الحركات الإسلامية في غزة: إلى أين

16-08-2009

الحركات الإسلامية في غزة: إلى أين

الجمل: أصبحت الساحة السياسية الفلسطينية أكثر عرضة للتقلبات الدراماتيكية ففي الوقت الذي ظلت فيه التقارير والتحليلات تركز على نتائج مؤتمر حركة فتح السادس وتداعياته على مستقبل الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي، استدارت الأنظار فجأة تجاه قطاع غزة بسبب التطور الجديد المفاجئ المتعلق بحدوث الاشتباكات المسلحة بين حركة حماس الإسلامية المسيطرة على القطاع وحركة جند أنصار الله التي أعلنت من أحد مساجد مدينة رفح عن قيام "الإمارة الإسلامية" في القطاع.
* من هي حركة أنصار جند الله؟
تقول المعلومات الاستخبارية الجارية أن حركة جند أنصار الله تمثل أحد الفصائل الأصولية الإسلامية الموجودة في قطاع غزة والشديدة الارتباط بتنظيم القاعدة وزعيمه أسامة بن لادن ونائبه أيمن الظواهري. وقد رصدت التقارير خمسة حقائق عن الجماعة هي:
• أعلنت الجماعة عن وجودها في قطاع غزة قبل نحو شهرين وذلك على خلفية استشهاد ثلاثة من عناصرها في اشتباك مسلح حدودي عند محاولتهم شن غارة على إحدى القواعد العسكرية الإسرائيلية وأكدت المصادر أن عناصر الجماعة كانوا يحملون السلاح ويمتطون الجياد!
• ظلت جماعة جند الله أكثر تشدداً في انتقاد حركة حماس الإسلامية لجهة تحميلها مسؤولية التقصير إزاء عدم القيام بتطبيق وإنفاذ أحكام الشريعة الإسلامية بشكل قاطع. وعلى هذه الخلفية وخلال خطبة صلاة الجمعة يوم أول من أمس 14 آب 2009 أعلن زعيم الجماعة عبد اللطيف موسى (فيزيائي ورجل دين في مدينة رفح الواقعة جنوب القطاع والمعروف بـ"أبو النور المقدسي" عن قيام "الإمارة الإسلامية في قطاع غزة" والالتزام الكامل بتطبيق الشريعة الإسلامية، وبسبب التشدد وعدم التنازل فقد اندلعت المواجهات المسلحة بين عناصر الجماعة وعناصر حركة حماس التي سارعت بعد إعلان الإمارة إلى احتواء الموقف.
• لا توجد معلومات كافية حول الحجم الحقيقي للجماعة ولا ما إذا كانت لديها امتدادات خارجية أم لا، وما هو مستوى تسليحها، وحجم ومستوى قدراتها العسكرية. هذا، وتقول المعلومات والتسريبات بأن أنشطة جماعة أنصار جند الله تتميز بالسرية المطلقة تماماً على غرار نموذج سرية تنظيم القاعدة كما أضافت التسريبات أن عناصر الجماعة المسلحين الملثمين الذين كانوا موجودين في المسجد عند إعلان قيام الإمارة الإسلامية كان عددهم 100 عنصر، وأضافت التسريبات أنهم كانوا يرتدون زياً شبيهاً بالأزياء الأفغانية والباكستانية درج على ارتدائها عناصر حركة طالبان في باكستان وأفغانستان.
• أكد مصدر في وزارة الداخلية الفلسطينية –التي تديرها في القطاع حركة حماس- عن وجود المواطن السوري خالد بانات –المعروف باسم "أبو عبد الله المهاجر"- بين قتلى الجماعة الذين سقطوا في المواجهات مع حماس يوم الجمعة.
• أكد المتحدث الرسمي باسم حركة حماس المسيطرة على القطاع واصفاً الجماعة بأنهم "مجموعة من الخارجين عن القانون" وأضاف أن عناصر الجماعة سبق أن قاموا بتنفيذ الهجمات ضد الأهداف الفلسطينية والتي كان من بينها تفجير مقهى إنترنيت فلسطيني وتفجير حفل زفاف!
