دمج الشركات الإنشائية العامة بين تحقيق الطموحات وسلبيات الواقع

29-07-2010

دمج الشركات الإنشائية العامة بين تحقيق الطموحات وسلبيات الواقع

بعد مضي ما يزيد عن السبع سنوات من تجربة دمج بعض الشركات الحكومية ذات نوعية الإنتاج المتشابه، هل حققت تلك الشركات الغاية من الدمج وأين وصلت فيما يجب أن تصل إليه من نتائج إيجابية، أم إن التجربة غلب عليها الطابع السلبي، مما جعل الإيجابيات تضمحل أمامها.

طموحات فعلية‏‏

السؤال البديهي الذي يطرح نفسه في هذا الموضوع، هل تمكنت الشركات المندمجة من تحقيق طموحاتها الفعلية التي كانت تصبو إلى تحقيقها عندما تقرر الدمج بعام 2002 حيث بدأت بدمج شركات مثل الخضار والفواكه واللحوم والخزن والتبريد لتصبح «مؤسسة الخزن وتسويق المنتجات الزراعية والحيوانية».‏‏

وبعد مرور عام آخر تقرر دمج مؤسسات التجارة الخارجية والشركات الإنشائية وشركات الطرق والجسور وشركات المشروعات المائية ليتم التوجه بعدها نحو المؤسسات الإعلامية بدمج مؤسستي تشرين والمطبوعات مع مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر.‏‏

تحقيق الأرباح‏‏

وبعد كل تلك السنوات المنصرمة، هل استطاعت تلك المؤسسات والشركات الانتقال من دائرة الخسارة إلى حيز تحقيق الأرباح، أما آن الأوان للإجابة على هذا السؤال الذي بقي عالقاً، وخاصة أن من يتابع آلية العمل والأداء يعطي مؤشرات واضحة أن الواقع لا يزال على حاله، إن لم يصبح أسوأ كما يرى بعض الخبراء والعارفين بأمور الدمج وهذا إن كان صحيحاً يستدعي الوقوف عنده ملياً وخاصة أن اتجاه الحكومة نحو اقتصاد السوق لن يجعل في صالحها أن تستمر في دفع الفواتير لسد الثغرات لأن أساس الفكرة من عملية الدمج هي تخفيف الإنفاق وتحسين الأداء بهدف الوصول لحالة تنافسية قوية.‏‏

الحاجة للوقت‏‏

هناك بعض المتفائلين بتجربة الدمج يرون أن التجربة بحاجة لوقت، وخاصة أن فكرة الدمج أتت بسرعة ودون فترة استعدادية لها، ولذلك فالأمر المسلّم به أن القرارات والإجراءات الإدارية ليست وحدها مفتاح الحل، وإنما لابد من وجود عناصر أساسية استباقية لأي خطوة من هذا النوع، وهنا يطفو على السطح ما يجب أن يكون موجوداً عندما تم البدء بالدمج وهو إحداث تجديد جوهري في ظروف العمل والشروط المحيطة به أو تحسين تلك الظروف المحيطة بالعامل مع التركيز على مهاراته حسب نوعية العمل المناط به، مما يوجب إجراء دمج على أسس سليمة ينجم عنه توظيفات مالية حديثة تؤدي لتوسيع رقعة الاستثمار والعمل في تلك الشركات المندمجة، وربما كان من المفيد أن يتم الاستفادة من تجارب بعض الشركات في بلدان وصل فيها الدمج لنتائج إيجابية بكل ما تحمل هذه الكلمة من معنى وهذا بدوره سيوفر أعباء وتجارب كثيرة قد تخضع لها الشركات ريثما تميز بين ما هو مفيد وما هو سلبي في عملها.‏‏

خسائر كبيرة‏‏

بداية توجهنا بالسؤال لوزير الإسكان والتعمير السيد عمر غلاونجي فقال: عانت شركات الإنشاءات العامة المحدثة منذ أواخر الستينيات من صعوبات وجوانب خلل في عملها أدى ذلك لخضوعها ضمن بيئة تشريعية وقانونية عطلت دورها وأدت لخسائر كبيرة متلاحقة وتأخر في تنفيذ المشروعات، ولقد حاولت الحكومات المتعاقبة معالجة أوجه الخلل وتذليل الصعوبات وكان أحد الخيارات المطروحة آنذاك هو دمج هذه الشركات ضمن شركات تخصصية أكثر قدرة على المنافسة والاستمرارية في العمل بظل متغيرات عديدة.‏‏

