«الجانب الآخر للتاريخ» لرياض نجيب الريس

28-04-2007

«الجانب الآخر للتاريخ» لرياض نجيب الريس

"الجانب الآخر للتاريخ"، اسفار الصحافي رياض نجيب الريس في طرق العالم، يعبر بك في الزمن الى تاريخ قديم، أقدم من مرحلة الكتابة التي راوحت في مجملها خلال سنوات 1966-1968 وبعضها في سبعينات القرن الماضي. ويعبر طرقاً سارت عليها الشعوب نحو الحرية والانعتاق، وسارت عليها الدول نحو السيطرة، وامتطاها السلاطين والقادة نحو الاخضاع والاستعباد.
طرق تمحورت على ما اشتهرت به عبر التاريخ القديم والحديث: اللؤلؤ والنفط في اليمن والخليج العربي وعمان؛ المدائن والاساطير في آسيا الوسطى (سمرقند وبخارى) والاندلس والمغرب؛ التوابل والرقيق في قرن افريقيا (اثيوبيا والصومال) وشرقها (زنجبار)؛ الحرائر والحرير في فيتنام والهند الصينية على حدود الصين؛ الغزاة والحرية في اوروبا (براغ وبوخارست، وقبرص وكوبنهاغن). وهذه الطرق تعبر تسميتها عن تاريخها وواقعها.
كتب عن الجانب الآخر من التاريخ، عن عالم لن يتعرف اليه اليوم من لم يسافر في طرقه في الامس، وسيجده قد تغيّر منذ خمسين عاماً، أو لم يتغير فقد توقف الزمن عنده. وتصح تسميته الجانب المثلث الابعاد، إذ كتب عن واقع حاله حين كتب، وعاد بالذاكرة الى قرون مضت واستشرف مستقبلاً سيكون. تقرأ في الكتاب عما مضى، كأنه قائم حالياً، يختلط عليك ذلك احياناً، فتسلسل الصور التي يرويها امامك كأنها شريط لفيلم وثائقي تخال نفسك تراه الآن، وتتذكر بين الفينة والفينة انك تقرأ عن الماضي، وتتساءل هل اختلفت الاحوال الآن؟ بالطبع اختلفت، حيث تتبعتَ اخبارها في فيتنام واوروبا الشرقية مثلاً، فهل اختلفت في آسيا الوسطى في جوهرها وليس شكلاً؟

500 صفحة تقرأها فتبحر في اعماق التاريخ ومجاهل الجغرافيا وتغوص في الحكايا والاساطير التي تزدهر في المدن التي لفّها الجهل والتخلف بعد عز وازدهار. تلتقط اخباراً وروايات من هنا وهناك عن التاريخ الذي لا يزال حياً وإن انقضى زمنه.
مجموعة المقالات الصحافية فيها معلومات تاريخية وثقافية واجتماعية وسياسية ومعلومات عامة من كل حدب وصوب، تسلسها عناصر الرواية من سرد ووصف حتى المبالغة احياناً بعبارات مرنة بعيدة عن صلافة لغة الصحافة، حيث المجد العربي الضائع أو وعورة الصحراء العربية وجدبها، و"الشمس المحرقة تمتصك والرمال تأكل من عينيك وأنفك وأذنيك وتترك بصماتها بوضوح فوق كل شبر منك".
كي تلاحق الجغرافيا وتتبع التاريخ، يجب أن تضع الكرة الارضية امامك فتلامس بواسطتها المعابر والموانئ والخلجان والبحار، فدونها تضيع في معارج المناطق وتضاريس الدول، وتالياً ترسم خريطتك الخاصة التي تهديك في رحلتك مرافقاً الريس.
رياض الريس "البطوطي"، يجاذب الريحاني المعلومات عن شبه الجزيرة العربية حيث التقاه فكرياً بعد خمسين سنة، فكأن الزمن لم يعبر خلالها في بعض اليمن وحضرموت وغيرهما من مناطق جنوب شبه الجزيرة العربية.

العجب حديثه عن مناطق قبائل المهرة التي يقول ان الاسلام لم يبلغها بعد! ويقول الريس: "من المؤكد ان المهرة عرب. فهم قبائل قديمة لا يعرف أحد اصلها، لها سمات افريقية - حبشية، شاء الانكليز ان يستغلوها للتدليل على عدم عروبتها. لغتهم ذات ثلاث لهجات. فلهجة اهالي سقطرة مثلاً غير لهجة اهل الساحل. بعضهم يقول ومنهم البروفسور سارجنت الخبير في اللهجات الحضرمية، انها لغة سريانية، وان القبائل المهرية نزحت من الشاطئ السوري واستقرت في الجزيرة العربية قبل الاسلام بقرون. وآخرون يضيفون انها قبائل نزحت من افريقيا الشرقية وان لغتهم قريبة من اللغة الأمهرية في الحبشة. الرأي الأكثر شيوعاً انهم حميريون، وان لغة اهلها هي الحميرية القديمة. الاّ ان طه حسين يقول ان لا صلة لها باللغة الحميرية، بل هي سامية جاءت من الشمال ثم انقرضت. وليس لدى المهرة لغة مكتوبة، الاّ ان الانكليز بدأوا منذ مدة قصيرة بوضع احرف للغتهم وكتابتها وتعميم مصطلحاتها. فلغتهم فيها الكثير من المفردات العربية واكثرهم قادر على فهم العربية وإن كان لا يتكلمها الا "بصعوبة".

