الحوار والاختلاف داخل المذاهب الإسلامية

07-07-2007

الحوار والاختلاف داخل المذاهب الإسلامية

ينطلق عمر مسقاوي في كتابه الجديد، «التراث والحوار بين المذاهب الإسلامية والآخر» (دار الإيمان، طرابلس، 2007)، من القلق حول الوحدة الإسلامية، وما يتناوشها في أيامنا هذه من نزاعات ومشادات بين أنصار المذاهب الإسلامية، ويرى أن عناوين التفاهم أو التقارب، تخوض بطبيعتها في جدل تفصيلي فيه شيء من إيديولوجيا الانتماء يزيد من حدود الاختلاف، بينما الانصراف إلى وحدة التراث والثقافة الإسلامية في حيوية إنتاجها الثقافي، يمكنه أن يعيد للثقافة الحيوية الجماعية التي تسللت من أرضية المذاهب الإسلامية إلى فضاء الثقافة.

ويعتبر مسقاوي أن دعوات التفاهم والتقارب بين المذاهب الإسلامية بقيت نوعاً من تأنيب ضمير جماعي في كل مرحلة من مراحل غياب المسؤولية، فكانت المحاولة الأولى في التقارب بين المذاهب الإسلامية بين علماء الأزهر والنجف عام 1948، بمثابة تعويض عن قصور في مدى رؤية قيادات العالم الإسلامي وانصراف عن تأكيد وترسيخ وحدة التراث الذي أنتجته الحضارة الإسلامية. بينما تتطلب الوحدة الإسلامية، حيال ما يواجه العالم الإسلامي من أخطار، روح التراث التي تجمع تفاريق ما ذهبت إليه المذاهب، بخاصة أن الحضارة الإسلامية هي فعل أجيال الحضارة الإسلامية، التي تمحورت حول الأساس الجامع، وهو القرآن الكريم والسنة، ولذا فالاختلاف بين المذاهب هو اختلاف اجتهاد وفهم لمرجعية واحدة، وانتهى الخلاف التاريخي من جانبه السياسي، وبقي الإسلام تراثاً جامعاً في المفهوم الحضاري. كما أن الاختلاف بين المذاهب الإسلامية هو اختلاف مقاربة في طبيعته، وليس اختلاف سداد للحقيقة المطلقة.

ويعتبر مسقاوي أن الخلافات المذهبية والحزبية والسلطوية، تجد تفسيرها الاكتفائي في حيوية بدائية غير مكتفية، حيث يصبح الصراع تصادمياً يفتقد الحكمة والموعظة الحسنة، فيما الحكمة في الدعوة للإسلام هي الملائمة الفاعلة، أي ذروة الاستماع والترقب والموعظة الحسنة، وإدراكاً لحرية التغيير التي تبدو نداء مستشرفاً لسكينة القيم الروحية.

وفي صدد مقاربته لموضوع الإسلام والآخر، يجيب مسقاوي عن سؤال: هل الإسلام يدعو إلى الآخر؟ بأن الإسلام منفتح، وهو ليس ضد الآخر، إنما هو ضد الظلم والعدوان على الإسلام. لكنه سرعان ما يرفض مفهوم الآخر وكذلك قبول الآخر، بوصفه مفهوماً طارئاً على ثقافتنا، معنى ومفهوماً ومصطلحاً، ويطرح مساراً يلغي شمولية الرؤية الإسلامية ووحدتها التاريخية ومرتكزات التراث الروحي، ذلك أن الإسلام هو أساس اندماج الإنسانية بالنظام الكوني، والقرآن الكريم يحيط بالحياة الإنسانية، باعتبارها جزءاً من النظام الكوني في دقته وتتابعه وانتظامه.

ومن جهة المعنى اللغوي، تعني عبارة الآخر خياراً إيجابياً لغوياً، أي خيار في إطار الوحدة، في حين أن جهة النظر إليه كمفهوم مترجم لكلمة Tierce ذات المرجع الأوروبي القروسطي، ترى المفهوم، في أيامنا هذه، على أنه الذي نعاديه، وبالتالي لا يستقيم الآخر في الثقافة الإسلامية التي تفتح باب المودة للإنسان الكوني. ذلك أن الفارق، في الأصل، هو في مكونات المصطلح، بصفته يحمل تاريخاً وخبرة مستمدة من طبيعة الثقافة الوثنية والعنصرية الغربية، ولا وجود لهذا المصطلح في أي من صيغ اختلافنا مع الأديان والمعتقدات.