لم تعالج المشكلات‏‏

وتابع غلاونجي: رغم أن دمج الشركات ضمن رؤية صحيحة وصولاً إلى أهداف محددة، هو خيار متاح دائماً سواء كان في القطاع العام أو الخاص أو مؤسسات وشركات الإنشاءات العامة، إلا أن كافة عمليات الدمج التي تمت حتى عام 2003 لم تثبت على أرض الواقع أنها عالجت المشكلات والصعوبات التي تعاني منها هذه الشركات بل على العكس فإن بعض عمليات الدمج السابقة أدت إلى نتائج عكسية، حيث إنها لم تستند إلى رؤية متكاملة للمعالجة، من جانب آخر فالإيجابية الرئيسية لعمليات الدمج هي في وضع حد للانفلات الإداري والهيكلي في جسم هذه الشركات إذ تم إحداث المئات من الفروع والمراكز الإنتاجية بفترة زمنية واحدة ولكن دون أي دراسة اقتصادية ما أدى لتضخم الأعداد الإدارية المكلفة بإدارة هذه الفروع والمراكز والوحدات وتضخمت معها الأعباء الإدارية على هذه الشركات دون مردود مقابل.‏‏

إعادة هيكلة الشركات‏‏

وأكد غلاونجي أن الحكومة منذ عام 2001 قامت بدراسات متعددة لإعادة هيكلية شركات الإنشاءات العامة بهدف معالجة الصعوبات التي كانت تعاني منها، خاصة المتعلقة بالإشكالات التنظيمية الكبيرة والناجمة عن انتشارها بجميع المحافظات وتعدد اختصاصاتها وتم نتيجة هذه الدراسات إحداث 3 شركات تخصصية ودمج 6 شركات فيها بعام 2003 وصدرت المراسيم الناظمة لها.‏‏

وأضاف غلاونجي: لكن هذه الخطوة وإن أثرت إيجاباً على تخصص تلك الشركات وتخليصها من الديون المتراكمة على الشركات المدمجة، إلا أنها لم تستطع معالجة القضايا المتعلقة بالعمالة الفائضة وإعادة الكفاءة لعملها وتخليصها من الخسائر التي لحقت بها وقد أجريت اعتباراً من عام 2004 وبتوجيه من السيد الرئيس بشار الأسد عدة دراسات مفصلة لواقع القطاع الإنشائي والإجراءات الممكنة لمعالجته وتطويره، أسهمت بتقليص حجم الصعوبات التي تعاني منها تلك المؤسسات.‏‏

إجراءات إيجابية‏‏

وأوضح غلاونجي أن أبرز الإجراءات الإيجابية كان تعديل مراسيم إحداث الشركات الجديدة التي صدرت عام 2003 حيث تم إصدار 3 مراسيم عام 2005 عالجت الإشكالات التي تضمنتها المراسيم السابقة، ومعالجة التوازن السعري للمشروعات الخاسرة الجاري تنفيذها والمبرمة قبل عام 2003، كذلك وضع نظام جديد لعمل مؤسسات وشركات الإنشاءات بدلاً عن القانون رقم 1 لعام 1976 لتمكين هذه الشركات من ممارسة أعمالها في نطاق شخصيتها الاعتبارية واستقلالها المالي والإداري وإخفاء الطابع التجاري عليها ومنحها الصلاحيات اللازمة لهذا الغرض مع ربط كل مؤسسة أو شركة بالوزير المختص وتشكيل مجالس إدارة فعالة برئاسة الوزير مع إعداد أنظمة خاصة لعمل هذه الشركات وقد تم ذلك عبر إصدار المرسوم التشريعي رقم 84 لعام 2005، وتم أيضاً تسديد دفعات من المبالغ غير المسددة من رأسمال الشركات إضافة إلى المعونات المالية اللازمة لتسديد الأجور وبعض المستلزمات.‏‏

