عالم نجيب محفوظ الروائي

26-11-2006

عالم نجيب محفوظ الروائي

يقصد بـ« العالم الروائي» لكاتب ما، شبكة العلاقات والموضوعات المصورة من قبل الكاتب، ثم الرؤية التي يمكن استخلاصها من تصوير هذا «العالم الروائي» والذي هو، والى حدٍ كبير « معادل فني» للحياة ، كما يراها ، أو كما ينظر إليها الروائي عبر تقنياته ومضامينه وموضوعاته، إنها «رؤية العالم» بالضبط ، مقدمة عبر الفن الروائي وتقنياته، كما يقدم الفيلسوف أو المفكر رؤيته للعالم ضمن «تقنيات» وموضوعات الكتابة الفكرية أو الفلسفية.
 من المعروف أن «رؤية العالم» مفهوم فلسفي آت من الفلسفة الألمانية، وخلاصة هذا المفهوم أن الانسان يعيش، واعياً، أو غير واعٍ، في اطار رؤية فكرية عامة للعالم او نظرة تنتظم نثارات وحوادث العالم الخارجي، مثلما تنتظم أبعاد الشخصية البشرية فرداً وجماعة، وبهذا المعنى فرؤية العالم هي نسق معرفي، مضمر أو معلن، مثلما هي نسق نفسي- فكري - على مستويي الفرد والجماعة، وضمن أبعاد الزمان والمكان لهذه المجموعة الاجتماعية أو تلك، وهذا الفرد أو ذاك.
 فرؤية العالم - إذن - أقرب ما تكون الى نظام فكري - فلسفي، جماعي، فردي لإضفاء الاتساق على العالم وعلى الذات وعلى المجتمع، ومن هنا نقول إن «رؤية العالم» في كتابات هذا الكاتب أو ذاك، أو «العالم الروائي» لهذا الروائي او غيره، هي «العالم كما يبدو» من خلال كتابات الروائي او عالمه، أو هي العالم كما ينظر إليه، أو كما يعيه الكاتب الروائي من خلال رؤيته الفكرية وأدواته الفنية المقدمة عبر مجموع أعماله التي تشكل العالم الروائي للكاتب .
 ربما تعود أصول هذه النظرة او هذا المفهوم للعالم الى الفيلسوف الألماني أمانويل كنت (1724-1804) الذي كان أول من فرّق بين «الشيء كما يبدو» و «الشيء في ذاته» والشيء أو العالم كما يبدو لنا هو «رؤيتنا للعالم» والعالم الروائي هو العالم، أو الشيء، كما يبدو للروائي، أو كما يصوره الروائي عبر تقنياته وموضوعاته، وبدهي أن كبار الكتاب، مثل كبار المفكرين هم وحدهم من يستطيع تقديم رؤية متكاملة متسقة وواعية للعالم، أو عالماً روائياً متسقاً ومتكاملاً وذا أبعاد فلسفية مصورة بأدوات وتقنيات الفن الروائي وعبر مقدرة تقنية عالية، فهذا ما يجعل هؤلاء الكتاب روائيين كباراً او هذا ما يجعلهم اصحاب «رؤى للعالم» أو أصحاب «عوالم روائية» محددة التخوم والمعالم، محددة الموضوعات والمضامين والتقنيات.
 تتعدد رؤى العالم بتعدد الحضارات والأزمان والثقافات والكتاب، بل يمكن الحديث عن «رؤى اساسية للعالم» و«رؤى فرعية» منضوية في إطار الرؤية الأساسية، من هنا يمكن الحديث عن رؤية هذا الكاتب أو ذاك، وعن هذا العالم الروائي عند روائي أو آخر، بل ويمكن الحديث عن رؤية هذه المرحلة الزمنية ، ورؤية هذه المجموعة الاجتماعية، وتلك.