من المعروف أن الكثير من الوقائع الجارية تفيد لجهة أن قطاع غزة يتميز عن غيره من المناطق الفلسطينية بانتشار التوجهات الدينية الإسلامية وعلى وجه الخصوص توجهات الإسلام السياسي السلفي وحالياً تقول المعلومات بوجود العديد من الحركات والفئات الأصولية الإسلامية الغزاوية وأن ظهورها في العلن هو مسألة وقت لا أكثر.
* قطاع غزة وحركات الإسلام السياسي: وصل الخط المتقطع بين غزة وشبه القارة الهندية:
بعد قيام القوات الأمريكية بإكمال عملية غزو واحتلال أفغانستان تزايدت مقاومة حركة طالبان الأفغانية وانتقلت عدواها إلى الساحة الباكستانية لتظهر حركة طالبان الباكستانية (الباشتونية) في مناطق القبائل الباشتونية، وأعقب ذلك ظهور حركة طالبان الباكستانية (البنجابية) في مناطق قبائل البنجاب، وأعقبها ظهور حركة طالبان البنغلاديشية، وحتى الآن لا توجد معلومات كافية حول عدد حركات طالبان الناشطة في شبه القارة الهندية وبقية أنحاء العالم خاصة وأن ظهور هذه الحركات إلى العلن يتم بعد فترة إكمالها للأطوار السرية والتي تستغرق عادة بضع سنوات.
الطريقة التي أعلن بها زعيم جماعة أنصار جند الله قيام الإمارة الإسلامية تشبه بقدر كبير طريقة إعلان الزعماء الأصوليين الباكستانيين عن إقامتهم للإمارات الإسلامية في المناطق الواقعة تحت سيطرتهم، فقد تم مؤخراً إعلان "الإمارة الإسلامية" في وادي سوات الباكستانية إضافة إلى أن العناصر الأصولية السلفية والباكستانية والأفغانية المسلحة ظلت بقدر كبير تتمركز في مناطق القبائل الباكستانية التي تنقسم إلى سبع إمارات إسلامية يقود كل منها "أمير مؤمنين" يتميز بالالتزام الشديد بتطبيق "أحكام الشريعة الإسلامية"!
أثرت حركة الكفاح الفلسطيني المسلح بمختلف تياراتها في حركات الكفاح المسلح المنتشرة في العالم وفي الوقت ذاته ظلت الساحة السياسية الفلسطينية تتأثر بالحركات المسلحة العالمية، وبالتالي ليس من المستغرب أن تتأثر الساحة الفلسطينية بما يجري في الساحتين الباكستانية والأفغانية خاصة وأن أمريكا أصبحت تمثل العدو المشترك لهذه الحركات سواء في غزة أو بلدان شبه القارة الهندية.
من الواضح أن النجاحات العسكرية العملياتية التي استطاعت حركات طالبان (أفغانستان وباكستان) وحركة عسكر طيبة وحركة إنفاذ الشريعة الإسلامية، من تحقيقها في شبه القارة الهندية في المعارك ضد القوات الأمريكية وقوات الناتو هي نجاحات تمثل في حد ذاتها نموذجاً مغرياً للعناصر الإسلامية الفلسطينية –وتحديداً الغزاوية- للسعي من أجل استلهامها وإسقاطها بشكل مباشر على المسرح الفلسطيني.
* قطاع غزة: إلى أين؟
تقول المعلومات أنه بالإضافة إلى الحركات الأصولية الإسلامية المسلحة الناشطة إلى جانب حركة حماس في غزة فهناك حركات أصولية إسلامية مسلحة انشقت عن حركة حماس نفسها وإن كان ذلك بأعداد قليلة لم تؤثر في القدرات الكمية لحماس. إلا أنه على أساس الاعتبارات النوعية يمكن الإشارة إلى احتمالات المزيد من التداعيات الخطيرة خاصة وأن التجارب قد أكدت دائماً أن العناصر التي تنقسم من الحركات الإسلامية هي عناصر تتميز بالقوة والحركية والتطرف.
