مَنْ يستهدف الجيش في لبنان بعد أن حاز على الثقة

17-02-2007

مَنْ يستهدف الجيش في لبنان بعد أن حاز على الثقة

عملية فكفكة مؤسسات الدولة وفق منهجية لم تعد خافية مع استهداف آخر المؤسسات الوطنية والأكثر تماسكاً ووحدة. تتواصل بوتائر مقلقة. والمؤسسة العسكرية التي حازت ثقة اللبنانيين جميعاً طوال الأعوام الخمسة عشر الماضية ليس لحياديتها فقط, وانما لدورها الضامن في الوحدة الوطنية مستهدفة.
وقد ظهر الاستهداف الممنهج لهذه المؤسسة جليا منذ رفضها الانصياع الى اهواء بعض السياسيين في قمع الاضراب العام الذي دعت اليه المعارضة في 23 كانون الثاني €يناير€ ومحاولة استخدامها بعد ذلك بيومين ضد فريق معين خلال احداث الجامعة العربية, ثم استهدافها باطلاق النار حيث سقط العديد من العسكريين جرحى بالرصاص. كأن في الامر رسالة اغراء, بأن الابقاء على وحدة هذه المؤسسة يستلزم انحيازها الى فريق بدأ فعلياً بتمزيق المؤسسات, بذريعة ان الدولة القائمة هي من نتاج زمن «الوصاية السورية».
وكان واضحاً استهداف المؤسسة العسكرية في محاولة دفعها الى الاشتباك مع القوى المعارضة بتمهيد عملية قمع عبر مواقف اطلقت في حينه بهذا السياق وإلا فإن بعض القوى السياسية ستتولى بنفسها قمع المعارضة ما يعني انه تلويح بامساك الأمن او اقامة الامن الذاتي.
وهذه المسألة كانت من اخطر المؤشرات التي تلمستها قيادة المؤسسة العسكرية ولا سيما قائدها العماد ميشال سليمان الذي ما ترك وسيلة الا ولجأ اليها متحملاً اثقالاً ينوء تحتها جيش اكبر بكثير من الجيش اللبناني.
وهذا الجيش موجود في الشارع منذ سنتين متواصلتين بكامل عديده وعدته التي تعتبر متواضعة جداً قياساً الى الجيوش الحديثة والمهام التي يحملها اوسع واكبر بكثير ايضاً قياساً الى المتوافر.
فعدم افلاح الساعين الى الامساك بهذه المؤسسة وتجييرها لصالح فريق ضد فريق آخر, اطلق حملة من نوع آخر لزعزعة الثقة بشكل مبرمج ضد المؤسسة, اعتمدت على التشكيك بولاءات ضباطه عبر نشر اسماء العديد من الضباط في صحيفة كويتية معروفة المصدر وفحواها ان هؤلاء الضباط يوالون اطرافا سياسية €العماد ميشال عون وحزب الله€ وان هؤلاء الضباط يتلقون رواتب من الحزب... الخ.
هذا الترويج التشكيكي واكبته حملة اعلامية تمثلت في نشر احدى الصحف الاسبوعية التابعة لاحد الاحزاب أن المخابرات السورية تواصل السعي لتفعيل عمل مجموعاتها وخلاياها الامنية في لبنان وبعضهم من ذوي الرتب العسكرية العالية والذين كانوا يقومون بالتنسيق معهم سابقا, مسمية اسماء ثلاثة ضباط يندرج في السياق نفسه للنيل من هيبة المؤسسة وثقة الشعب اللبناني بها.