 نجيب محفوظ (1912- 2006) واحد من الروائيين العرب القلة الذين يمتلكون «رؤية للعالم» او عالماً روائياً متكاملاً وفنياً، فعبر تاريخه الروائي قدم نجيب محفوظ رؤية فلسفية متسقة على الرغم من تغير «زاوية النظر» للعالم لديه، وتغير أدوات وتقنيات النظر عبر رحلته الروائية- الفكرية عندما تغيرت زاوية النظر لديه في رؤية العالم، كما سنبين:
 يمكن الحديث عن مرحلتين،أو طريقتين أو زاويتين في النظر الى العالم من خلال رحلة نجيب محفوظ الروائية التي ابتدأت مع بداياته الأولى ككاتب واستمرت حتى الانتهاء من الثلاثية، كما يمكن تسمية المرحلة الاولى بمرحلة «الثلاثية وما قبلها» وهذه المرحلة تنتظم كل ما كتب نجيب محفوظ منذ روايته الأولى« عبث الاقدار- 1939» وحتى الثلاثية «بين القصرين، قصر الشوق، السكرية(1956- 1957)» المنجزة عام 1952.
1- الثلاثية وما قبلها:
 نستطيع أن نسمي هذه المرحلة بمرحلة الرؤية الخارجية للعالم أو مرحلة: رؤية «الشيء كما يبدو للكاتب» إذ تقوم هذه الرؤية على الوصف الخارجي لحوادث وبنى المجتمع معتمدة على مفهوم أرسطي للزمن، واعتبار «الزمن مقدار حركة» كما تنعكس هذه الحركة على حياة البشر، ولأن الحركة في هذا المفهوم للزمن « خارجية» فالزمن مقدَّرٌ بمقدار حركة الشمس «الأيام والسنوات»، فإن الموضوع الذي تجري دراسة مقدار حركته هو البشر قديماً كما في «عبث الاقدار- 1939، ورادوبيس- 1943» ثم تأتي دراسة الزمن حديثاً وقد تحدد بالمجتمع المصري الحديث، كما في باقي الأعمال التي سبقت الثلاثية «القاهرة الجديدة- 1945» و«خان الخليلي - 1946»، و«زقاق المدق-1947»، و«بداية ونهاية-1949» ثم درة نجيب محفوظ الروائية ودرة الرواية العربية: الثلاثية (بين القصرين-1956، قصر الشوق، السكرية-1957).
 هذا التصوير الخارجي للزمن - المجتمع هو ما اتفق على تسميته بالمرحلة الواقعية في نتاج نجيب محفوظ، وهدف مثل هذا التصوير الخارجي، كما تقدمه الرؤية الواقعية، وكما قرأناه في الروايات الآنفة ذكراً رصد وتصوير حركة الماضي، والمجتمع المصري المعاصر من الخارج، أي تصوير حركة الزمن وآثارها وتأثيرها في البشر، كما يعيشون في حيواتهم اليومية، إنها موضعة التاريخ والزمن ضمن نسيج المجتمع البشري وبناه ومؤسساته وحياته مثلما هي وضع الانسان وحياته موضع النظر ومعاينة ندوب الزمن على حيوات البشر أفراداً ومؤسسات، ومن هنا يكون انتقال العائلة من الحي القديم في رواية «خان الخليلي» الى الحي الجديد«العباسية» ليس مجرد انتقال أسرة من بيت الى بيت، بمقدار ما هو رمز للزمن وهو تغيير، للقديم وهو يترك مكانه للجديد الذي يولد، مصر-وأي مجتمع مشابه- وهي تنتقل من القديم الى الحديث، للزمن وهو يتحرك، وأداة نجيب محفوظ في تقديم هذه الرؤية للزمن كانت الوصف الخارجي للزمن في حركته من خلال تصوير تقليدي-ولغة تقليدية كذلك- لعائلة تتحول من مكان الى مكان، وفي انتقالها هذا ننتقل من زمن الى زمن، ومن عقلية الى أخرى، وبهذا يكون الزمن قد تحرك «مقدار حركة» أو: تحرك مقدار خطوة للأمام.
هذه النواة الأولى لدراسة الزمن ستجد تحققها واكتمالها الناضج في «الثلاثية» حيث عوينت، ومن خلال عائلة مصرية من الطبقة الوسطى، أفعال وحركة وآثار الزمن في المجتمع المصري «العربي» وتاريخية انتقاله من «أحمد عبد الجواد»،الشخصية التي تمثل الرؤية التقليدية القديمة والساكنة للمجتمع والزمن الى الحياة الجديدة كما يعيشها حفيداه: الإخواني والشيوعي، مروراً بالحائر الكبير كمال عبد الجواد، جيل الوسط والتوسط، أو حلقة الوصل ما بين أحمد عبد الجواد المتسق مع زمنه ورؤيته وعالمه، وحفيديه المنقسمين الى رؤيتين متناقضتين للمجتمع والعالم.