يمكن القول ان صورة الآخر في ثقافة ما، هي نتاج لمعايير معرفة وقيمة لهذه الثقافة، وحصيلة للفارق الدال بين واقعتين ثقافيتين، تخضع علاقتهما لشروط تاريخية ملموسة، من الصدام، والتنافس، والاقتباس، فهي تجسد عبر تمثلاتها المعقدة الواقع، والموقف من ثقافة الغير، وتمكن النهاية الفرد والجماعة من كشف وترجمته الفضاء الثقافي، وهي تحمل مزيجاً من الأفكار والمشاعر، والمواقف والدلالات الرمزية، وأحكام القيمة التي تتبلور على صعيد الممارسة في شكل تدخلات، واحتكاكات، وتنافس، واقتباس، في حالة التدافع والسلم. لذا فالمتخيل العربي الإسلامي عن الآخر لا يمكن اختزاله في المعنى اللغوي لعبارة ما، أو في مدلول نصي بحدّ ذاته.

غير أن مسقاوي يقرر بأن الخطاب القرآني، يضع حداً فاصلاً بين الإسلام والحداثة الغربية التي انتهت إلى تبديد كامل لوحدة الإنسان، معتبراً أن الإسلام لا معنى لديه لمفهوم الآخر المجهول، لأن لكل إنسان معنى، وفي كل سعي منه غنى، ورافضاً أي عنصر يخل بالتكامل الاجتماعي والبيئي في نطاق الزمان والمكان. ويضيف مسقاوي أن أعداءنا ليسوا هم الآخر بمعنى أنهم Tierce مجهولون منا، قيمة ومعنى، وخارج تصورنا، بل هم في بؤرة وأساس تهديد الوحدة الكونية ونظام الحياة. أما المسيحية واليهودية فكانت كل منهما في إطار الثقافة الإسلامية جزءاً من هذه الوحدة، ليس فحسب بسبب وحدة الأصل الإبراهيمي، بل بسبب وحدة الأصل الكوني، وبالتالي فإن انضمامهما إلى وحدة المجتمع لا يندرج تحت عنوان التسامح، بل تحت عنوان التكامل، وفي إطار هذا التكامل يصبح التسامح احد مظاهر السلوك الأخلاقي في قاموس التداول الاجتماعي.

ولعب الإسلام، كدين، دوراً حاسماً في تغذية الذاكرة والمخيلة العربية الإسلامية بصورة معينة للآخر، وبطريقة معينة للتعامل معه – من دون إغفال المؤثرات الأخرى الدينوية والزمنية، والفضول المعرفي – فكان القرآن الكريم بمثابة النص التدشيني الذي قامت عليه الجماعة الإسلامية، وتألفت في كنفه، وحدّد للمسلم مواقفه من الآخر، المختلف عنه دينياً، وثقافياً، وعين له سلوكه تجاه المختلفين معه.

غير أن الثقافة العربية – الإسلامية قدمت معايير وقياسات عدة حكمت من خلالها على ثقافة الآخر، ولوّنت بها صورته، فهناك أولاً المعيار الديني من خلال الإيمان الإسلامي، ثم المعيار الحضاري، وهو يقاس بمدى العمران عند الآخر، ومعيار بيئي جغرافي، يتعلق بموقع هذه الحضارات في أقاليم الكرة الأرضية، ومدى اقترابها من خط الاستواء الحار، ومن القطب الشمالي البارد، وتأثرها بمدارات النجوم والأفلاك، فضلاً عن العامل المعرفي المرتبط بمدى تقدم معرفتهم بالعالم وحال الشعوب بذلك الحين. كل هذه العوامل مجتمعة لونت نظرة الثقافة العربية – الإسلامية إلى الآخر.

الملاحظ أن عمر مسقاوي يعتمد في كتابه على أطروحات تفتقد التماسك، نظراً للتقريرية المباشرة في الطرح، وعدم الجدة، ذلك أن مفاهيم التراث والحوار والآخر، تحتاج إلى نظر وتناول لا يطلق الأحكام بخفة واستسهال، ولا يستند إلى رؤى قديمة، عفى عليها الزمان وتغايرت.

عمر كوش

المصدر: الحياة

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...