تدهشك في حضرموت ايضاً مدينة تريم المسورة ببابها الضيق وسورها الطيني الذي يحتضنها وخلفه تطل "ناطحات السحاب الطينية" ومعها مآذن على مد النظر. ففيها 365 مسجداً على عدد ايام السنة، يبنيها الاثرياء على ارواحهم بدلا من ان يبنوا مدارس او مستوصفات. والعجب كيف تجتمع هذه المساجد في مساحة ضيقة؟
اما صنعاء في اليمن التي يقال فيها "لا بد من صنعاء وإن طال السفر"، فهي المدينة الاسطورية موقعا، 2500 متر فوق سطح البحر، وعمارة كأنها في رسوم الكتب القديمة المجنحة. ولا شك أنها اختلفت حاليا عما كانت، وخصوصا بعد توحيد اليمنين، وإن حافظت على الكثير من تقاليدها وصورتها التي يصفها فيها الريس.ومن الطرائف في صنعاء ان الكتابة على الأوراق الرسمية من وسط الورقة وما دون، والشطر العلوي يبقى لتوقيع الامام، اذ لا يجوز ان يكون توقيعه تحت توقيع الرعايا.
وعمان، الاباضية المذهب، الذي شكل "اول حزب جمهوري في الاسلام"، كانت تقبع في عزلتها وتخلفها حتى انتشلها منهما السلطان قابوس بن سعيد عام 1970، وجارتها ظفار وثورتها الشيوعية في ستينات القرن الماضي، فكان تناحر القبائل فيها منذ 1800 يذكّرك بتناحر الطوائف في لبنان، ولا شك كانت الدول الكبرى تتدخل لاذكاء الخلافات بينهم.

ويمر الريس بحواضر اسلامية تاريخية تركت اثرا في الماضي وهي تغالب واقعها في الحاضر، تعيش مجدها الغابر وتنتظر مستقبلها. واشير بذلك تحديدا من دون ان اتمكن من العبور بها جميعاً، الى سمرقند التي بناها تيمورلنك وتضم مسجد بيبي خانم، التحفة المعمارية، واول "سوبر ماركت" في العصور الوسطى وهو عبارة عن سوق في شارع واحد يجمع كل انواع البضاعة، ثم مرصد اولوغ بيك، حفيد تيمورلنك، وقد اكتشفه عالم روسي عام 1908، وفيه "آلة السدس" التي تقيس ارتفاع الأجرام السموية قبل اختراع التلسكوب. "لكن رجال الدين المتعصبين لم تعجبهم حرية البحث العلمي، كما هي عادتهم في كل عصر، والتي يرعاها اولوغ بيك فحرضوا ابنه عبد اللطيف على قتله وتدمير مرصده. وتبع ذلك سنوات من الاقتتال بين الأسرة التيمورية".
يخصص الريس عشرات الصفحات، اكبر مجموعة من المقالات، عن دولة واحدة في الكتاب، لجولاته في فيتنام ومدنها الرئيسية عام 1966، حين بدأت بذور الحرب تنمو وتزدهر، ويعرض في احاديث مع اعضاء الحكومة الجنوبية العسكرية ووزير خارجيتها آنذاك لب المشكلة التي انهتها الولايات المتحدة باتفاق غدرت فيه بحلفائها الجنوبيين وتركتهم لقمة سائغة امام الفيتكونغ. فليحذر حلفاؤها في لبنان والشرق الاوسط.

وفي الهند الصينية معلومات عن التاريخ السياسي لتايلاند وكمبوديا ولاوس والمدن والمقاطعات والجزر – الدول على الحدود الصينية، كتايوان وهونغ كونغ وماكاو – كان راديو كانتون الصيني يحكمها وهي المستعمرة البرتغالية في عهد ماوتسي تونغ – وسنغافورة، ومنها ما هو اصغر من لبنان، بعضها لا يزال محافظاً على نمطه منذ اربعين سنة وبعضها الآخر تغير موقعه السياسي، وإن حافظ على نمطه الاقتصادي.
وفي ما يتعلق بأوروبا لا ضرورة لتكرار شرح الاجتياح السوفياتي لتشيكوسلوفاكيا ولا التحضير التركي لتقسيم الجزيرة القبرصية منذ ايام المطران مكاريوس وغير ذلك، انما الضرورة في قراءة مقال الريس عن كوبنهاغن الذي يؤرخ لثورة من نوع آخر، هي ثورة الحرية الجنسية في الدانمارك، اولى الدول الاوروبية في تشريع قوانين الجنس وادواته ووسائله، وهو ما يسترعي الانتباه ويستقرئك المقارنة مع سلاطين التخلف المعممين والمبرقعين والمتكهننين في بلادنا بل منطقتنا، سواء العربية او الشرق اوسطية الكبيرة او الجديدة.
واخيرا اختم بهذه الخاطرة التي اثارت استغرابي، كما اثارت دهشة الريس اذ كان الاعتقاد ان اللبنانيين فقط يقلقون لطائفية محدّثهم، لكن بدا انها صفة عالمثالثية عامة، فلم يلتق الريس رجلاً او امرأة في احدى دول آسيا الوسطى او افريقيا... الا كان السؤال الاول الذي يوجّه اليه: هل هو مسلم؟ لعلها عقيدة مستعصية يجب ان نبحث عن حل لها لدى فرويد!
ان حرصه على المحافظة على صيغة الرحلات كما كتبها ونشرها في حينه، اظهرت تكرارا في المعلومات والملاحظات والعبارات حين يعيد الكتابة عن مدينة او دولة سبق ان كتب عنها. كما ان المقالات عن الاندلس سبق ان نشرها في كتاب آخر.

«الجانب الآخر للتاريخ، رياض نجيب الريس، 540 صفحة من الحجم الكبير، دار رياض الريس للكتب والنشر».

جوزف باسيل

المصدر: النهار
 

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...