قليلاً ما تنظر مثل هذه الرؤية الخارجية للزمن-المجتمع، أثناء تصويرها الفني، الى دواخل النفوس وإلى الأسئلة الميتافيزيقة، وحتى عندما تتعمق هذه الرؤية قليلاً الى الداخل، كما في «السراب-1949» فإن ذلك يكون لمصلحة التصوير الخارجي والرؤية الاجتماعية العامة.
هذا التصوير الخارجي للزمن-المجتمع استدعى كما قدمنا الأسلوب الواقعي في الكتابة، والواقعية زاوية نظر ترى الى مؤسسات المجتمع وأفراده من الخارج، وتعتبر الفرد مجرد خيط في شبكة نسيج العائلة-الطبقة- المجتمع، وبهذا تتغاضى كثيراً عن «الفرد» وقلقه ومشاغله، مثلما تتغاضى عن أهمية تركيب داخل الفرد ومعاناته ومشكلاته ونوازعه، كذلك تقتضي هذه النظرة الخارجية للزمن-المجتمع ومسيرهما الخطي، لغة وصفية منضبطة، وعلاقات تقوم على مبدأ السببية في تتالي الحوادث، وعلى عالم مطرد الحوادث، عالم يمكن فهمه وتصويره، والنظر إليه من زاوية نظر محددة وثابتة، إنها الطريقة الكلاسيكية-الواقعية المعروضة في الكتابة، مما لا مجال هنا لتفصيله، وقد وصف نجيب محفوظ الأسلوب الفني في «الثلاثية» وصفاً دقيقاً عندما قال بأنها «الرواية قادمة من عصر كلاسيكي ومتوغلة في عصر رومانتيكي، ومتجهة الى عصر تحليلي، فيها تلاقي الشرق بالغرب» وهذ الوصف ينطبق على الطريقة أو الرؤية الواقعية في الكتابة عموماً.
2- ما بعد الثلاثية:
تحدث نجيب محفوظ أكثر من مرة أنه، وبعد حركة الجيش المصري في 23 تموز1953، قرر الامتناع عن الكتابة، بل وامتنع فترة هي الفترة ما بين 1952-1957، وربما يكون السبب في ذلك هو أن هذه الحركة أحدثت خللاً (خلخلة) في النظام الفكري، ورؤية العالم، أو برنامج نجيب محفوظ الكتابي، مثلما أحدثت خللاً في المجتمع المصري، الأساسي الذي تنهض عليه كتابات نجيب محفوظ، موضوعات ورؤية فكرية وعالماً روائياً، فرؤية نجيب محفوظ قبل هذه الحركة كانت رؤية الى مجتمع تقليدي يمكن تصوير حياته ومسيره وتاريخه، بشكل وتسلسل خطيين، وبالتالي استخلاص رؤية فنية-فكرية، أو رؤية عامة للعالم، إنها الرؤية التقليدية للزمن والعالم مطردي الحدوث، يسيران بانتظام وقانونية محددتين حيث تشرق الشمس وتغرب، وحيث الناس يولدون ويعيشون ويموتون في «حارات القاهرة» والانتقال الأكبر يكون في الانتقال من «حارة الخليلي» الى «حارة العباسية» وفي تشظي أحمد عبد الجواد في حفيديه:الإخواني والشيوعي.
رؤية خطية للزمن الذي يسير الى الأمام، ومرآة هذا الزمن هي البشر وهم ينمون ويتكونون عبر العائلة في أدوار الطفولة والشباب والكهولة والموت، إنها مراحل محددة سلفاً، بل هي سمات أخلاقية وتاريخية وشخصيات يمكن تصويرها من خارجها  وتعميمها على المجتمعات المحافظة، هكذا تسير الأمور، وهكذا يسير الزمن، هذا هو جوهر الرؤية المقدمة في تلك الأعمال السابقة على الثلاثية والسابقة على حركة الجيش في 23  تموز 1952.