تحقيق الأرباح‏‏

وأكد غلاونجي أن هذه الخطوات أدت لتحسن وضع هذه المؤسسات والشركات وتراجع خسائرها وتحول بعضها إلى التوازن المالي أو تحقيق الأرباح وتخليصها من الديون المتراكمة على الشركات المدمجة مع نقل جزء من فائض العمالة إلى عدد من جهات الدولة العامة، كما تم إصدار نظام الحوافز الإنتاجية ويجري العمل على إصدار بقية الأنظمة التي نص عليها المرسوم التشريعي 84 لعام 2005 وما تضمنه من مرونة كبيرة ساهم بمعالجة العديد من المشكلات ونجح برسم ملامح جديدة للشركات المحدثة.‏‏

ولكن رغم هذه الإجراءات ما زال القطاع العام الإنشائي بشكل خاص وقطاع البناء والتشييد عامة يواجه تحديات تتطلب تعاوناً من جميع الجهات للوصول إلى إصلاح جذري شامل واستكمال تطوير البيئة التشريعية التي تحكم هذا القطاع للوصول إلى تنافس عادل بين القطاعين العام والخاص والسعي لفتح الأسواق العربية أمام نشاطه وتهيئته لمرحلة دخول المنافسة إلى السوق المحلية.‏‏

وختم غلاونجي: في هذا الصدد تتحمل مجالس الإدارات الحالية لمؤسسات وشركات الإنشاءات العامة مسؤولية كبيرة للاستفادة من الفترة الانتقالية بوضع الخطط والبرامج اللازمة للوصول بها للعمل ضمن أجواء تنافسية مفتوحة.‏‏

شركة متخصصة بالأبنية‏‏

ولو أخذنا مثالاً من الواقع لبعض الشركات التي تم دمجها مع شركات أخرى سنجد أن الشركة العامة للبناء والتعمير وهي شركة مقاولات عامة حكومية متخصصة في مجال الأبنية تم إحداثها بالمرسوم 169 تاريخ 7/5/2003 برأسمال قدره 2 مليار ليرة سورية حيث دمجت شركة الساحل للإنشاء والتعمير مع الشركة العامة للبناء وتتولى تنفيذ جميع أعمال البناء والمقاولات ضمن سورية وخارجها، يعمل فيها حوالي عشرة آلاف عامل من مختلف الاختصاصات الفنية والإدارية المنتجة والمساهمة بالإنتاج.‏‏

توحيد الاختصاصات‏‏

في لقاء مع السيد محمد مطيع يونس مدير فرع دمشق للشركة العامة للبناء قال: الفكرة من حيث المبدأ جيدة فالدمج الغاية الأساسية منه توحيد الاختصاصات فبدلاً من وجود ست أو سبع شركات متناثرة على مساحة القطر وتعمل في نفس المجال أصبح الدمج يجمعها في إدارة واحدة بدلاً من أن تعمل كل منها لوحدها، فالشركات الإنشائية تم دمجها مع بعضها وكذلك الشركات المائية وشركات الطرق والجسور.‏‏

ويتابع يونس: بعد سبع سنوات من الدمج وصلنا تقريباً إلى نسبة لا تزيد عن 40٪ من النتائج الإيجابية التي يفترض أن نحققها بالدمج، ولكن ما عانيناه منذ بداية عملية الدمج عام 2003 وحتى الآن نعاني منه هو الكادر الإداري الضخم الموجود في الشركة وكما هو معروف فالكادر الإداري غير منتج المشكلة فيه أنه كان لدينا مئتا موظف إداري قبل الدمج على سبيل المثال أصبحوا بعد الدمج 400، كان لدي رئيس ديوان أصبحوا اثنين و...، وعندما كنا بنصف العدد كانت عملية تأمين الرواتب لهؤلاء صعبة فكيف تتصور الحال وقد تضاعف العدد من الكادر الإداري فكما هو معلوم رواتب موظفينا تأتي من إنتاجنا الخاص ولذلك فالمشكلة كبيرة ولا تزال تفرض نفسها بقوة حتى الآن.‏‏

وأكد يونس أن قدم الآليات لا يتناسب مع واقع جديد لشركة موحدة وحديثة، الأمر غير منطقي على الاطلاق ناهيك عن المشروعات القديمة التي بدأنا بها قبل الدمج وما زلنا نعاني من بعضها حتى الآن.‏‏

