذا ما يفسر زيادة الانفاق عليها، اذ تساوي كلفة فيديو كليب واحد أحياناً موازنة فيلم روائي يكون طليعياً في كل شيء إلا في تمويله. الكثير من هذه الشرائط ولد أساساً في الغرب من أجل انقاذ صناعة الأغنية هناك من الكساد وإعادة بث كل ما هو مألوف ومكرور، وهذه بالطبع حجة العالم الاستهلاكي الذي نحبو إليه من دون أمل قبولنا أعضاء أصيلين فيه، بل نكاد نبقى على الهامش. وبنظرة تقويم واحدة يمكن صورة جديدة للمبتدئ أن يكتشف أنها في غالبيتها مكلفة للغاية ولا تسد رمقاً عاطفياً أو تسكن مهجة ثائرة.

صحيح أن الصورة التي يدور الحديث عنها الآن تطورت بفضل التقنيات الرقمية الحديثة، وهي جرّت معها رهافة أثرت في العين أكثر فأكثر، لكن صورة المغني تطورت معها في حركة معاكسة للسنوات التي نبحث عنها، إذ بتنا اليوم نشاهد الكثير من العيون المحملقة بعضها ييعض، العيون التي تقدح شرراً وتلتهم أصحابها من دون رحمة، والأجساد التي تتمايل من دون أن ترأف بنا، والأدهى من ذلك كل تلك الشفاه المكتنزة التي تعبث بالحروف على هواها.

الرهافة البصرية كما نراها في صورة اليوم لا تبحث عن زمن البراءة بالأوصاف إياها. فتلك سنوات يطويها النسيان مع فوضى الغناء، وفوضى لم تعد المرأة فيها تمشط فيها شعرها بغية تقليد حركات النجوم، على ما يذهب إليه النحات رودان. الرهافة الآن أصبحت تقنية بحتة، وهي شرهة وفيها امتهان لأمثلتها الكثيرة، لكننا اذا عدنا طائعين الى سنوات البراءة، سنجد المغني الكبير وهو يستعد لأداء أغنيته «يا مالكاً قلبي»، وهي أغنية تدأب «روتانا» على بثها بالأسود والأبيض، ونرى فيها عبدالحليم حافظ يغني فيما تقترب منه فتاتان وتقبلانه وتهديانه الورود، فيزيد هذا من حماسة الجمهور، إذ يشتعل تصفيقاً وصفيراً، ويختفي وجه المغني وراء خجله وتراه يحلف قائلاً: «دول غنوة وأنغام بنات الموجي».

هل كان على المغني الكبير أن يحلف أمامنا ليردنا مبتهجين الى سنوات البراءة التي نقصدها؟ ربما. من يدري؟

فجر يعقوب

المصدر: الحياة

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...