بعد 1952 دخلت عناصر جديدة الى الصورة القديمة، أو الى العالم القديم، فدخل مثلاً مفهوم «الثورة»، والثورة في أبسط تعريفاتها هي «قطع مع الماضي» قطع في الزمن وله، قطع لسيرورة الزمن وسيولته «الطبيعية» ونجيب محفوظ، ككاتب متسق مع نفسه ومع فنه، وعندما رأى أن العالم-المجتمع حوله بدأ يتغيربواسطة «الثورة» أدرك أن رؤيته القديمة يجب أن تتغير مع تغير «المجتمع أو العالم» الذي كانت تقوم عليه رؤيته السابقة، وربما أدرك أن طريقته القديمة في الرؤية والكتابة، وربما زاوية نظره ونقطة مراقبته الخارجية التي صور من خلالها العالم-المجتمع في رواياته السابقة ما عادت صالحة في «الزمن الجديد» وربما لهذا، وككاتب يحترم نفسه، فقد توقف عن الكتابة لأنه أدرك أن أدواته السابقة لم تعد فعالة في العالم-المجتمع الذي تغير، أو من هنا نفهم قول نجيب محفوظ الذي تكرر أكثر من مرة:
«حينما ذهب المجتمع القديم ذهبت معه كل رغبة في نفسي لنقده- انظر مثلاً: عشرة أدباء يتحدثون-فؤاد دوارة- كتاب الهلال-172+1965» بعد أزمة التوقف عن الكتابة، وبعد بداية توضح معالم«الثورة» بداية توضح معالم العالم والمجتمع الجديدين، عاد نجيب محفوظ الى الكتابة أواخر الخمسينيات برواية «أولاد حارتنا-1959» وهي رواية يمكن اعتبارها جسراً روائياً-فكرياً ما بين مرحلتين في الكتابة، أو جسراً ما بين رؤيتين أو طريقتين لرؤية العالم، فموضوع الرواية تاريخي، أو تاريخ الأفكار وربما الأديان، ولكن عبر سيرة «داخلية» لرحلة الأديان الكبرى، حسب تسلسل الزمن الخطي، أي الزمن السائر الى الأمام، وحسب مفهوم السببية، أي الفكر- الدين- الشخصية اللاحق، ثم متابعة للفكر-الدين الشخصية السابقة.
عبر «أولاد حارتنا» تحدد الانتقال الذي سيقوم، أو قام به نجيب محفوظ بعد «الثلاثية»، هذا الانتقال الذي يمكن تسميته بالمرحلة الفلسفية بعد ما سمي بـ : «المرحلة الاجتماعية -الواقعية».
تتحدد معالم هذا العالم الجديد في روايات «اللص والكلاب -1961، السمان والخريف -1962، الطريق -1964، الشحاذ-1965».
تقوم زاوية النظر في هذه المرحلة على التمعن في العالم الداخلي للشخصيات، التمعن في ذوات البشر الداخلية ومأزقهم الوجودي والنفسي، ومن هنا يكون الزمن داخلياً ونفسياً وغير خطي، إنها محاولة لرؤية «الشيء في ذاته» ومن خلاله، مما اقتضى من نجيب محفوظ تغييراً آخر في اللغة وفي بناء الزمن وتحديد مساراته، بل وفي التركيز على الأفراد والأفكار بدل التركيز على المجتمع -الحي الشعبي، أي التركيز السابق على مسير الزمن الخارجي، ومن هنا تكون البؤرة المصورة، أو زاوية النظر في «اللص والكلاب» هي: «سعيد مهران» الشخصية الفردية، عكس «زقاق المدق»، حيث الحي الشعبي -والمجموعة الاجتماعية، هي زاوية النظر التي من خلالها يبني الكاتب عالمه الروائي، أو يقدم رؤيته - الفنية الفكرية للعالم من خلالها، وقل القول نفسه عن التأملات الفلسفية في «الشحاذ» و«الطريق» حيث يمكن النظر إلى هاتين الروايتين على أنهما بحث فلسفي- وجودي ميتا فيزيقي عن «الله» كما كانت «أولاد حارتنا» بحثاً في تجلي «الله» عبر رسالاته وأنبيائه في مسير الزمن -التاريخ -البشر.