ظلت حركة حماس تدرك جيداً الحركات الإسلامية المسلحة الناشطة إلى جانبها في القطاع وتقول المعلومات أن الحركة سعت خلال المواقف العصبية ولحظات المواجهة ضد القوات الإسلامية في عملية "الرصاص المسكوب" إلى تجميع عناصر هذه الحركات ودفعها إلى القتال ضد الإسرائيليين الأمر الذي تقبله عناصر الحركات بكل سهولة. لكن بعد دخول الحركة في وقف إطلاق النار مع إسرائيل سعت الحركات الأصولية إلى توجيه الانتقادات لحماس ومنها:
• اتهامها بالتراجع عن مواصلة الجهاد ضد الإسرائيليين.
• اتهامها بعدم الجدية إزاء القيام بأسلمة قطاع غزة.
وتقول المعلومات أن حركة حماس كانت تكتفي بحسن الإنصات وغض النظر عن توجهات الجماعات الأصولية ولكن ما هو جديد في الأمر تمثل في الآتي:
• تزايد تأثير هذه الحركات على بعض شرائح الرأي العام الإسلامي الغزاوي الذي ظلت حركة حماس تعتمد وتراهن على مساندته.
• تزايد عمليات الحركات العسكرية ضد الأهداف الفلسطينية داخل القطاع والتي بلغت 36 عملية.
• تزايد تأثير الحركات في إحداث الانقسامات والانشقاقات الدينية في أوساط الفلسطينيين من خلال قيام هذه الحركات بمهاجمة الكنائس المسيحية والمنشآت المرتبطة بها بما أدى إلى توتير العلاقات المسيحية – الإسلامية داخل المجتمع الفلسطيني إضافة إلى تزايد الشعور بالإحباط في الأوساط المسيحية الفلسطينية الذين يشكلون نسبة كبيرة داخل عرب إسرائيل وعلى وجه الخصوص في مدن حيفا والناصرة وبيت لحم وغيرها.
برغم كل ذلك سعت حركة حماس إلى الحوار والتفاهم في أحيان واللجوء إلى التجاهل وغض النظر في أحيان أخرى، ولكن ما لم تستطع حماس السكوت عنه هو تصعيد هذه الحركات لتوجهاتها والسعي لتهديد سلطة حماس في القطاع.
السابقة الأولى في قيام حركة "جيش الإسلام" باختطاف الصحفي البريطاني آلان جونستون مراسل هيئة الإذاعة البريطانية في غزة، وبسبب رفض حركة جيش الإسلام طلب حماس بالإفراج عنه اضطرت حماس إلى استخدام القوة ودارت على إثر ذلك معارك بين عناصر حماس وعناصر الحركة التي تجد التأييد والمساندة المكثفة من قبل أفراد عشيرة رموش المنتشرين في مناطق وسط القطاع.
الآن، تجاوزت حركة جند أنصار الله الحد عندما سعت إلى الإعلان عن قيام دولة الإمارة الإسلامية في غزة الأمر الذي اعتبرته حركة حماس تهديداً مباشراً لسلطتها ومن جانبها سعت إلى حسمه عسكرياً بشكل مباشر وسريع.
لن تتوقف الحركات الأصولية الإسلامية الغزاوية المسلحة عن القيام بتنفيذ العمليات العسكرية ضد الإسرائيليين والفلسطينيين الذين تعتبرهم "مجالس شورى" الحركات "خارجين عن الإسلام"، فهل ستسعى حركة حماس إلى القضاء المبكر على هذه الحركات بما يمكن أن يترتب عليه غضب الحركات الأصولية الإسلامية في العالم على حماس واعتبارها خارجة عن "الملة"، أم أن حماس ستسعى لاحتواء الحركات بالوسائل الناعمة التي كما أكدت التجارب أنها لن تحقق النجاح المطلوب في التعامل مع العناصر المتطرفة طالما أنها تعتبر النقاش والحوار بمثابة هدنة مؤقتة تقوم باستغلالها لجهة إعداد وتجهيز الموارد ولحين تسنح الفرصة لإطلاق المزيد من العمليات العسكرية!


الجمل: قسم الدراسات والترجمة

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...