إدارة المشروعات‏‏

الدكتور موسى الحمد نائب مدير عام إدارة المشروعات المائية قال: لقد واكبنا عدة دموج كان آخرها عام 2003 والغاية الأساسية من ذلك كانت ولا تزال توحيد الشركات ذات نوعية العمل الواحد وبالتالي فعن طريق الدمج تتم تصفية الشركات القديمة ومديونيتها لتدمج في إدارة واحدة وهذا من حيث المبدأ أمر جيد ولكن وحيث إنه لابد من كلمة «ولكن» نجد أن الواقع فرض معطيات سلبية وأقول هذا لأنه في إدارة المشروعات المائية بعد الدمج أصبح لدينا مجلسان مجلس للإدارة برئاسة الوزير ومجلس تنفيذي برئاسة المدير العام ولكل من هذين المجلسين صلاحيات قانونية معينة ولكن الصلاحيات الأساسية بقيت بيد الوزير المختص أما مجلس الإدارة فيعمل ولكن بيدين مكبلتين فكيف سيدير الشركة أمام هكذا واقع، طالما أن هناك هدفاً رئيسياً للدمج هو تبسيط الإجراءات وتسهيلها فنحن نجانب الصواب بهذه الطريقة التي نعمل بها على أرض الواقع.‏‏

تصفية المشروعات القديمة‏‏

وتابع الحمد: هذا ليس رأيي لوحدي بل آراء العديد من المعنيين بشؤون الدمج كما أننا وقعنا بعد الدمج الأخير بمشكلة الديون المتراكمة على الشركات وكيفية تصفية المشروعات القديمة.‏‏

وأكد الحمد قائلاً: بقناعتي انه بدلاً من تبسيط العمل أصبح معقداً وخاصة أن الوزير المختص لايعطي صلاحيات حقيقية للمديرين العامين.‏‏

مناقصة أم تعاقد بالتراضي؟‏‏

وأشار الحمد إلى أنه في حال تم تطبيق المراسيم 467 و84 الناظمة للدمج لكان هناك جدوى كبيرة من الدمج ولكن بين ما يتم صياغته على الورق وما يحصل، نجد أنه يوجد هوة كبيرة فطريقة الأفضلية للعقود بالتراضي مع الشركات العامة لم يتم تطبيقه كما يجب، إذ نجد أنه توجد شركات تفضل المناقصة بدلاً من التعاقد بالتراضي.‏‏

من هذا المنطلق نجد أن شركة مثل شركة ريما اختصاصها ينصب بالمياه وشركة استصلاح الأراضي تختص بالاستصلاح العقبة باتت بين المياه والصرف الصحي، فحيث توجد مشروعات صغيرة تدخل فيها الشركات المتخصصة بالتقاطع مع بعضها أي المياه نجدها تعمل بالصرف الصحي واستصلاح الأراضي بالمياه وهكذا فأين هو مبدأ الاختصاص الذي ننادي به مواكباً للدمج في وقت لم يتم نقل حقيقي للتخصص فالبناء تأخذ مشروعات مياه، والإسكان يأخذ مشروعات استصلاح أراض..؟!‏‏

25٪ من العمل‏‏

إن الأعمال الإنشائية المختلفة التي يقوم بها القطاع العام حالياً لا يتجاوز 25٪ في وقت كانت كمية العمل المنوطة بالقطاع الخاص بتأمين الأعمال البنائية المختلفة بنسبة 75٪ ولكن باعتبار القطاع العام يقوم بالأعمال المهمة والحيوية لذلك تطفو أعماله على السطح أكثر من القطاع الخاص هذا ما يوضحه السيد مروان الورع مستشار وزير الإسكان والتعمير، ويؤكد أنه علينا في هذه المرحلة التركيز على عملية إشراك القطاعين العام والخاص وتأهيل القطاع الخاص ليشارك مشاركة فعالة ويساهم عملياً وبصورة مميزة في جميع الأعمال والمشروعات المختلفة وهي أبعاد تعتبر كنتائج حتمية للدمج وخاصة بعد مرور تلك السنوات التي كان لكل مرحلة زمنية فيها مقوماتها ودورها الحيوي في قطاع شركات الإنشاءات العامة.‏‏

موسى الشماس

المصدر: الثورة

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...