واللافت ان هذه الحملة تزامنت مع اطلاق السهام السياسية التشكيكية بالمؤسسة العسكرية بعد الفشل في استقطاب قائد المؤسسة عبر اغراءات وهمية. مقابل المبادرة الى تفكيك الاعتصام في ساحتي رياض الصلح والشهداء وكذلك التشهير بالمقاومة, والخضوع لممارسات القوات الدولية في الجنوب ولاعمالها بعكس ما ينص عليه القرار الدولي 1701 الذي يقول بمؤازرة القوات الدولية للجيش وفق ما يرتئيه, وكذلك التعامي عن التعديلات التي جرت على خط الانسحاب الاسرائيلي التي قامت بها قوات الاحتلال على الخط الازرق, وصولا الى عدم المبالغة في مسألة تصدي الجيش للخرق الاسرائيلي والاشتباك مع الدورية الاسرائيلية الذي اعتبر حادثا خطيراً. ولم تتوقف الامور عند هذا الحد فيوم توقيف شاحنة السلاح التي اعلن «حزب الله» انها عائدة للمقاومة, انبرى السياسيون للنيل من صورة الجيش, باستعادة خطاب اكل الدهر عليه وشرب بأن قائد الجيش يسعى الى ترشيح نفسه لرئاسة الجمهورية وهو يمالئ حتى يصل. ويربط هؤلاء التصدي للخرق الاسرائيلي بالنار وعدم التشهير بالمقاومة على خلفية شاحنة السلاح بأنها تقع في هذا الاطار وصولا الى الدعوة لتصويب عمل المؤسسة العسكرية من خلال استهداف قائدها مباشرة تحت ذريعة «قمع طموحاته» وهو ما روج له فريق له علاقات طيبة جداً مع الاميركيين الذين حاولوا تكراراً تغيير وجهة الجيش اللبناني باشتراط تقديم المساعدات الى المؤسسة العسكرية منذ اكثر من سنتين ولم يفلحوا بسبب وقوف المؤسسة العسكرية كالدرع التي لا تخترق امام تلك الاغراءات مع تأكيد على لسان العماد سليمان رفض اي مساعدات مشروطة. وقد جاء «امر اليوم» في عيد الاستقلال ليغضب الاميركيين اكثر مما كان متوقعا, ففي امر اليوم توجه سليمان للعسكريين بالتأكيد ان الانتشار على ارض الجنوب تلبية للارادة الوطنية الجامعة, وبسط سلطة الدولة كاملة, مشدداً على التصدي للاعتداءات والخروق الاسرائيلية وان الانتشار على امتداد الحدود البرية والبحرية انما يسهم في اقفال الابواب امام رياح الحروب التي عاناها اللبنانيون ويشكل حافزاً قوياً لاستكمال تحرير ما تبقى من ارضنا المحتلة في مزارع شبعا وتلال كفرشوبا وبلدة الغجر... الخ.
ولعل هذا الموقف اعتبره الاميركيون ومعهم الفرنسيون تحديا للارادة الدولية وبعض المحلية لانه يعرقل الخطة الاساس في تبريد العلاقات مع اسرائيل بعد عدوان الصيف الماضي, في الوقت الذي كان السجال الداخلي يرتفع الى اقصاه مع اشتداد الازمة السياسية وطرح اسم العماد سليمان «كوزير ملك» وهو اقتراح رفضه العماد.
كل هذا علماً أن ميشال سليمان ليس مرشحاً, وكي يكون عليه ان يكون خارج الخدمة بمسافة سنتين, والتعديل الدستوري غير مطروح حالياً.
ويقول سياسي عريق ان ما يريده الاميركيون هو الامساك بمؤسسة الجيش, واذا لم يفلحوا فسيسعون الى تخريب كل شيء. فالاميركيون تعلموا درسا من العراق حين حلوا الجيش بعد غزو العراق وكانت النتائج قاسية عليهم, ولذلك فهم اعطوا انفسهم فرصة طويلة ليعيدوا ترتيب اوراقهم في لبنان.
وبالرغم من كل المحاولات والمناورات الداخلية والخارجية, كل شيء يدل على أن المؤسسة العسكرية قادرة, بقيادتها الحالية, ونهجها العقائدي على تجاوز المحنة ولو بامكاناتها المحدودة, واخراج البلد من أشداق الذئاب الكاسرة المحلية والخارجية معاً.


يونس عودة
المصدر : الكفاح العربي

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...