هذا الانتقال إلى النظرة الفلسفية، أو زاوية النظر الفلسفية، استدعى لغة متوترة، شاعرية، متأملة، متسائلة، وشخصيات قلقة، ضائعة، بل وانتقلت طريقة التصوير والسرد من لغة هادئة في سردها وتصويرها، وانتقل الزمن من زمن خطي، إلى زمن متشظٍ، وتعددت زوايا النظر، وأصبح الواقع متمثلاً أو منظوراً إليه عبر «مرايا» وشخصيات متعددة، كما في رواية «المرايا -1972»، وبهذا صار الزمن نفسه معاشاً من الداخل، ومنظوراً إليه في ذاته. من هنا بدأ الزمن يتمدد تمدداً غير خطي بعد أن كان يسير مستقيماً إلى الأمام، بل وأصبح الزمن نفسه مدار تساؤل ونظر، وبهذا انتقل نجيب محفوظ من النظر إلى الشيء -الزمن- كما يبدو، إلى النظر، إلى الشيء-الزمن-  في ذاته، أو النظر في «ذات الشيء» وإن بقي في الحالتين وفياً لنظرته التي توحد مابين الزمن -العالم، وبين المجتمع-البشر عبر مرحلتيه، ذلك أن تغير زاوية النظر بعد 1952، لم يغير رؤية العالم الأساسية لدى نجيب محفوظ، وهي رؤية تقوم على النظر إلى العالم -الزمن وموضعتهما في عالم البشر وحيواتهم وأشواقهم وزمنهم الحار، وليس مجرد عالم «الطبيعة»، البارد حيث اللامبالاة تجاه البشر والكائنات.
ربما يمكن الحديث عن تغير آخر  في رؤية نجيب محفوظ الفنية والفكرية أعقب هزيمة 1967، ربما، إلا أن عالم نجيب محفوظ -فيما يبدو لي- كان قد استقر في أسسه ومعالمه قبل عام 1967، وإن أعطت هزيمة 1967 نجيب محفوظ زاوية جديدة للنظر إلى عالم اجتماعي محدد في طريقة عيشه وإدارة سياسته مما أدى ويؤدي إلى عذابات إضافية للبشر تتمثل في هموم إنسانية محددة كالتعذيب والسجن وخراب النفوس والأوطان والذمم كما في «الكرنك»، و«يوم قتل الزعيم»...إلخ.
إنها المسألة الفلسفية التقليدية للزمن لدى نجيب محفوظ وقد باتت أكثر تحديداً وتعييناً، الزمن كما يمر على هذه المنطقة العربية التي هي العالم الواقعي -الروائي الذي من خلاله يقدم نجيب محفوظ رؤيته الفلسفية للعالم ككل، وعبرها، أوعبر تقديمه لها من خلال عالمه الروائي، يقدم نجيب محفوظ تجربة أدبية لافتة، واجتهاداً في علاقة الخاص بالعام، الزمن الكلي بتعينه الاجتماعي، الزمن الفلسفي وعلاقته بالزمن الإنساني.
هذا هو العالم الروائي لنجيب محفوظ، زمن يمر... ومن مرحلة إلى أخرى، وبالتساوق مع أحداث هذا الزمن الذي يجري مخلفاً ندوبه في نفوس الأشخاص والمجتمعات.
غيَّر نجيب محفوظ أكثر من مرة زاوية النظر إلى العالم، لكن رؤيته الفلسفية لم تتغير: الزمن وندوبه وآثاره والتغيرات التي يحدثها في النفوس الشخصية وتكويناته والمجتمعات والبشر.
دراسة في الزمن: هذا هو العالم الروائي لنجيب محفوظ، يتغير الأفراد والمجتمعات والظلال... ويبقى الزمن، وفيه يعيش البشر، يولدون ويعيشون ويحبون ويتألمون يصعدون ويسقطون، وكل ذلك يتم في الزمن، مرة ينظر إلى الموضوع/ المسألة من خارجها، وأخرى من داخلها، في البداية قدم «الشيء كما يبدو» وفي النهاية قدم «الشيء كما هو»وفي الحالتين قدم لنا الكاتب «الشيء كما يبدو له» والشيء أو الزمن، كما بدا لنجيب محفوظ، هو عالم نجيب الروائي الذي عاش أكثر من ستين عاماً يبنيه فكرة فكرة، لحظة لحظة..ورواية رواية.

محمد كامل الخطيب

المصدر: البعث

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...